عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: قائمتنا السرية المستحيلة

لماذا ليست الحياة مصممة لتلبية كل الرغبات؟

يمتد طموح الإنسان إلى عنان السماء، وتتسع مخيلته لأمنيات لا تحدها حدود؛ غير أن هذه الرغبات الجارفة غالباً ما تصطدم بجدار الواقع الصلب. بين طموح جامح وواقع معقد، يجد الكثيرون أنفسهم في شباك إحباط ممتد، يتساءلون معه إن كانت المشكلة تكمن في طبيعة أمنياتهم أم في تركيبة عالمهم. ولم يكن التمني يوماً مجرد ترف فكري، بل هو حاجة نفسية ملحة تُصاغ داخل الوعي كآلية دفاعية للهروب من ضغوط الحياة اليومية، أو للتعويض عن إخفاقات حقيقية يعيشها المرء في حاضره. يضاف إلى ذلك فخ "سقف الطموح العالي" الذي تغذيه ثقافة النجاح السريع السائدة في العصر الرقمي، واعدة بالثراء الفوري والنجومية بلا جهد، مما يدفع الأفراد إلى رفع توقعاتهم بشكل يتجاوز قدراتهم الطبيعية، مدفوعين بعقدة "الكمال المطلق" التي ترفض النقص، وتظل تبحث عن توليفة مستحيلة تجمع بين المتناقضات كالثراء الفاحش مع الراحة التامة. غير أن هذا الإبحار في عالم الأخيلة لا يطول؛ فسرعان ما تخرج الرغبة من مهدها النفسي لتواجه شروط الأرض الصارمة، حيث تتحطم أكثر الأحلام بريقاً على صخرة عوائق أساسية تحكم حركة الحياة.

يبرز في مقدمة هذه العوائق الفجوة المالية وغياب التمويل اللازم لتحويل الأفكار الكبرى إلى مشاريع ملموسة، بالتوازي مع أزمة الوقت والطاقة الناتجة عن استهلاك المسؤوليات والالتزامات الأسرية والمهنية لجهد المرء. ولا تتوقف المعوقات عند حدود المادة، بل تتقاطع مع القيود الاجتماعية والثقافية الصارمة التي تحارب كل ما هو غير مألوف، لتنضم إليها فجوة التأهيل العلمي والتحصيل الدراسي؛ حيث يرغب الكثيرون في بلوغ مراتب مهنية رفيعة مع تكاسلهم عن العودة لمقاعد الدراسة وتطوير معارفهم. وهنا يظهر عائق أعمق يرتبط بضعف الشخصية وهشاشة الإرادة، وما يصاحبها من تردد دائم واتكالية تجعل الشخص عاجزاً عن قيادة خططه، بالتزامن مع نقص المهارات العملية والتنفيذية اللازمة لترجمة الطموح كإدارة الوقت والتخطيط. وتكتمل هذه المنظومة المعقدة بالتغيرات الاقتصادية والسياسية المفاجئة، وغياب عامل الحظ أو الفرص المتكافئة، وينتهي الأمر بالشلل الفكري الناجم عن الخوف من الفشل، والذي يمنع الإنسان من اتخاذ خطوته الأولى خشية ألا تكون النتيجة مثالية.

هذه العوائق المتشابكة يختصرها يوسف (38 عاماً) في حكايته الهادئة قائلاً إن حلمه الأكبر لأكثر من عشر سنوات كان تأسيس مركز تكنولوجي يطور برمجيات ذكية تخدم قطاع التعليم. ويضيف أنه كان يملك الفكرة والشغف، لكنه كان يفتقر للتأهيل الأكاديمي المتخصص في هذا المجال الدقيق، ويمنعه التردد من اتخاذ أي قرار مصيري، ومع غياب الدعم المالي وتراكم المسؤوليات التي تلتهم طاقته، تحول الحلم بمرور السنين إلى مجرد فكرة دافئة يهرب إليها قبل النوم لتعوضه عن روتين وظيفته البسيطة، معترفاً بأنه تمنى كثيراً لكنه لم يتحرك خطوة واحدة لبناء الأدوات.

إن قصة يوسف تقودنا إلى حقيقة أن النضج الإنساني لا يعني التخلي عن الأحلام، بل إعادة هندستها لتبدأ من حيث ينتهي الوهم، وذلك عبر الوعي بحدود الممكن وإدراك أن الحياة ليست مصممة لتلبية كل الرغبات. ويتطلب هذا النضج اعتماد تقنية التفكيك، أي تحويل الأمنية الضخمة والعائمة إلى أهداف ذكية، صغيرة ومحددة وقابلة للقياس، مع تحلي الذات بالمرونة النفسية لتقبل السيناريوهات البديلة؛ فإذا استعصت غاية كبرى، وجب فتح مسارات جديدة أصغر ولكنها حقيقية. وهو تماماً ما يصفه يوسف عند حديثه عن لحظة استيقاظه، مؤكداً أن التغيير بدأ عندما توقف عن تمني المستحيل دفعة واحدة وقام بتفتيت الحلم، فتعلم أساسيات البرمجة ذاتياً عبر الإنترنت، وصمّم تطبيقاً بسيطاً لمساعدة طلاب الحي في تنظيم أوقاتهم، مبيناً أن المركز الضخم لم يولد بعد، لكنه على الأقل غادر مقاعد الانتظار وأصبح يسير على الأرض بقدمين حقيقيتين.

في نهاية المطاف، ليست المشكلة في كثرة الطموحات ولا في صعوبة بلغها، بل في ذلك الاستسلام الهادئ الذي يجعلنا نعتاد التمني كبديل مريح عن السعي، حتى تمضي بنا قطارات العمر ونحن واقفون على أرصفة الترقب. وتذكر دائماً أن الرغبات المتروكة في العقول دون عمل هي مجرد ديون مؤجلة تدفع النفس ثمنها إحباطاً متراكماً عند خريف العمر. لا تسمح لروتين الأيام أو الهجس أن ينسيك أحلامك، وفي الوقت ذاته، لا تبقَ أسيراً لسراب وردي بعيد، بل افتح دفاترك القديمة الآن، وشذّب تطلعاتك لتلائم واقعك، وجزّئها إلى خطوات صغيرة، وابدأ اليوم بجهد حقيقي؛ فأن تخطو خطوة واحدة ملموسة نحو هدف متواضع، خير لك ألف مرة من أن تعيش عمراً كاملاً تتمنى فيه المستحيل، فالإرادة الحقة ليست في أن تتمنى، بل في أن تملك الشجاعة لتبدأ.

***

بقلم: صبيح الكعبي

في المثقف اليوم