أنا أقرأ الرسائل التي وصلتني من المثقفين والمثقفات، والأصدقاء والصديقات، الذين يعيشون اليوم في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، فأشعر أنني لا أقرأ مجرد رسائل شخصية، وإنما أستمع إلى أصوات كثيرة تتحدث من خلف جدار الصمت. يعبر أصحابها عن سعادتهم بما أكتبه عن واقعهم، ويطلبون مني المزيد من الكتابة عن الحرية والعدالة والحقيقة، وكأنهم يقولون لي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: اكتب ما لا نستطيع قوله، وتحدث عن الأشياء التي نراها كل يوم ولا نستطيع أن نسميها بأسمائها.
تلك الرسائل والاتصالات المباشرة ذكرتني بتلك الأيام البعيدة، والشباب الذين كناهم، وتذكرت الأحلام التي كانت تبدو لنا يومها ممكنة، بل قريبة، وتذكرت أولئك الذين كانوا معنا في تأسيس أول جمعية فلسفية في عدن، وفي اليمن عمومًا، في العشرين من سبتمبر 1988م.
ثمانية وثلاثون عامًا ليست مجرد مسافة زمنية؛ إنها عمر كامل من التحولات والانكسارات والحروب والهجرات والصمت والانتظار. وحين أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة، أشعر أننا كنا نملك شيئًا لا يُقدّر بثمن: كنا نملك القدرة على الحلم.
كنا مجموعة من الشباب نحمل أحلامًا أكبر من أعمارنا، وآمالًا أوسع من إمكاناتنا، ونعتقد أن المعرفة يمكن أن تكون طريقًا إلى مستقبل أفضل. لم نكن نملك كثيرًا من الأشياء، لكننا كنا نملك شيئًا بدا لنا أهم من كل شيء: الإيمان بأن العقل يستطيع أن يفتح نافذة في جدار الواقع.
كانت الفلسفة بالنسبة إلينا أكثر من مادة دراسية أو تخصص جامعي. كانت طريقة في النظر إلى العالم، وطريقة في مساءلة المسلمات، ومحاولة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والدولة والحرية والعدالة.
كنا نقرأ أفلاطون وابن خلدون وكانط وماركس وميكافيللي وهيدجر وسارتر وماركيز، ونختلف ونتحاور ونتجادل، ونظن أن الاختلاف جزء من الحياة الفكرية، وأن السؤال لا يمثل خطرًا على المجتمع، بل يمثل إحدى وسائل إنقاذه.
لم نكن ندرك حينها أن مجرد طرح السؤال قد يتحول إلى جريمة وعار.إنها حقيقة مريرة إن الجماعات المهيمنة لا يرعبها ضلال الإجابات الخاطئة ولا يهدد ركودها شيء، بقدر ما يزلزل أركانها ويقضّ مضجعها صوت السؤال الصحيح حين يبحث عن الحقيقة الضائعة.
وحين أتذكر الجمعية، لا أتذكر اسمها فقط، ولا تاريخ تأسيسها، ولا الاجتماعات والندوات التي عقدناها؛ أتذكر الأشخاص الذين كانوا جزءًا من ذلك الحلم.
أتساءل: أين صاروا؟
ماذا جرى لهم بعد كل الذي جرى لعدن واليمن؟
أين أولئك الذين كانوا مشاريع كتّاب ومفكرين وباحثين وأساتذة؟
أين الذين كانوا يكتبون مقالات الرأي؟
أين الذين كانوا يفكرون في استكمال دراساتهم العليا؟
أين الذين كانوا منشغلين بالفلسفة الهيجلية؟
وأين الذين كانوا يحاولون نقد الماركسية وإعادة التفكير فيها؟
لقد تفرقت بنا السبل.
لكننا لم نتفرق صدفة.
بعد حرب صيف 1994م تغيرت البيئة التي كانت تسمح لنا بالحلم. تبدلت ملامح عدن، وتراجع حضور الفكر، وضاقت المساحات العامة، واتسعت مساحات الخطابات المتطرفة، وحل الخوف في النفس والمجتمع.
بعضهم هاجر.
بعضهم صمت.
بعضهم غيّر خطابه.
بعضهم حاول التكيف مع الواقع الجديد.
وبعضهم لم يستطع التكيف أصلًا، فانهار تحت وطأة الحياة، وأصيب بعضهم بالمرض النفسي، وانتهى بعضهم إلى الانتحار.
وهنا بدأت أفهم شيئًا من طبيعة الإرهاب الفكري.
إنه لا يحتاج إلى قتل الجميع كي ينتصر.
يكفيه أن يجعل الجميع يخافون.
فالخوف أكثر كفاءة من الرصاصة أحيانًا.
الرصاصة تقتل إنسانًا واحدًا، أما الخوف فيستطيع أن يجعل مجتمعًا كاملًا يراقب نفسه بنفسه. يجعل الإنسان يحذف الجملة قبل نشرها، ويغير الكلمة قبل أن يقولها، ويتراجع عن الفكرة قبل أن يكتبها، ويتعلم أن الصمت قد يكون أقل تكلفة من الحقيقة.
وهكذا يتحول الخوف من حالة نفسية إلى مؤسسة اجتماعية غير مرئية وبهذا المعنى نفهم العنف الرمزي عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ أخطر ما يمكن أن يحدث للناس وللفكر والثقافة فحين يخاف الناس من التفكير، لا تحتاج السلطة أو الجماعة أو المليشيا إلى مراقبة الجميع؛ لأن الناس يبدأون بمراقبة أنفسهم بأنفسهم.
وهنا لا يعود القمع مجرد بندقية في يد مسلح، بل يصبح صوتًا داخل الرأس.
ولذلك ظل سؤال الجمعية الفلسفية يعود إليّ كلما قرأت أو كتبت عن اليمن: ماذا حدث لذلك الجيل؟
أين ذهبت الأحلام؟
وأين ذهبت الندوات؟
وأين ذهبت الفلسفة من الجامعة؟
وأين ذهبت عدن التي كانت تفتح نوافذها على البحر والعالم؟
لقد أدركت مع مرور السنوات أن المسألة لم تكن خسارة جمعية أو قسم جامعي أو مجموعة من الندوات.
كانت خسارة جزء من رأس المال الثقافي والعقلي للمجتمع.
فالمجتمع حين يخسر مفكريه لا يخسر أشخاصًا فقط، وإنما يخسر جزءًا من قدرته على فهم ذاته، ونقد ماضيه، وقراءة حاضره، وتصور مستقبله.
وحين يجف المجال العام من المثقفين المستقلين، تصبح الرواية الواحدة أقوى، ويصبح الصوت الواحد أكثر قدرة على احتلال المجال العام، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للتعبئة والخوف والتطرف.
ومن هنا أتذكر حديثًا قديمًا مع أستاذي وصديقي الدكتور أحمد نسيم برقاوي.
كان ذلك ذات مساء على شاطئ بحر العرب، في كورنيش خور مكسر. كنا نصطاد السمك، ننتظر أن تستجيب السنارة لسمكة تأخرت كثيرًا عن موعدها، بينما أخذنا الحديث بعيدًا عن البحر والسنارة والسمكة.
فجأة قال لي:
«قاسم، بدي أسألك: أين اختفت النخبة التكنوقراطية الحديثة التي خلفتها الإدارة البريطانية لمدينة عدن؟»
فاجأني السؤال، لا لأنني لم أكن أعرف أن عدن امتلكت نخبة مدنية متعلمة، وإنما لأنني لم أفكر من قبل في اختفائها بوصفه سؤالًا تاريخيًا.
سألته: ماذا تقصد بالنخبة العدنية الحديثة؟
فبدأ يسمي: التجار والمستثمرين، المهندسين والمقاولين، الأطباء والمحامين، الإداريين والمحاسبين، المعلمين والصحفيين والكتاب والمثقفين والفنانين، والنساء المتعلمات، وأصحاب الشركات والمؤسسات والصحف والأحزاب والمهن الحديثة؛ تلك الطبقة المدنية التي راكمت خلال عقود طويلة خبرة في إدارة المدينة ومؤسساتها.
كان سