عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: حلم ساردانابالوس.. من كابوس الملك إلى يقظة الشاهدة

أنا امرأة من جنوب العراق

فبين عيوني تنام حضارات بابل

وفوق جبيني تمر شعوب وتمضي قبائل

فحينا أنا لوحة سومرية

وحينا أنا كرمة بابلية

سعاد الصباح

***

في هذه الأبيات، تختزل الشاعرة هوية ممتدة عبر الزمن، حيث لا يكون الإنسان فردا معزولا بل امتدادا لذاكرة حضارية عميقة. الجنوب العراقي هنا ليس مجرد مكان، بل طبقات من التاريخ. بابل وسومر ليستا أطلالا بل تسكنان في الملامح والوعي والإحساس. المرأة في النص تتحول إلى وعاء حي للحضارات، تتبدل صورها كما تتبدل الأزمنة، مرة نقش سومري صامت، ومرة كرمة بابلية نابضة بالحياة. هذا التداخل بين الجسد والتاريخ يخلق شعورا بأن الماضي لا يمضي، بل يعيد تشكيل الحاضر باستمرار.

لوحة حلم ساردانابالوس (The Dream of Sardanapalus) للفنان الإنجليزي فورد مادوكس براون (Ford Madox Brown)، التي رسمها عام ۱۸٦٩، تقدم رؤية بصرية لهذا الثقل التاريخي الذي يسكن الروح. في قلب اللوحة، يستلقي ملك آشوري منهك على أريكته داخل قصره، وقد بدا جسده مثقلا بالتعب وغائصا في نوم مضطرب. إلى جواره، تجلس جاريته ورفيقته ميرا (Myrrha) في حضور صامت لكنه مشحون بالقلق، تراقبه بنظرة تجمع بين الوفاء والوجوم. الضوء في اللوحة خافت ومنبعث من نافذة جانبية، ينساب برقة ليكشف التعب الذي يعلو وجه الملك والغمزات التي تجتاح جسده، دون أن يبدد الغموض الذي يلف المشهد. جدران القصر مزينة بنقوش آشورية استقاها براون من نقوش أثرية اكتشفها عالم الآثار أوستن هنري لايارد في بلاد الرافدين، مما يضيف طبقة رمزية تذكر بالماضي العريق وتحوله إلى حضور ثقيل يخيم على الفضاء الداخلي.

براون، الذي ارتبط اسمه بحركة ما قبل الرافائيليين (Pre-Raphaelite Brotherhood) دون أن يكون عضوا رسميا فيها، سعى في هذه اللوحة إلى استحضار الماضي ليس كحنين سطحي، بل كوسيلة لفهم الحالة النفسية للإنسان. على عكس المعالجة الصاخبة والعنيفة التي قدمها الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا في لوحته الشهيرة وفاة ساردانابالوس، اختار براون التركيز على اللحظة الصامتة التي تسبق النهاية، لحظة الكابوس الداخلي الذي يعصف بالملك بينما تدور المعركة في الخارج. هدفه كان التقاط لحظة الوعي الهش، حين يدرك الإنسان مصيره دون صخب، وحين يتحول التاريخ من مجد خارجي إلى عبء داخلي يسكن الأحلام.

تستند هذه اللوحة إلى المشهد الرابع من الفصل الرابع لمسرحية ساردانابالوس (Sardanapalus) التي كتبها الشاعر الإنجليزي لورد بايرون (Lord Byron) عام ١٨٢١. في هذا المشهد، يرقد الملك على أريكته نائما بينما تراقبه ميرا في صمت. يتقلب في نومه وترتسم على ملامحه تعابير الألم، فتحتار ميرا بين إيقاظه أو تركه لطبيعته التي قد تكون أشفق عليه. وعندما يستيقظ مذعورا من كابوسه الذي رأى فيه أسلافه الموتى يجلسون حول مائدة ويتأملونه بصمت، يجد نفسه في حاجة ماسة إلى لمسة إنسانية تعيده إلى الواقع، فيطلب يدها قائلا: "يدك- هكذا- إنها يدك؛ إنه لحم؛ أمسكي- ضمي- أشد، حتى أشعر أنني ما كنت عليه". في هذا المشهد، تصبح ميرا أكثر من مجرد خادمة أو رفيقة؛ إنها الجسر الذي يعبر به الملك من عالم الكوابيس والأسلاف الموتى إلى عالم الأحياء، من عالم أثقلته فيه ذاكرة أجداده الملوك إلى واقع لا يجد فيه سوى لمستها.

هذا الحضور الصامت والمواسي الذي تؤديه ميرا في اللحظة الحرجة يعيد إلى الذاكرة قصيدة الشاعرة العراقية نازك الملائكة "مرثية امرأة لا قيمة لها".

