اخترنا لكم

إبراهيم عبد المجيد: تحطيم أوثان العقل

هذا كتاب يضم حوارات مهمة مع ثمانية عشر من المفكرين المصريين والعرب، حول أسباب التردي العربي، وما هي سبل التقدم الممكنة. وجميعهم كتبوا كتبا رائعة على مدار حياتهم، عن تجديد الخطاب الديني وما يحيط به من معانٍ، وعن الوضع العربي بين العلمانية والدين، ونظم الحكم المختلفة. الكتاب عنوانه «تحطيم أوثان العقل ـ حوارات الفكر في السنوات العاصفة»، وهي سنوات ما بعد الربيع العربي. الحوارات كلها ما بين عامي 2016-2022.

الكتاب صادر عن مؤسسة المثقف العربي في مدينة سيدني في أستراليا في ثلاثمئة وأربعين صفحة، وتقوم بتوزيعه في العالم العربي دار أمل الجديدة، أجرت الحوارات وجمعتها الباحثة حنان عقيل، التي كتبت كثيرا من المقالات في هذا الشأن، وتعمل الآن في قناة «الوثائقية» المصرية. الحوارات تأخذ بعقلك ليس لأهميتها فقط، ولكن لأن كل الأسئلة جاءت من قراءة حنان عقيل العميقة لأهم أعمال من تدير معهم الحوارات، وهذا جهد رائع جعل الحوارات ذات عمق فكري، نفتقده في كثير من الحوارات الشائعة. وفي مقدمة كل حوار حديث عن المفكر وما دفعه بعضهم من ثمن لآرائه في قضايا مثل ازدراء الأديان، أو انتقال بين البلدان.

بالطبع لن أستطيع الإحاطة بكل أفكار وموضوعات الكتاب، ولا كل الأحاديث، وسأختار من بينها القضية الشائكة بين الفكر العلمي والدين، أو بين السياسة والدين. في الحوارات جرأة كبيرة من أصحابها في تشخيص بعض حالات الحكم الديكتاتورية. مع سيد القمني يركز الحوار على كيف يصبح الفكر الديني في قداسة الأديان نفسها، وكيف خلط أعداؤه بين رأيه في المفكرين في الدين، والدين نفسه، وكيف أن العلم هو طريق الصلاح الحقيقي. من المهم الإشارة إلى بعض مراجعاته التي لا يخجل منها، خاصة في ما يخص بعض المعلومات، وفي ما يخص تطبيق الشريعة، فهو يطلب ممن ينادون بذلك إعطاء حقوق المواطن قبلها كاملة. رأيه في القول بالإعجاز العلمي للقرآن إنه فكرة لاستجلاب الرزق فقط، فلن تجد في المقدس اكتشاف علمي جديد، وهذا التفكير قد يجعل الفرد غير راغب في العمل أو العلم. يحتل دور المثقف مساحة في الحوار معه ومع غيره، والمثقف في رأيه هو بمعناه الفلسفي، لا بد أن يعرف آخر ما توصلت إليه العلوم وأيضا الجغرافيا والتاريخ، وليس هو المثقف بمفهوم مواقع التواصل الاجتماعي. يأتي حديث مع المفكر المصري أحمد صبحي منصور، وكيف بعد سجن وملاحقات أمنية هاجر إلى الولايات المتحدة ليستقر منذ عام 2001. هو زعيم التيار القرآني الذي رأى الإسلام دينا علمانيا، والدولة وفقا له دولة إسلامية علمانية. العلمانية التي يريدها هي العلمانية المؤمنة، والفارق بينها وبين العلمانية الغربية يأتي من معنى الإسلام، وعقيدة الإيمان باليوم الآخر، ما يعني مسؤولية كل فرد في اختيار دينه أمام الله، ومن يتدخل في ذلك يزاحم الله. ومن ثم فالاختلاف الديني أو المذهبي أمر مقرر، ولا سلطة فيه لبشر على بشر. وعن المثقفين وملاحقتهم يقول، إن المحاكمات والسجن والمصادرة لا يمكن أن تمحو فكرا، وخصوصا في عصر العولمة ومظاهرها مثل الإنترنت.. ويشير أيضا إلى التيارات الوهابية ودورها في التراجع الفكري وحضور الإرهاب، الوهابية مطروحة من الجميع تقريبا، وبسبب زمن الحوارات يشيرون إلى المملكة العربية السعودية ودورها في ذلك، بينما اختلف الأمر الآن في السعودية. يرى أن مصطلح تجديد الخطاب الديني، مصطلح سياسي خاطئ، مثله مثل مصطلح التغيير، فقد يكون التغيير إلى الأسوأ، والأصح هو القول بالإصلاح الديني الذي لا ينفصل عن الإصلاح السياسي، ويقوم على إصلاح تشريعي دستوري قانوني، ينقّي التشريع من كل ما يضيّق على حرية الفكر والدين.

يأتي المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، ورؤاه الماركسية. يتحدث عن كيف بعد فشل ثورات «الربيع العربي» فشل اليسار في أن يتصدر المشهد، بينما نجح تيار الإسلام السياسي. أسباب ذلك في السنوات السابقة من انهيار الاتحاد السوفييتي، وتصالح أنظمة عربية مع العدو الصهيوني، وظهور الموجات الأصولية بدعم الأنظمة لها. حال المثقفين والقسمة بينهم. كما أن الثورات التي عوّلنا عليها لم تنجح في خلق تيار ثقافي بديل، ولم تكن سببا في توحيد المثقفين.

