عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: متلازمة الخطيب

حين تتحول الأسطورة إلى معيار لا تقبل الذاكرة تجاوزه!

في كرة القدم المصرية، ثمة أسماء لامعة في كرة القدم المصرية أمثال محمد صلاح، عصام الحضري، محمود الخطيب، حسن شحاته، طاهر أبو زيد ، إبراهيم يوسف، مجدي عبد الغني، جمال عبد الحميد وغيرهم الكثير الكثير لا تناقش بوصفها مجرد لاعبين، بل تتحول إلى رموز تختلط فيها الموهبة بالتاريخ، والإنجاز بالعاطفة، والانتماء بالذاكرة الجماعية. ويأتي محمود الخطيب، رئيس النادي الأهلي وأحد أبرز نجومه التاريخيين، في مقدمة هذه الأسماء. لكن السؤال الذي يستحق النقاش: هل يمكن أن تتحول محبة الأسطورة إلى معيار يجعلنا نقلل، من دون قصد، من قيمة إنجازات نجوم آخرين تجاوزوا الحدود المحلية إلى العالمية؟

هذا السؤال يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته مجازاً ب “متلازمة الخطيب “ : ليس بوصفها متلازمة اضطراباً نفسياً أو تشخيصاً علمياً، وإنما تعبيراً مجازياً ونقدياً عن حالة من التمسك بصورة أسطورة تاريخية، بحيث تصبح المقارنة بها منحازة إلى الماضي، حتى عندما تتغير معايير الإنجاز وتتسع آفاق المنافسة ودرجتها وقتها ومكانها وزمانها وتوقيتها.

ويبرز محمد صلاح في قلب هذا النقاش؛ فهو نجم مصري انتقل من غياب سطوع نجمه بأنه لم يتواجد في أندية الزمالك والأهلي والتألق المحلي إلى المنافسة على أعلى المستويات الأوروبية والعالمية، وحقق مع ليفربول ألقاباً كبرى، وترك بصمة واضحة في الدوري الإنجليزي الممتاز، سواء بتسجيل الأهداف أو صناعة الفرص أو الحصول على هداف الفريق لسنوات عديدة والتأثير في أداء فريقه.

فلماذا يصر بعض عشاق الأهلي على وضع الخطيب في مرتبة يصعب تجاوزها، بأنه الموهبة الكروية الأولى التي لم تتكرر في عصره وعصر غيره من النجوم واللاعبين حتى عند مقارنته بلاعب وصل إلى قمة المجد والمنافسة العالمية مثل محمد صلاح ابن بلده ووطنه؟

هل يتعلق الأمر بالموهبة وحدها؟ أم أن التاريخ والانتماء والتعصب والذاكرة الجماعية تلعب دوراً أكبر مصداقية مما نتصور؟

أولاً: الخطيب أسطورة حقيقية، ولكن بأي معيار؟

لا يمكن إنكار المكانة التاريخية لمحمود الخطيب. فقد كان لاعباً استثنائياً في جيله، امتلك المهارة والقدرة على التسجيل وصناعة الفارق، وأصبح رمزاً كروياً مصرياً وعربياً، بالرغم من أنه لم يحترف في خارج بلده ولم يتأهل لكاس العالم ولم يشارك في منافساته. ووفقاً للاتحاد المصري لكرة القدم، سجل 117 هدفاً في المسابقات المحلية مع الأهلي، و37 هدفاً في المسابقات الأفريقية، كما أحرز 24 هدفاً في 54 مباراة دولية مع منتخب مصر، وفاز بجائزة أفضل لاعب في أفريقيا عام 1983.

هذه أرقام وإنجازات تستحق التقدير، ولا يحتاج الخطيب إلى التقليل من شأن الآخرين كي نحافظ على مكانته. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول عبارة " الخطيب أسطورة " من وصف لإنجاز تاريخي إلى حكم مطلق ودائم، وكأنها تعني أنه الأفضل بالضرورة في كل مقارنة، بصرف النظر عن اختلاف العصور والبطولات ومستويات المنافسة ومكانها هل هي محلية أم عربية أم أفريقية أم عالمية.

فالأسطورة التاريخية لا تفقد قيمتها عندما يظهر نجم جديد، والاعتراف بعظمة لاعب لا يستلزم إنكار عظمة لاعب آخر.

