عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كتب واصدارات

طارق الحلفي: مطالعة تعريفية لكتاب "المستوطنات والثقافات الأولى من بلاد الرافدين"

صدر مؤخرًا عن مطابع باكنانغ/ المانيا المجلد الأول من "موسوعة بلاد الرافدين " للباحث الدكتور محمد مجيد شطب. والذي يتناول فيه بلاد الرافدين/ العراق" ق.م": كــ مهد أول للمستوطنات البشرية وقصة الثقافات المنسية

ففي الوقتٍ الذي تتجه فيه الأنظار نحو التقنيات الرقمية والمستقبل، يأتي كتاب الدكتور محمد مجيد شطب الموسوم بـ "المستوطنات والثقافات الأولى التي عرفتها البشرية من بلاد الرافدين (العراق ق.م.)" ليعيد توجيه بوصلة المعرفة نحو الأصول السحيقة للحضارة الإنسانية. هذا البحث ليس مجرد سردٍ للماضي، بل هو محاولة رصينة لإعادة هيكلة التسلسل الثقافي للبشرية انطلاقاً من أرض الرافدين.

بين الكهوف والاستقرار: قفزة الوعي الأول

يستعرض المؤلف رحلة الإنسان العظيم وانتقاله النوعي من حياة الكهوف والصيد إلى سفوح الجبال والوديان الخصبة. يبرّز البحث اكتشافاً مذهلاً لفريق من علماء الآثار التشيك لمستوطنة في كردستان العراق يعود تاريخها إلى أكثر من 150 ألف عام، مما يضع بلاد الرافدين في صدارة المواقع التي احتضنت أولى خطوات الاستقرار البشري على وجه المعمورة.

سباعية الثقافات الرافدينية

يقدم الكتاب دراسة معمقة لسبع ثقافات أساسية شكلت هوية المنطقة قبل بزوغ الحضارات الكبرى (السومرية والأكادية)، وهي:

1.  ثقافة أم الدباغية – سوتو: (6800 - 5800 ق.م) وتعد أول فترة ثقافية في العالم.

2.  ثقافة حسونة: (5800 - 5260 ق.م) التي ميزت شمال العراق.

3.  ثقافة سامراء: (5500 - 4800 ق.م) التي اشتهرت بجماليات فخارها وزخارفه.

4.  ثقافة حلف: (5200 - 4500 ق.م).

5.  ثقافة العبيد: (5000 - 4000 ق.م) والتي اعتبرت الباكورة الحقيقية لنشوء المدن.

6.  ثقافة الوركاء: (4000 - 3100 ق.م).

7.  ثقافة جمدة نصر: (3100 - 2900 ق.م) التي سبقت مباشرة عصر السلالات.

النقد التاريخي والصرخة الوطنية لا يكتفي الدكتور شطب بالرصد الأثري، بل يطرح تساؤلات نقدية لاذعة حول "تغريب" الآثار العراقية. فالبحث يكشف بمرارة كيف أصبحت هذه الكنوز لقمة سائغة للبعثات الأجنبية في ظل الوهن العثماني والحروب اللاحقة، مما أدى لملء المتاحف العالمية بنفائسنا بينما يجهل الكثير من أبناء الوطن تاريخهم الحقيقي.

إن هذا العمل الموسوعي يمثل دعوة ملحة لاستعادة زمام المبادرة في إدارة وحماية موروثنا الثقافي.

الكتاب يثبت بالدليل العلمي أن كل حجر وفخار في تلك المستوطنات كان لبنة في صرح الحضارة العالمية. بلاد الرافدين لم تكن مجرد "أرض بين نهرين"، بل كانت المختبر الأول الذي تعلّم فيه الإنسان الزراعة، والتدجين، ومن ثم الكتابة والخط.

صدر الكتاب في طبعته الأولى لعام 2025 في ألمانيا، ليكون مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث يسعى لفهم الجذور الحقيقية للمجتمعات البشرية.

يقع الكتاب في 256 صفحة يتضمن مقدمة للمؤلف ثم الحقب التأريخية ومتناولا الثقافة والحضارة لتلك الحقب. بعدها يتناول المستوطنات واولى المستوطنات التي شيدها الإنسان على الأرض وأخيرا الخلاصة..

وقد زود الكتاب بعدد من الجداول التفصيلية؛ كجدول المستوطنات الأولى في بلاد الرافدين (العراق ق.م.)، وجدول المستوطنات الأولى في البلدان المجاورة، دون ان يغفل ذكر اسماء العلماء والمنقبون الذين شاركوا في تلك الاكتشافات واسماء المتاحف التي ضمت لقى المستوطنات المكتشفة، كما تحدث عن أوَّل مستوطنة شيدها الإنسان على الأرض، وبين اهميته كهف شانيدرا. المجلد يحتوي على جرد موثق للمصادر.. وعلى عدد كبير من الصور الملونة للمستوطنات واللقى والخرائط التوضيحية..

***

طارق الحلفي