عن أهمية الماركسية أيضا يتحدث المفكر الأردني هشام غصيب، مشيرا إلى غيره مثل صادق جلال العظم ومهدي عامل وحسين مروة وسمير أمين، الذين قدموا مقاربات مهمة علينا أن ننطلق منها. يعطي أمثلة مثل، كيف فتكت كورونا بالدول الرأسمالية، بينما الصين التي لا تزال متأثرة بإرثها الماركسي، نجحت إلى حد كبير في حصار الوباء. النظم الصحية في الغرب كانت محدودة أمام الوباء لأن أولوياتها منصبة على الربح لا البشر والبيئة.

يرى المفكر السوري محمد شحرور، أننا نعيش في مرحلة ما بعد الرسالات، بعد أن اختتمت الرسالة المحمدية، وبالتالي فنحن في مرحلة التشريع الإنساني، التي لم تعد فيها البشرية في حاجة إلى رسالة أو نبوة، فهي قادرة على التشريع لنفسها، ومن ثم يتعين أن نقرأ النص القرآني من منظور معارفنا الراهنة، وتأسيس فكر ديني معاصر لا يتعارض مع المعارف الإنسانية وتطور المجتمعات، فتقديس الماضي بما فيه من غث وسمين، كان له تأثير شديد على العقل العربي، بالإضافة إلى الحركات السياسية التي ظهرت في منتصف القرن الماضي، وفشلها في تقديم بديل مقبول عن الاستعمار. فالماركسيون جعلوا الاتحاد السوفييتي قدوتهم، والقوميون قدموا شعارات رومانسية فأنتجوا دولا أمنية بامتياز، والحركات الإسلامية لم تقدم أيْ مفهوم للديمقراطية. يأتي حوار مع المستشرق الإيطالي جوزيبي سكاتولين أستاذ التصوف في المعهد البابوي للدراسات العربية في روما. يرى أن البعد الروحي في الأديان يمكن أن يخلق وحدة واحدة، متمثلة في قيم أساسية تمثل روح كل الأديان. فالفكر المادي منتشر نوعا ما في الغرب، خصوصا مع ظاهرة العولمة التي صارت عولمة تسويقية تهدد ما بقي من القيم الإنسانية والأخلاقية. كذلك يقع العالم الإسلامي تحت سيطرة هذه الظاهرة. لكن العالم الإسلامي فيه حضور أكثر للقيم الأخلاقية، وللحفاظ عليها فلا بد من ثورة روحية توجد معها ثورة عقلية تتواءم مع الحداثة، والإسلام الحقيقي لا يتعارض مع الحداثة. لا بد من تعاون جهات مختلفة في المجتمع لإعادة التصورات في النظر في التصورات القديمة عن الدين.

عن العولمة أيضا يتحدث المفكر الجزائري محمد شوقي الزين، وكيف أن تراجعها لن يكون ممكنا، إلا بانحسار النموذج المالي – الاقتصادي، الذي بات يحدد مصائر دول، ويسهم في التفاوت بين أرباب العمل والعمال. ورغم ذلك يعاديها اليمين المتطرف لأنها أتاحت الهجرة الكبيرة للغرب ويغلق الحدود أمام المهاجرين.

المفكر العراقي عبد الحسين شعبان يتحدث عن فقه التسامح، وكيف صار غيابه سببا في شيوع العنف والتعصب والتطرف، ومن أسبابه المرجعيات الدينية، أو الطائفية، أو العشائرية، أو غيرها في نظم الحكم أو الدولة. يتحدث المفكر التونسي عز الدين عناية عن نزع القداسة، فالاختزال الأيديولوجي للإسلام الآن مثّل ضربة قاصمة لرحابة الدين الحنيف. الإسلام السياسي في بلادنا جرب كل التجارب في التغيير من انتفاضات وانقلابات واغتيالات وغيرها، حتى التحالفات وصناديق الاقتراع، لكنه لم يراهن على التغيير الفكري والروحي القادر على إحداث نقلة نوعية في عمق المجتمعات، بعيدا عن التحشيد والتجييش الخاويين. ثالوث الغيبية والأسطورية والعاطفية المتربص بالعقل الإسلامي، في حاجة إلى ورشات للنقد الديني للتخلص من براثن اللامعقول. المفكر التونسي محمد الحداد يتحدث عن كيف لم تعد الدولة دينية في الغرب، ولا توجد هيئة دينية أعلى تخضع لها الدولة، كما كانت الكنيسة يوما وهذا ما ينقصنا. تأتي ثلاثة فصول أخيرة يتحدث فيها المفكرون أديب صعب اللبناني والسوري نجيب جورج عوض والتونسي عبد الحميد الشرفي والأردني فهمي جدعان، عن الدين والمستقبل.

هكذا تكون مع الكتاب، قد قطعت رحلة فكرية رائعة، مع التاريخ والحاضر والمستقبل، بعد الانهيار الذي جرى مع الربيع العربي.

***

إبراهيم عبد المجيد - كاتب مصري

عن جريدة القدس العربي، يوم: 3/1/2026

في المثقف اليوم