فكما تقف ميرا على هامش الحدث التاريخي الكبير - سقوط إمبراطورية ومقتل ملك - تظل المرأة في قصيدة نازك على هامش الحياة نفسها، لا يراها أحد ولا يحس بوجودها. تقول نازك في قصيدتها:

ذهبت ولم يشحب لها خد ولم ترجف شفاه

لم تسمع الأبواب قصة موتها تروى وتروى

لم ترتفع أستار نافذة تسيل أسى وشجوا

لتتابع التابوت بالتحديق حتى لا تراه

إلا بقية هيكل في الدرب ترعشه الذكر

نبأ تعثر في الدروب فلم يجد مأوى صداه

فأوى إلى النسيان في بعض الحفر

يرثي كآبته القمر

هذه الأبيات تقدم لنا الجانب الآخر من قصة ميرا. فميرا في المسرحية، وهي الشخصية التي ابتدعها بايرون ولم ترد في أي مصدر تاريخي قديم عن ساردانابالوس، هي مجرد جارية أيونية، امرأة هامشية في بلاط الإمبراطورية الآشورية، لا يذكرها التاريخ إلا في سياق موت سيدها. لكن بايرون جعل منها الشخصية الوحيدة التي ترافق الملك في ساعاته الأخيرة. في الفصل الخامس من المسرحية، حين يأمر ساردانابالوس بإشعال المحرقة التي سيموت فيها، تختار ميرا بإرادتها أن تدخل النار مرافقة له.

إنها، تماما مثل امرأة نازك الملائكة، امرأة لا قيمة لها في سجلات التاريخ الرسمية، لكنها في فضاء الفن تصبح شاهدة على النهاية، بل شريكة فيها. حضورها الصامت في لوحة براون - وهي تراقب الملك النائم وتعاني صراعه الداخلي - هو تجسيد لهذا الدور المزدوج: فهي من جهة ضحية لانهيار عالم بأكمله، ومن جهة أخرى شاهد حي على سقوطه، تماما كما كانت المرأة العراقية شاهدة على انهيار عوالمها المتتالية.

غير أن هذه اللحظة - لحظة التعاطف والمواساة التي تقدمها المرأة للملك المنكسر - تحمل في طياتها مفارقة عميقة تكشف عنها الروائية العراقية إنعام كجه جي في مقطع من روايتها "طشاري":

نتجادل ونتشبث بالآراء ونفلسف الأوضاع ونوزع شهادات الوطنية والخيانة ونتفق ثم نختلف ثم نتعب ويصيبنا اليأس. اتفقنا عليه- اليأس- كهدف لنا طالما أن لا أمل يأتي من تلك البلاد.

ميرا في لوحة براون وفي مسرحية بايرون هي الوحيدة التي تقدم للملك لحظة عزاء حقيقية. بينما يتصارع الرجال من حوله على السلطة، ويخونه قادته، ويتخلى عنه حلفاؤه، تبقى هي - المرأة الهامشية - الوحيدة القادرة على منحه لحظة دفء إنساني.

الجو العام للوحة، بتلك النقوش الآشورية المهيبة التي تزين الجدران والضوء الخافت الذي يغمر المشهد، لا يوحي بالأمل أو المجد، بل يفيض بإحساس بالعبثية واليأس الوجودي. وكأن ميرا في النهاية قد "اتفقت معه على اليأس" كهدف مشترك، فاختارت أن تدخل المحرقة معه بدلا من أن تبحث عن أمل في حياة بدونه.

هذا الموقف يتجاوز كونه مجرد وفاء رومانسي؛ إنه تعبير عن إدراك عميق بأن عالمهما المشترك قد انتهى، وأن "لا أمل يأتي من تلك البلاد" - بلاد تتهاوى إمبراطوريتها وتحرق نفسها بنفسها.

غير أن هذا الحضور النسائي، رغم أهميته القصوى في لحظة النهاية، يظل محاصرا بإشكالية الذاكرة والتاريخ كما تكشف الروائية العراقية هيفاء زنكنة في مقطع من روايتها "الحلم ببغداد":

الكتابة عن الذكريات عملية مراوغة. غالبا ما تبدأ بنية حسنة: لنقل الحقيقة. لكن ما يحدث في الواقع هو أننا لا نكتب سوى ما يمر عبر أعين الرقباء. والرقباء هنا هم الزمان والمكان المحيطان، والظروف الاجتماعية والسياسية، والمتغيرات النفسية للكاتبة نفسها. ما يكتبه المرء الآن ليس بالتأكيد ما حدث فعلا. إنه ليس سوى مؤشر غامض لما كان يمكن أن يحدث، خليط من الصور الوهمية والمنقبضة، حلم، أو فعل مشروط إما بإنكار أو برغبة في رؤية أحداث الماضي تتشكل وفقا لما يتم التوق إليه في الحاضر.

في هذا المقطع، تضع زنكنة إصبعها على جرح أساسي: الذاكرة ليست محايدة، بل يمر عبرها "رقباء" الزمان والمكان والظروف. في مسرحية بايرون، نحن لا نقرأ قصة ميرا كما عاشتها، بل كما تخيلها شاعر إنجليزي في القرن التاسع عشر يستوحي شخصيته من كتابات المؤرخ الإغريقي ديودور الصقلي. وحتى في لوحة براون، لا نرى ميرا كما كانت، بل كما رآها فنان رجل ينتمي إلى تيار فني يبحث في الماضي عن معنى للحاضر.

ميرا ليست سوى "مؤشر غامض لما كان يمكن أن يحدث"، ظل لامرأة حقيقية ربما عاشت وماتت دون أن يذكرها أحد. وفي التاريخ العراقي المعاصر، كم من امرأة عراقية عاشت وماتت في حروب أنهكت الوطن، دون أن تترك سوى أثر غامض في ذاكرة مشوهة بالحروب والحصارات والمنافي؟

بالعودة إلى أبيات سعاد الصباح، نجد أن المرأة تتحول من شاهد على معاناتها إلى تجسيد حي لذاكرة الحضارة. هي لا ترثي نفسها، بل تعلن هويتها الممتدة عبر آلاف السنين:

"فحينا أنا لوحة سومرية،

وحينا أنا كرمة بابلية".

هذا التحول من الضحية إلى الحاضنة للتاريخ هو ما يمنح الأبيات قوتها. ميرا في لوحة براون هي أيضا "لوحة سومرية" و"كرمة بابلية" - ليست فقط لأنها تعيش في نينوى الآشورية، بل لأن جسدها وروحها أصبحا وعاء لحضارة تنهار، وشاهدا على سقوطها. وكذلك المرأة العراقية في قصيدة نازك الملائكة وفي مقاطع إنعام كجه جي وهيفاء زنكنة، هي شاهدة على انهيار أوطان متعاقبة، من بابل إلى سومر إلى العراق الحديث.

لكن بعد هذا التطواف بين كابوس ملك آشوري وأحلام امرأة عراقية، يبقى السؤال معلقا: إن كانت ميرا، باختيارها دخول المحرقة قبل ساردانابالوس، قد كتبت الفصل الأخير في قصته، فمتى تكتب المرأة العراقية قصتها هي؟

متى تتحرر من كونها شاهدة على انهيار الممالك، لتصبح راوية لنهوضها الخاص، بعيدا عن كوابيس الملوك ورقباء الذاكرة؟

***

د احمد عابر

........................

المصادر

١. سعاد الصباح، "أنا امرأة قررت أن تحب العراق"، موقع الديوان، تاريخ الوصول: أبريل ٢٠٢٦ ميلادي.

https://www.aldiwan.net/poem105853.html.

٢. فورد مادوكس براون (Ford Madox Brown)، لوحة حلم ساردانابالوس (The Dream of Sardanapalus)، ١٨٦٩، .متحف الفنون الجميلة، هيوستن (The Museum of Fine Arts, Houston)

 هيوستن، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية.

٣. أوستن هنري لايارد (Austen Henry Layard)، اكتشافات في أنقاض نينوى وبابل (Discoveries in the Ruins of Nineveh and Babylon)، لندن: جون موراي، ١٨٥٣ م.

٤. لورد بايرون (Lord Byron)، مسرحية ساردانابالوس: مأساة (Sardanapalus: A Tragedy)، لندن: جون موراي، ١٨٢١ م.

٥. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر الافتتاحية: وصف ميرا وهي تراقب الملك النائم.

٦. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، حوار استيقاظ الملك وطلبه يد ميرا.

٧. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، وصف الكابوس الذي رآه ساردانابالوس.

٨. ديودور الصقلي (Diodorus Siculus)، المكتبة التاريخية (Bibliotheca Historica)، الكتاب الثاني، الفصول ٢٣-٢٧، ترجمة C.H. Oldfather، مكتبة لوب الكلاسيكية، مطبعة جامعة هارفارد، ١٩٣٣ م.

٩. لورد بايرون (Lord Byron)، ساردانابالوس، الفصل الخامس، المشهد الأول، الأسطر ٤٤٠-٤٥٥: مشهد دخول ميرا المحرقة.

١٠. نازك الملائكة، قصيدة "مرثية امرأة لا قيمة لها" (١٩٥٢ م)، من ديوان نازك الملائكة، المجلد الثاني، ص ٢٧٣-٢٧٥، بيروت: دار العودة، ١٩٨٦ م.

١١. إنعام كجه جي، رواية طشاري، ص ٤٧، بيروت: دار الجديد، ٢٠١٣ م.

١٢. هيفاء زنكنة، رواية الحلم ببغداد، ترجمة بثينة الناصري، ص ٨٣-٨٤، لندن: دار السياب، ٢٠٠٩ م. النص الأصلي بالإنجليزية: Dreaming of Baghdad، دار The Feminist Press، نيويورك، ٢٠٠٩ م.