عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روافد أدبية

جاسم الخالدي: حين يسبق الابنُ أباه

في الذكرى السادسة لرحيلك يا ولدي

أكتب إليك

لا لأن الكتابة تشفي

بل لأن الصمت صار أثقل من قدرتي على الاحتمال.

*

يا بني…

لم أتخيّل يوماً

أن الأب يمكن أن يقف أمام قبر ابنه

مرتبكاً كطفلٍ ضائع.

كنتُ أظنُّ أن ترتيب الحياة واضح:

الآباء يرحلون أولاً،

والأبناء يكملون الطريق.

لكنَّك غادرتَ قبلي

وكأن الزمن أخطأ العنوان.

كيف حالك الآن؟

هل وجدتَ مكاناً يليق بخفّة قلبك؟

هل ما زلتَ تضحك تلك الضحكة

التي كانت تدخل البيت قبل أن تدخل أنت؟

أبحث عنك كثيراً يا ولدي،

ليس في المقابر

بل في التفاصيل الصغيرة:

في كوب الشاي الذي كنتَ تتركه نصف ممتلئ،

في الباب الذي كنتَ تغلقه بعجلة،

وفي صدى خطواتك على السلم.

كبرتُ بعدك فجأة.

ليس عمراً…

بل حزناً.

الآباء يا بني

لا يعرفون كيف يرثون أبناءهم.

لا توجد وصايا لهذا النوع من الفقد،

ولا لغة جاهزة له.

أحياناً أنادي اسمك دون قصد،

ثم أتوقف

كأنني اصطدمتُ بجدارٍ غير مرئي.

وأحياناً أسمع صوتاً يشبهك

فألتفت بسرعة

كأن الحياة تمارس معي مزحة قاسية.

أمّك ما زالت تضع أشياءك في مكانها،

كأنك ستعود بعد قليل.

تغسل قميصاً قديماً لك

وتقول إن رائحتك لم تغادره بعد.

أما أنا

فأتظاهر بالقوة أمام الجميع،

لكنني حين أبقى وحدي

أتعلم البكاء من جديد.

كنتُ أحلم أن أراك تكبر،

أن أشيخ وأنا أراقب خطواتك الواثقة،

أن أسمع أولادك ينادونني جدّاً.

لكن الأحلام يا بني

لا تُسأل قبل أن تنكسر.

حين تتجمّع العائلة على مائدةٍ واحدة،

نختمها بإهداء ما قرأناه إليك،

ونقرأ سورة الفاتحة.

حفيداتنا يشاركن في القراءة

كلٌّ على طريقتهنّ الصغيرة، المرتبكة،

لكنّها تصل… بطريقتها أيضاً.

أمّا أمّك

فتردف الفاتحة بالتوحيد والقدر،

ولا أدري لماذا…

لماذا بالقدر تحديداً؟

لعلّها ما زالت تفكّر

بفكرة القدر،

تلك التي تُسكّن الألم

ولا تُفسّره تماماً.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع.

سأسألك عن كل السنوات التي غبتَ عنها،

وستضحك وتقول:

إنّ أهل الآخرة

لا يقتنون الساعات،

فالوقت هناك

لا يُقاس كما نقيسه نحن.

هل تشعر بنا؟

هل يصل إليك حديثنا؟

هل تعرف كم صار البيت هادئاً بعدك؟

حتى الضحك صار يمشي على أطراف أصابعه

خجلاً من الغياب.

أخوتك يكبرون

لكنهم ينظرون إلى صورتك

كأن الزمن توقف عندك.

أنت الوحيد

الذي لم يسمح له العمر أن يتقدّم.

تعرف يا ولدي؟

بدأت أفهم معنى البقاء بطريقة أخرى.

ربما لم ترحل تماماً.

ربما صرتَ جزءاً من نبضي،

من خوفي عليهم،

ومن دعائي الطويل كل ليلة.

أراك في وجوه الأطفال في الشارع،

في شابٍ يركض مسرعاً،

في ضحكةٍ تشبه ضحكتك

تخطف قلبي للحظة.

لا أخاف موتي الآن.

بل أنتظره بهدوءٍ غريب،

لا شوقاً للنهاية

بل شوقاً للقاء.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع…

كما لو أنّ الغياب

كان مجرد تأخيرٍ في الموعد.

***

د. جاسم حسين الخالدي