لاريب أن الكتابة ليست مجرد كلمات تتراصف على الورق، ولا أفكارا تتوالى في سياق لغوي منتظم، فحسب، وإنما هي حالة إنسانية يتداخل فيها الحس المرهف مع الأفكار، ويتعانق فيها الخيال مع التجربة، لتولد من رحمها نصوص تحمل بصمة كاتبها، وتعكس شيئاً من وجدانياته، ورؤيته للحياة. وهكذا تكون الكتابة وليدة لحظة يتقد فيها الحس، فتتحول الفكرة في وجدان الكاتب عندئذ، إلى رغبة جامحة في التعبير عما يجول في خاطره، ويغدو القلم وسيلته لاستنطاق ما يختلج في النفس من مشاعر، وتساؤلات، وتأملات.
ومن هنا تبرز الموهبة كوسيلة، تمنح الكاتب القدرة، على التقاط ما قد يغيب عن أعين الآخرين. فالموهوب يتجاوز ظاهر الحدث، لينفذ إلى ما ورائه من دلالات، وبالتالي فهو لا يتعامل مع المواقف بوصفها وقائع عابرة، وإنما يستشعر ما تنطوي عليه من معانٍ إنسانية، تستحق التأمل، والتعبير.
على أن وهج المشاعر، على أهميته، لا يكفي وحده لصناعة نص ابداعي متكامل. وبالتالي فإن الحس المرهف هو من يمنح الكتابة روحها، لكنه يحتاج في الوقت نفسه، إلى عقل ينظم تدفقه، ووعي يختار عباراته، وخبرة متمكنة، تعرف كيف تنقل التجربة من خصوصيتها الذاتية، إلى فضاء إنساني أرحب. وهنا تبدأ المهنية في ممارسة دورها، لا بوصفها قيداً على الموهبة، أو حاجزاً أمام عفويتها، وإنما باعتبارها اداة تساعد على تهذيب التعبير، وترتيب الأفكار، وإحكام التشكيل، وتحقيق التوازن المطلوب، بين حرارة الشعور، ودقة المعنى.
فالكاتب الذي يمتلك الموهبة، قد يكتب نصاً مؤثراً بدافع الانفعال، لكنه حين يراجع نصه بعين الخبرة، يستطيع أن يكتشف مواضع الإطالة، ويختزل التكرار، ويستبدل العبارة المألوفة، بتعبير أكثر دلالة، ويمنح الفكرة مساراً واضحاً، يصل بها إلى القارئ المتلقي، بأسلوب أكثر صفاء، وتأثيراً.
وإذا كانت الموهبة هبة، تفتح أمام الكاتب أبواب التعبير، فإن المهنية خبرة، تتراكم بالممارسة، والقراءة، والاطلاع، والاحتكاك بالحياة. فالكاتب لا ينضج بقلمه وحده، وإنما ينضج أيضاً بما يقرأ، وما يشاهد، وما يسمع، وما يختبره من مواقف، وتجارب. وبالتالي فإنه كلما اتسعت معرفته باللغة، وأساليب التعبير، وتعمقت قدرته على فهم الإنسان، والمجتمع، ازدادت كتابته عمقاً، وأصبح أكثر قدرة على اختيار الموضوع المناسب، ومعالجته من زاوية مختلفة، وصياغته بأسلوب يوازن بين جمال اللغة، ووضوح الفكرة.
وهكذا قد تصبح الكتابة التي تفقد عفويتها صحيحة، من الناحية الفنية، لكنها تظل باردة في تأثيرها السردي، في حين أن الكتابة التي تسترسل في الانفعال دون ضابط، قد تفيض بالمشاعر، لكنها تعجز عن إيصال فكرتها إلى المتلقي بوضوح.ولذلك تتجلى براعة الكاتب الحقيقي، حين يعرف متى يترك لمشاعره حرية التدفق، ومتى يستدعي خبرته لتنظيم هذا التدفق وصقله. وهكذا فإن التوازن بين الموهبة والمهنية، هو ما يمنح الكتابة قدرتها على البقاء.
إن الموهبة والمهنية جناحان، يحلق بهما الإبداع في فضاء أوسع. فالموهبة تمنح النص نبضه، والمهنية تمنحه تماسكه، والشعور يوقظ الفكرة، والخبرة تنضجها، والحدث يستثير الكتابة، والوعي يمنحها أبعادها. وحين تتكامل هذه العناصر، يصبح القلم قادراً على تحويل لحظة عابرة، إلى نص باقٍ، وتجربة شخصية، إلى معنى إنساني، وكلمات مكتوبة، إلى أثر يستقر في الذاكرة.
وهكذا تظل الكتابة رحلة لا تنتهي عند حدود الموهبة، ولا تكتمل بمجرد إتقان الصنعة، حيث إنها سعي متواصل إلى اكتشاف الذات، وفهم الحياة، وتناغم الحس مع العقل، والإلهام مع التجربة. فالكاتب الحقيقي هو من يحافظ على جذوة الموهبة متقدة في وجدانه، ويظل في ذات الوقت تلميذا للحياة، يستلهم أحداثها، ويصقل أدواته بخبرته، حتى يظل قلمه سيالا، قادراً على التعبير، بالطريقة التي تلامس العقل، والوجدان معاً.
***
نايف عبوش







