اخترنا لكم

فهد سليمان الشقيران: لماذا استمر تأثير إيمانويل كانط؟!

من العجيب أن يستمرّ تأثير نظريات فيلسوفٍ حتى بعد موته بقرون. إنّ مستوى الخلود النظري لإيمانويل كانط (1724-1804) يعتبر استثنائياً وخارقاً في تاريخ الفلسفة والعلوم، ذلك الفيلسوف المنطوي الصارم تصدر عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات حتى اليوم. لقد انقرضت الفلسفة الوضعيّة، وتحدّت من بعد ذلك نظريّاته صعود موضة الفلسفة الظاهراتية، غير أن ما طرحه من أسئلة لم تزل فعّالة ومُلهمة.

لم يتمتّع كانط بأسلوبٍ أدبي في صياغة الأفكار، ولم تكن لديه جماهيرية على مستوى الطلاب والجامعات والأكاديميين كما توفَّر لهيغل، وإنما بقاء نظرياته يعود إلى صرامة الأسئلة التي انطلق منها والتبويب العلمي والقوّة المنهجية.

ومن آخر ما قرأت عنه ما كتبه: «مايكل رولف» بدراسةٍ مطوّلةٍ عن كانط، ترجمها الأستاذ علي الحارس. «ربما انعكست النشأة عليه وعلى فلسفته، والتي لخّصها رولف بأنه: «عاش في كنف أسرة مهنية ذات موارد متواضعة، فأبوه كان من شيوخ السرّاجين، وأمّه كانت ابنة رجل يعمل في المجال نفسه، لكنّها كانت على مستوى من التعليم يفوق معظم نظيراتها في طبقتها الاجتماعية. ولم تعانِ أسرة كانط من فقر مُدقِع، لكنّ عمل أبيه كان يتراجع عندما بلغ كانط عتبة الشباب، واضطرّ والداه أحياناً لطلب المعونة المالية من الأقارب... وكان والدا إيمانويل كانط يعتنقان المذهب التقوي، فارتاد مدرسة تدين بهذا المذهب (تدعى: كوليگيوم فريديريكيانوم) من الثامنة من عمره حتّى الخامسة عشرة».

بالتأكيد، إن النشأة الدينية القويّة زلزلته وأثّرت على تفكيره ونظريّته، حتى تدريسه لطلاب الابتدائية مطبوعٌ على نظريته حول التربية التي برع فيها وكتب عنها مجموعة من التأملات، ومن ثمّ طوّرها في كتابه «نقد العقل العملي». بقي سؤال الحقيقة مقلقاً له منذ يفاعته، فهو طرح السؤال الفعّال والمُربِك والمؤثّر على تاريخ الفلسفة حتى اليوم، وهو:«كيف أعرف»؟!

وقد قارب ذلك في كتابه «نقد العقل المحض». يعتبر رولف أن: «الموضوع الأول لكتاب (نقد العقل المحض) هو إمكانية الميتافيزيقا، وذلك وفقاً لفهم محدّد. إذ يعرّف كانط الميتافيزيقا بأنّها «الإدراكات التي من شأنها أن تسمح للعقل بعد حصولها أن يسعى مستقلاً عن أيّة تجربة»، وكان هدفه في الكتاب أن يصل إلى «قرار بشأن إمكانية أو عدم إمكانية الميتافيزيقا عموماً، وتحديد مصادرها، بالإضافة إلى توسيع حدودها، على أن يكون ذلك كلّه بالانطلاق من المبادئ».

وبهذا تكون الميتافيزيقا عند كانط متعلّقة بمعرفة قبلية، أو بالمعرفة التي لا يعتمد تسويغها على التجربة، وهو يُقرن المعرفة القبلية بالعقل».

الخلاصة، أن خلود نظرية كانط برأيي يعود إلى سببين اثنين، أولهما: أنه تجاوز الأسئلة التقليدية المتداولة في الفلسفات منذ العصر اليوناني، وهي ذات طابع مدرسي اعتيادي ومُملٍّ. الثاني: أنه استطاع أن يستثمر خبرته في العلوم الطبيعية والفيزياء في صوغ نظرياته عن الإدراك والحقيقة والزمان والمكان، وهذان السببان منحا نظرياته كلَّ هذا الاستمرار وديمومة التأثير.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 5 يناير 2026 23:45

في المثقف اليوم