بين آفاق المستقبل الواعدة ومخاطر الوجود الرقميه مهم جدا (6)
قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
على هدى هذه الآية الكريمة، يقف العقل البشري اليوم على عتبة تحول تاريخي فريد من نوعه؛ إذ تتسابق كبرى الدول وقادة التقنية لتدشين ما يُعرف بـ "مشروع قوة الذكاء الخارق (Superintelligence ق" Superintelligence) وهو طرح استراتيجي ضخم يهدف إلى بناء بنية تحتية حوسبية متطورة تضاهي في أهميتها الاستراتيجية مشاريع القرن الماضي الكبرى، لتكون بمثابة "مشروع مانهاتن" للذكاء الاصطناعي، بغية الوصول إلى أنظمة تتجاوز أضعافاً مضاعفة القدرات الذهنية للبشر جمعاء. هذا الطرح المتقدم لم يأتِ من فراغ، بل انطلق من رؤية مستقبلية عميقة تتطلع إلى آفاق واسعة من الخير والنفع للبشرية، شريطة إحكام إدارته وتوجيهه. فعلى صعيد القطاع الصحي، تمتلك هذه المنظومات الخارقة القدرة الفريدة على محاكاة البنى البيولوجية المعقدة، واكتشاف علاجات شافية لأمراض طالما أثقلت كاهل البشرية كالسرطان والاضطرابات الوراثية في أسابيع معدودة. ولا يتوقف النفع عند حدود الطب، بل يمتد ليلامس أكبر أزمات كوكبنا عبر ابتكار مواد متقدمة لامتصاص الكربون، وتصميم مفاعلات طاقة نظيفة ومستدامة كالاندماج النووي، فضلاً عن إحداث طفرة غير مسبوقة في الإنتاجية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الذكاء الخارق بوصفه أداة برمجية عابرة، بل كـ "مشروع حضاري سيادي" يُطرح للمستقبل عبر حشد الطاقات الهائلة بين القطاعين العام والخاص، وتأمين مصادر طاقة استثنائية كمفاعلات الانصهار المصغرة ومراكز البيانات الضخمة، لضمان التفوق العلمي والتقني للبلدان التي تقوده. ولكن، وكما أن لكل عتبة جديدة آمالاً عريضة، فإنها تحفها مخاطر جسيمة تفرض علينا التعامل بحذر شديد؛ فأكبر التحديات تتمثل في "معضلة التحكم" وفقدان السيطرة على أنظمة تفوقنا ذكاءً بملايين المرات، فضلاً عن خطر الانزلاق نحو سباق تسلح عسكري محموم، والاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن إزاحة واسعة النطاق للقوى العاملة. ومن هنا، يصبح الوعي الفردي والمؤسسي خط الدفاع الأول في مواجهة سلبيات هذا العصر؛ إذ يتحتم على كل منا توخي أقصى درجات الحذر في التعامل مع البيانات الرقمية، وتجنب إدخال المعلومات الحساسة أو السرية في روبوتات الدردشة المفتوحة، مع الحفاظ الدائم على "التحقق البشري" وعدم الاستسلام الأعمى لمخرجات الذكاء الاصطناعي. كما تشمل سبل الوقاية الحذر اليقظ من ظواهر التزييف العميق للصوت والصورة، وتفعيل إعدادات الخصوصية الصارمة والمصادقة الثنائية لضمان سلامة الحسابات والأجهزة الشخصية. وخلاصة القول، إن مشروع الذكاء الخارق يمثل سيفاً ذا حدين؛ فهو البوابة الكبرى نحو عصر ذهبي من الرفاهية والتقدم العلمي، وهو في الوقت ذاته التهديد الأكبر إن غابت عنه الحكمة والضوابط الأخلاقية. وبين طموح الوصول إلى آفاق معرفية لم تبلغ من قبل، ومسؤولية الحفاظ على الأمن والخصوصية، تظل الأمانة الكبرى منوطة بوعي الإنسان وقدرته الفذة على توجيه تكنولوجياه لخدمة مستقبله لا لهدمه.
***
بقلم صبيح الكعبي








