اخترنا لكم

عبد الله جمعة الحاج: المحتوى التنظيري لدور النخب المثقفة في السياسة

يمكن تصنيف دور النخب المثقفة في الحياة السياسية للمجتمع من الناحية النظرية بأنه ذو مسارات ثلاثة: فأولاً، يقوم المثقفون بتقويم الممارسات السياسية، ويتضح هذا الدور التاريخي من رفض العديد من الممارسات الخاطئة للسياسيين، كما حدث من مخرجات للثورات العالمية الكبرى كالفرنسية والروسية، حيث كان معظم تلك الثورات من أعضاء النخب المثقفة.

أولئك القادة كانوا يتحركون من خلال العمل الميداني الفعلي لتلك الثورات، أو من خلال توعية الجماهير وحثها على رفض الممارسات الخاطئة، كما يحدث في العديد من دول العالم النامي منذ استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وثانياً، مشاركة أعضاء من النخب المثقفة عملياً في السلطة. وتأتي تلك المشاركة عبر وسائل ثلاث، هي التأثير على السياسات الرسمية من جانب، وعلى الرأي العام من جانب آخر للقبول بتلك السياسات، وتقوم النخب المثقفة بدور الناصح لممارسي السياسة وتقديم المشورة لهم في القضايا المهمة المتعلقة بالسياسة والاقتصاد وشؤون المجتمع.

وبالإضافة إلى ذلك ينخرط بعض أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية العملية كسياسيين محترفين. وبطبيعة الحال تتوخى عملية التأثير على السياسة تغيير الأوضاع المختلة وتقويمها، ويتم ذلك بالتأثير على الشعارات المطروحة عن طريق كافة وسائل الضغط المتاحة. وتتوقف إمكانية حدوث هذه الظاهرة على الدرجة التي يمكن القبول بها من قبل المؤسسات السياسية القائمة. والعلاقة هنا طردية، فكلما زاد قبول المؤسسات السياسية بذلك كلما كانت الظاهرة أكثر وضوحاً، والعكس بالعكس.

ويتجلى دور النخب المثقفة الموجه للسياسات في عدة أدوار يؤديها أفراده، هي: دور رجل العلاقات العامة ذي الشخصية القادرة على التواصل والإقناع، كما يحدث في المجتمعات ذات التجارب الانتخابية أثناء الحملات، حيث يقوم أصحاب الفكر والرأي من أعضاء النخب المثقفة بإعداد البرامج الانتخابية والسياسات الموضوعية المناسبة، والمساعدة في وضع الحجج الدافعة التي تضمن سلامة القرار السياسي المتخذ والحلول العملية للمشاكل. وفي الزمن الحالي أصبحت المعلومات الغنية من الأمور التي لا يمكن لأي متخذ قرار واعٍ أن يستغني عنها.

ويلاحظ بأن الأمم المتحضرة تدشن مراكز البحث العلمي والإدارات المتخصصة لكي يمارس المثقفون من خلال نشاطاتها وعبر ميزانياتها لتقديم المشورة السياسية المتكاملة لمؤسسات الدولة وأجهزتها. وبهذه الوسيلة يتاح لأعضاء النخب المثقفة المشاركة في إبداء آرائهم حول صنع القرار وللدولة والمجتمع الاستفادة القصوى من تلك الآراء والمشورات.

ثالثاً، العزلة. وهنا تكون مشاركة أعضاء النخب المثقفة في الحياة السياسية ذات طبيعة سلبية، حيث توجد شرائح واسعة منهم تعتبر لا مبالية بشؤون السياسة والمجتمع.

ويعزى هذا النمط السلوكي اللامبالي للمثقفين إلى ما يعرف بـ «الإقرار الصامت» بين النخب المثقفة والنخب السياسية تمتنع عبره النخب المثقفة عن التدخل في السياسات المتعددة الجوانب للنخب السياسية.

وفي مقابل ذلك تقوم النخب السياسية بتزويد أعضاء النخب المثقفة بمزايا وتسمح لهم بالعمل بحرية تامة في مجالاتهم العلمية والثقافية والاجتماعية وتدعمها أدبياً بما يمكنهم من الإنتاج الوفير والانتشار الواسع وظهور المبدعين من بين صفوفهم، خاصة بالنسبة لمواهبهم غير المرتبطة بالنشاط والممارسات السياسية.

***

د. عبد الله جمعة الحاج

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يناير 2026 23:15

 

في المثقف اليوم