نظرة سريعة إلى الحضارة المعاصرة وملامحها تكشف لنا أن العرب بوجه عام يعانون تأخرا فى كثير من المجالات. والعرب يعترفون بذلك. لكن يلاحظ المفكر المغربى عبدالله العروى أن العرب يعترفون بأن هناك تأخرا اقتصاديا واجتماعيا وكذلك عسكريا لكنهم لا يقبلون بسهولة فكرة التأخر الثقافى، ويعترفون ببعض مظاهر التخلف الاجتماعى أو الاقتصادى أو السياسى لكنهم يرفضون كلمة التخلف بصدد الثقافة.
فى الواقع توجد مؤشرات موضوعية قابلة للقياس للحكم على مدى التأخر الثقافى مثل مستوى التعليم ونسبة الأمية ومعدلات القراءة والترجمة. ولكن النقص فى كل هذا يمكن أيضا رده إلى عوامل مادية مثل نقص الموارد وقلة التمويل. وهكذا نجد أنفسنا نعود لنرصد التأخر فى ميدان الاقتصاد وليس فى الثقافة نفسها. ولكن لو تصورنا أن الحكومة قامت بمضاعفة ميزانية التعليم وقامت بزيادة الإنفاق على الأعمال الثقافية فلن يكون هذا بمثابة ضمان لنهاية التأخر الثقافى. لماذا؟ لأن هناك معوقات ذات طبيعة فكرية موجودة داخل الثقافة نفسها تؤدى دائما إلى التأخر الثقافي. والإنفاق المادى ليس هو الكفيل بإزاحتها. هذه العوائق الأيديولوجية كثيرة، منها نوعية المعرفة السائدة ومناهج التفسير ورؤية العالم والوعى التاريخى ومقولات التحليل.
ومن أبرز هذه المعوقات الدعوة إلى الاكتفاء الفكرى بالتراث بزعم أن تراثنا يحتوى على كنوز ولكننا لا نلتفت إليها. وقد يكون ذلك صحيحا إلا أن هذه الكنوز قد نهيل عليها التراب لأنها وافدة على تراثنا من الخارج مثل الفلسفة. أما العلوم مثل الكيمياء عند جابر بن حيان والرياضيات عند الطوسى والبصريات عند ابن الهيثم فإننا حتى لو رددنا لها الاعتبار فنحن لا نستطيع الآن الاكتفاء بها والانطلاق منها وتجاهل التقدم الهائل الذى حققته هذه العلوم فى عصرنا.
نزعة الاكتفاء بالتراث أدت إلى أن يشيع فى الأوساط الثقافية استهجان تبنى المواطنين العرب التيارات الفكرية المعاصرة مثل الليبرالية والماركسية والوجودية. هذا الاستهجان لا وجود له فى مسارات النهضة فى ثقافات أخرى مثل اليابان أو الهند أو الصين. لو أراد المواطن العربى المعاصر تبنى العقلانية فى التفكير، أو العلمانية فى السياسة، أو النزعة الثورية فى حل المشكلات الاجتماعية فليس عليه، من وجهة نظر أنصار الاكتفاء بالتراث، إذا أراد أن يكون مخلصا لتراثنا إلا أن يكون معتزليا وحتى هذا لا يمر دون تنديد.
المنفتحون من أنصار التراث يقبلون أن يكون المرء منحازا لحقوق الطبقات الشعبية أو مناديا بحقوق المرأة لكنهم يفرضون عليه الانطلاق من مرجعية واحدة هى المرجعية الدينية دون أى إحالة لحركات فكرية موجودة فى ثقافات أخرى. هذا الإصرار على المرجعية الأحادية والتى تكون بالضرورة دينية يؤدى دائما إلى نتائج سلبية. على سبيل المثال من المعروف أن الاستمرار فى تزييف الممارسة الديمقراطية فى جميع المجتمعات يزيد من ميل الكثيرين إلى الامتناع عن المشاركة فى هذه التمثيلية العبثية. ولحث المواطنين على المشاركة فى الانتخابات يصور البعض فتاوى بأن من يمتنع عن المشاركة يحمل ذنب كاتم الشهادة، فانبرت جماعات أخرى فى مساجد مناوئة لاتهام المشاركين بأنهم يحملون ذنب دعم الدولة الكافرة وعرقلة عملية تأسيس دولة الخلافة. وهكذا أدى الانطلاق من المرجعية الدينية إلى اختطاف الجدل السياسى من مجال ممارسة الحقوق والبحث العقلانى عن الممارسات الأكثر ملاءمة لمصلحة الشعب إلى الزج به فى جدل فقهى لاهوتى مشغول بالبحث عن الحلال والحرام.
حسن النية فى استخدام المرجعية الدينية فى تناول قضية سياسية قد يكون دافعه الفاعلية أو المصلحة العامة أو تبنى لغة يفهمها الجمهور. ولكن النتيجة فى النهاية تكون تكريسا لابتلاع التناول الدينى لكل مظاهر الحياة. استحكام هذا التزمت جعل المثقفين اليساريين والعلمانيين، كى يجدوا حلا لأزماتنا المزمنة، يرفعون شعار فتح باب الاجتهاد. وهو ما يعنى أن نظل فى انتظار رجال دين مستنيرين يصدرون فتاوى تسمح لنا بالذهاب إلى المسرح وإقامة التماثيل والسماع للموسيقى وزيارة المتاحف. وهذا فضلا عن تكريسه شمولية الدين وتحكمه فى جميع المجالات، يجعلنا، من منظور الفيلسوف كانط فى تحديده لمعنى التنوير، لم نبلغ سن الرشد بعد لأننا مازلنا نبحث عن أوصياء ولا نجرؤ على استخدام عقولنا بحرية.
كان المفكرون العرب الليبراليون فى موقف حرج بسبب الحضور الاستعمارى القاهر. نداؤهم بتبنى الحداثة الغربية نُظر إليه على أنه خضوع للاستعمار، أما موقف المثقفين التقليديين لم يكن أقل حرجا لأن اكتفاءهم بالتراث ورفضهم المعارف الغربية نُظر إليه على أنه رفض للحداثة بل وحتى تدعيم لاستمرار الاستبداد والركود التاريخي. ومازلنا فى هذا المكان لا نبرحه.
***
د. أنور مغيث
عن جريدة الأهرام المصرية، يوم: الثلاثاء 8 من محرم 1448 هــ 23 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50968