إن الخطيب أسطورة الأهلي في زمنه، ومحمد صلاح أسطورة مصرية وعالمية في زمنه، لكن تحديد الأفضل يتطلب أولاً تحديد المعيار الذي نقيس به الأفضلية.

ثانياً: محمد صلاح.. عندما تتحدث الأرقام بلغة العالم

فإذا انتقلنا من ذاكرة الكرة المصرية إلى سجلات كرة القدم الأوروبية، نجد أن محمد صلاح قد صنع مسيرة استثنائية يصعب حصرها في لقب أو بطولة واحدة.

فقد أسهم في فوز ليفربول بالدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، وحقق جوائز فردية بارزة، من بينها جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي وجائزة الحذاء الذهبي. ووفقاً لسجل النادي، سجل صلاح 29 هدفًا وصنع 18 هدفاً في الدوري الإنجليزي خلال موسم 2024–2025، بإجمالي 47 مساهمة تهديفية، وهو رقم استثنائي في موسم من 38 مباراة.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: نحن لا نتحدث عن لاعب اكتفى بالتألق في الدوري المحلي، بل عن لاعب أثبت قدرته على الاستمرار في المنافسة في واحدة من أقوى البطولات الأوروبية، ومواجهة أندية ولاعبين من أعلى المستويات، والمساهمة في تحقيق ألقاب كبرى ما كان لي لاعب أن يصل إليها مصرياً كان أم عربياً أم أفريقياً. كما أن صلاح فاز بجائزة أفضل لاعب أفريقي عامي 2017 و2018، ووصل مجدداً إلى القائمة النهائية لأفضل لاعب أفريقي في جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم لعام 2025.

هذه ليست دعوة إلى التقليل من الخطيب، بل إلى وضع الإنجازات في سياقها الصحيح. فهناك فارق بين التألق في بيئة كروية محلية، والتألق المستمر في منافسة أوروبية شديدة القوة، تحت ضغط جماهيري وإعلامي عالمي.

والإنصاف يقتضي أن نقدر الأمرين، مع الاعتراف بأن الإنجاز العالمي لصلاح يمنحه وزناً خاصاً عند المقارنة بمعايير الانتشار الدولي، ومستوى المنافسة، والاستمرارية، والإحصاءات.

ثالثاً: لماذا يتمسك بعض الجماهير بالخطيب رغم إنجازات صلاح؟

يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال عدة عوامل، من دون تعميمها على جميع جماهير الأهلي أو افتراض أن كل من يفضل الخطيب يتجاهل الحقائق.

1. الذاكرة العاطفية والتعصب أقوى أحياناً من الأرقام والمقاييس والمعايير: فالجماهير لا تحفظ الأهداف والبطولات وحدها؛ بل تحفظ اللحظات التي صنعت فرحتها، واللاعب الذي ارتبط بطفولتها وشبابها وانتصارات فريقها. ولذلك قد يحتل لاعب قديم مكانة وجدانية يصعب على لاعب جديد انتزاعها، مهما بلغت إنجازاته.

2. الانتماء للنادي يوجّه طريقة المقارنةك: إن الخطيب ليس مجرد لاعب سابق بالنسبة إلى كثير من الأهلاوية؛ فهو رمز للنادي، ثم أصبح رئيساً له. ومن الطبيعي أن تمنحه هذه المكانة حضوراً يتجاوز سجله الفني، لكن من المهم التمييز بين قيمة الرمز المؤسسي وبين التقييم الموضوعي لمسيرة اللاعب.

3.اختلاف الأجيال يجعل المقارنة غير متكافئة أحياناً: الخطيب لعب في حقبة تختلف جذرياً عن عصر الاحتراف الحديث، من حيث التدريب واللياقة والتغطية الإعلامية وتحليل الأداء والاحتكاك الدولي. لذلك لا يصح إلغاء إنجازاته لأن صلاح يلعب في عصر أكثر احترافاً، كما لا يصح تجاهل تفوق صلاح في بعض المؤشرات الحديثة بحجة أن الخطيب ينتمي إلى زمن مختلف.

