كتب واصدارات

منذر الغزالي: بين كواليس السلطة وعزلة الاعتكاف

قراءة في مذكرات فاروق الشرع (2000-2015)

ملخص تحليلي للجزء الثاني من مذكرات فاروق الشرع

يأتي الجزء الثاني من مذكرات فاروق الشرع، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2025 ، ليميط اللثام عن حقبة هي الأكثر اضطراباً في تاريخ سوريا الحديث.

الكتاب الذي يغطي الفترة ما بين عامي 2000 و2015، ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل هو وثيقة سياسية تسجل تجربة أحد أبرز وجوه الدبلوماسية السورية في قلب المؤسسة الحاكمة خلال مرحلة انتقال السلطة وما تلاها من زلازل سياسية.

من ربيع دمشق إلى خريف العلاقات الإقليمية

يستهل الشرع مذكراته بـ "ربيع دمشق" عام 2000، مستعرضاً بدايات عهد الرئيس بشار الأسد وآمال الانفتاح السياسي التي لم تدم طويلاً. ينتقل بعدها لتحليل سلسلة من الأزمات الإقليمية التي وضعت سوريا في عين العاصفة، بدءاً من غزو العراق عام 2003، مروراً بتداعيات التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود واغتيال رفيق الحريري، وصولاً إلى حرب تموز 2006.

اللافت في هذا الجزء هو تركيز الشرع على قضايا داخلية اعتبرها وقوداً للانفجار القادم، حيث خصص فصلاً كاملاً لظاهرتي "الجفاف والفساد"، معتبراً إياهما عوامل أساسية في زعزعة الاستقرار الاجتماعي قبل عام 2011.

2011: الانعطافة الكبرى والشرخ الصامت

يمثل الفصل الخامس عشر، المعنون بـ "ثورات الربيع العربي"، الثقل الدرامي والسياسي للكتاب. يقدم الشرع هنا "روايته ورؤيته للأحداث التي عصفت بسورية مع اندلاع ثورة عام 2011"، متحدثاً بصفته مسؤولاً مطلعاً وإنساناً شهد تحول الاحتجاجات إلى صراع دامٍ.

تكشف المذكرات عن تباين في وجهات النظر داخل هرم السلطة؛ فبينما كان الشرع يدفع باتجاه الحلول السياسية والحوار الوطني، كانت الغلبة للنهج الأمني. هذا الشرخ أدى في نهاية المطاف إلى قراره المفصلي بالاعتكاف في منزله عام 2013، والتوقف عن ممارسة مهامه كنائب لرئيس الجمهورية.

الاعتكاف والعزلة: احتجاج صامت وإقصاء مُمنهج

يكشف الشرع أن اعتكافه عام 2013 كان احتجاجاً سياسياً على "استحالة الحسم العسكري" وتهميش دوره الدبلوماسي لصالح القبضة الأمنية. بدأت العزلة بقرار طوعي بالتوقف عن العمل بعد يقينه بفشل مبادرات الحوار، لكنها سرعان ما تحولت إلى إقصاء قسري؛ إذ أصدر الأسد تعليمات بمنع المسؤولين من التواصل معه، ليجد نفسه في عزلة تامة داخل منزله. يصف الشرع هذه المرحلة بأنها "تغييب متعمد"، حيث صمتت هواتفه وتجنبه رفاقه خوفاً، لتنتهي رحلته في السلطة ليس بالاستقالة، بل بتجميد نشاطه وتجاهله رسمياً حتى توقف المذكرات عام 2015.

ملاحظات

تقدّم مذكرات فاروق الشرع مادة مهمة لفهم جانب من آليات تفكير النظام السوري، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مجموعة إشكالات سياسية وتاريخية وأخلاقية تحدّ من قيمتها التوثيقية.

فعلى المستوى السياسي، تبدو المذكرات محكومة بلغة دبلوماسية حذرة تمنع المؤلف من الخوض العميق في بنية السلطة الداخلية، إذ يكتفي بعرض الخلافات داخل النظام كاختلاف رؤى بين أجنحة، متجاهلاً الدور الحاسم للأجهزة الأمنية في صناعة القرار، مما يجعل نقده سطحياً وغير قادر على كشف آليات الحكم الفعلية.

أما تاريخياً، فيظهر انتقاء واضح في الذاكرة؛ يركز الشرع بشكل مكثف على أحداث مثل "اغتيال الحريري" و"حرب تموز"، بينما يمر مروراً سريعاً على أحداث مفصلية أخرى مثل "مجزرة سجن صيدنايا 2008" أو تفاصيل تصفية الحرس القديم، وهي أحداث شكلت وجدان التاريخ السوري المعاصر. كما أن خروجه من المشهد السياسي بعد 2012 حوّل شهادته إلى ملاحظات مراقب، تاركاً فجوة كبيرة في توثيق السنوات الأكثر خطورة، خصوصاً ما يتعلق بالتدخلات الدولية المباشرة.

وعلى الصعيد الأخلاقي، تبرز معضلة “المسؤولية المتأخرة”، إذ يثير اعتكاف الشرع أسئلة حول جدوى الاحتجاج الصامت من داخل السلطة في لحظة كانت البلاد تغرق في مأساة إنسانية. كما يغيب في المذكرات الصوت الإنساني للضحايا، لصالح لغة توازنات القوى، مما يعزز الانطباع بأنها محاولة لتلميع صورة رجل الدولة أكثر من كونها مراجعة نقدية شجاعة.

في المحصلة، تبقى المذكرات وثيقة مفيدة لفهم أولويات ومرتكزات عمل النظام، لكنها شهادة ناقصة لم تقترب من جوهر الأزمة السورية.

***

بقلم: منذر فالح الغزالي

في المثقف اليوم