أصبح الاهتمام بالصحة وسيلة متوازنة للعيش بقوة وحيوية، وأمسى طقساً صارماً وقيداً نفسياً ثقيلاً يعزل الإنسان عن متعة الحياة الطبيعية وعفويتها، ليجد المرء نفسه رهينةً في سجن من الحسابات المعقدة والقيود الغذائية القاسية
تكمن المفارقة الفلسفية هنا في انقلاب الغاية إلى وسيلة، حيث يفرغ الإنسان عمره في حراسة جسده من شبح المرض، فيقتله بالخوف منه قبل أن يصيبه، فالمرء حين يختزل كينونته في أرقام الميزان ويقيس طمأنينته بخلو وجبته من أي شوائب مصطنعة، تفوته اللحظات العفوية وتتلاشى متعة المشاركة الاجتماعية البسيطة، هكذا يتحول الشغف بالصحة إلى قلق مزمن ووسواس قهري مستتر، ليصبح الخوف من الهفوة الغذائية أشبه بالخطر المحدق، مما يورث الجسد إنهاكاً خفياً والعقل اضطراباً لا يهدأ ,, وعلى الصعيد الطبي والنفسي، يؤدي هذا الاستغراق المفرط إلى حالة من التوتر العصبي المستمر التي تقوض المناعة وتُضعف مقاومة الكائن الحي؛ فالصحة الحقيقية لا تنفصل أبداً عن السلام النفسي والمرونة الذهنية , العيش في ترقب دائم ومحاسبة قاسية لكل لقمة يترك أثراً مدمراً على هرمونات التوتر، ويجعل صاحبها غريباً حتى عن جسده الذي يحاول حمايته بحرمان قاسٍ ومبالغ فيه.
هناك هوس معاصر للصحة والعافية. حتى اصبحت ظاهرة لمراقبة شديدة لغذائنا وحساب السعرات الدقيقة، وتكدس المكملات، وإجراء التحاليل المستمرة إلى فخ خفي يلتهم بهجة الوجود ,, يغيب عن الأذهان أن التوازن هو جوهر العافية، وأن الأجساد البشرية صُممت لتمارس الحياة بمرونة ترفض بصرامة الجداول الصارمة. إن التحرر من أسر الوهم الصحي يتطلب شجاعة التصالح مع النقص البشري، والعودة إلى الطبيعة البسيطة في الغذاء والعيش دون مبالغات مرهقة؛ فالصحة الحقّة هي التي تمنح الإنسان طاقة للحياة لا قيداً يُعطله عنها، وتترك مساحة للروح لكي تبتسم وتتنفس بحرية بعيداً عن أثقال الهوس وقسوة المعايير المصطنعة.
وصف الطبيب الإغريقي غالينوس الصحة في القرن الثاني الميلادي بأنها ليست نقصا في المرض، بل حالة يمكن تحقيقها من خلال عيش حياة متوازنة، وهو تعريف أقرب ما يكون إلى المفهوم المعاصر عن العافية كما عُرف أيضا عن الحضارة الإغريقية اهتمامها البالغ بالممارسات الرياضية المختلفة، والأمر نفسه ينطبق على الديانات الشرقية القديمة كالبوذية والهندوسية، وكذلك الديانات السماوية، في الإسلام على سبيل.
***
نهاد الحديثي