4. تتحول المقارنة أحياناً إلى دفاع عن الكيان والهوية الجمعية: حين يصف أحدهم صلاح بأنه أفضل من الخطيب، قد يفهم بعض المشجعين ذلك على أنه انتقاص أو التقليل من الأهلي أو من تاريخه ورموزه. وهنا تنتقل المناقشة من سؤال رياضي: " من حقق إنجازات أكبر وفق معيار محدد؟ " إلى سؤال عاطفي: " من الذي يستحق ولاءنا واحترامنا؟".

وهذا هو جوهر ما يمكن أن نسميه مجازاً " متلازمة الخطيب ": أن يصبح الدفاع عن الرمز أهم من فحص الأدلة، وأن تتحول المحبة المشروعة إلى معيار مغلق للمقارنة ومصداقية التقييم والتحليل وقول الحقيقة.

رابعاً: ترتيب الخطيب وصلاح في أفريقيا والعالم.. ماذا تقول التصنيفات؟

من المهم التمييز بين ثلاثة أمور: الجوائز الرسمية، والتصنيفات حسب لوائح الفيفا وتقييماتها التاريخية التي تنشرها المحطات الرسمية ووسائل الإعلام، والانطباعات الشخصية للجماهير. فلا يوجد ترتيب عالمي موحد ونهائي يحسم الأفضلية بين جميع لاعبي التاريخ، خصوصاً عندما ينتمون إلى أجيال مختلفة.

وفيما يلي مقارنة بأبرز المؤشرات الموثقة:

معيار المقارنة محمود الخطيب - محمد صلاح

جائزة أفضل لاعب أفريقي 1983 | 2017 و2018

  الكرة الذهبية العالميةBallon d’Or  لا توجد له مرتبة موثقة في التصنيف الحديث المركز الخامس عام 2019، والسادس عام 2018.

إن أبرز إنجازات الأندية ألقاب محلية وأفريقية مع الأهلي الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا وألقاب أوروبية أخرى مع ليفربول.

مستوى المنافسة الأبرز في مسيرته الكرة المصرية والأفريقية في جيله الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا

الأثر الجماهيري رمز تاريخي للأهلي والكرة المصرية نجم عالمي ذو حضور مصري وعربي وأفريقي ودولي

المصادر: الاتحاد المصري لكرة القدم، وسجلات الكرة الذهبية، ونادي ليفربول.

من يتقدم في التصنيف الأفريقي والعالمي؟

- على مستوى جائزة أفضل لاعب أفريقي: فاز الخطيب بالجائزة عام 1983، بينما فاز صلاح بها مرتين، عامي 2017 و2018. وهذا تفوق عددي واضح لصلاح في هذه الجائزة تحديدًا، مع مراعاة اختلاف الأجيال وظروف التنافس.

- على مستوى الكرة الذهبية العالمية: وصل صلاح إلى المركز الخامس عام 2019، بعد المركز السادس عام 2018. وهذان مركزان موثقان في تصنيف عالمي لأفضل اللاعبين، ويقدمان مؤشراً قوياً على مكانته الدولية.

- على مستوى الترتيب التاريخي للاعبين الأفارقة: نشرت منصة Sportsdunia تصنيفاً تصدره محمد صلاح، وفق تقرير نشرته شبكة معلومات الدولة المصرية في يناير 2026. لكنه تصنيف صادر عن منصة إعلامية، وليس ترتيباً رسمياً ملزماً من الاتحاد الأفريقي أو الاتحاد الدولي.

أما الخطيب، فلا يصح وضعه في مرتبة عالمية رقمية محددة من دون وجود تصنيف موثق يشمله ويقارن مسيرته بمسيرات لاعبي العالم. غياب رقم محدد لا يعني غياب القيمة أو الموهبة، لكنه يعني ضرورة الالتزام بما تثبته المصادر.

خامساً: هل يمكن أن يكون الخطيب أفضل فنياً وصلاح أعظم إنجازاً؟

هذا سؤال يستحق التأمل؛ لأن الأفضلية الفنية ليست مطابقة بالضرورة لحجم الإنجازات.

قد يرى من عاصر الخطيب أن موهبته ومهاراته وطريقته في اللعب تجعله في نظره اللاعب المصري الأكثر إمتاعًا. وهذا رأي مشروع في التقييم الفني والذوق الرياضي، ما دام لا يقدم باعتباره حقيقة رقمية محسومة.

وفي المقابل، فإن من ينظر إلى الإنجازات الدولية، والجوائز الفردية، والاستمرارية في المنافسات الأوروبية، والأرقام التهديفية وصناعة الأهداف، سيجد أن لصلاح سجلاً موثقاً يمنحه مكانة عالمية استثنائية.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً أكثر دقة: هل نقارن اللاعبين بموهبتهم الخالصة، أم بإنجازاتهم، أم بتأثيرهم في فرقهم، أم بمكانتهم التاريخية؟

قد تختلف الإجابة باختلاف المعيار، لكن لا ينبغي أن نغير المعيار كلما جاءت النتيجة على غير ما نحب.

سادساً: المشكلة ليست في الخطيب، بل في طريقة التفكير

إن استخدام مصطلح «متلازمة الخطيب» لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للسخرية من جمهور الأهلي أو التقليل من تاريخ النادي. فالأهلي مؤسسة رياضية عريقة، والخطيب أحد أبرز رموزها.

إن المشكلة الحقيقية تظهر عندما تتحول الرموز إلى خطوط حمراء تمنع النقاش، أو عندما يعامل الرأي الشخصي كأنه حقيقة نهائية، أو عندما يرفض الاعتراف بإنجازات لاعب آخر لمجرد أنه ينتمي إلى سياق مختلف.

والأمر لا يقتصر على كرة القدم؛ فنحن نرى الظاهرة نفسها في الأدب والفن والسياسة والإدارة والتعليم، عندما يتعلق الناس بأسماء صنعت مرحلة من حياتهم، فيصبح الدفاع عن الاسم أهم من تقييم العمل نفسه.

فالوفاء للتاريخ لا يعني تجميده، واحترام الأسطورة لا يعني إغلاق الباب أمام أساطير جديدة. فرضت نفسها وحققت نجومية عالمية وحباً رهيباً في قلوب الجماهير كما حدث لصلاح في ليفربول وطرابزون سبور حينما تحول إلة أيقونة وسحراً لجماهيره ومحبيه في تركيا والعالم.

خاتمة: لنعطِ كل لاعب حقه: سيظل محمود الخطيب اسماً كبيراً ونجماً لا ينسى في تاريخ الكرة المصرية والأهلي، وسيظل محمد صلاح أحد أبرز اللاعبين المصريين الذين وصلوا إلى مستويات عالمية غير مسبوقة في العصر الحديث.

وليس من الضروري أن نسقط أحدهما كي نرفع الآخر، ولا أن نحول النقاش الرياضي إلى معركة بين الماضي والحاضر أو أن نعصب لشخص على حسابآخر فالموضوعية والحوكمة والشفافية تتطلب التحدث بأرقام وإحصائيات وأن نكون منصفين في الوصف والتحليل بغض النظر عن الشخص الذي نتحدث عنه.

لكن من حقنا أن نسأل: عندما تتسع المقارنة لتشمل مستوى المنافسة، والإنجازات الدولية، والجوائز الفردية، والاستمرارية، والتأثير في نتائج الفرق، فهل يكفي أن نقول إن لاعباً قديماً هو الأفضل لأننا أحببناه وعاصرناه؟

إن الإجابة المنصفة تبدأ بالاعتراف بأن الذاكرة تمنحنا حق المحبة، لكنها لا تمنحنا حق احتكار الحقيقة.

فالخطيب يستحق الاحترام والتقدير بوصفه أسطورة تاريخية، وصلاح يستحق التقدير بوصفه نجماً عالمياً صنع إنجازات موثقة ويسبق الآخرين بسنوات ضوئية نظراً لحجم موهبه وإنجازاته العالمية التي قلما سبقها أحد من أقرانه أو ممن كان قبله، وبين المحبة والتقييم مساحة واسعة ينبغي أن تحكمها المعايير، لا التعصب.

فهل نحن أمام " متلازمة الخطيب " فعلاً، أم أمام ظاهرة أوسع تتمثل في تقديس الماضي وصعوبة الاعتراف بأن لكل عصر أبطاله، وأن بعض النجوم لا تكتفي بالتألق في تاريخها، بل تتجاوز حدودها لتصبح جزءًا من تاريخ العالم؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن نناقشه، بعيداً عن التعصب، وباحترام يليق بالخطيب وصلاح معاً.

***

د. أكرم عثمان

مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية

28-10-2026

في المثقف اليوم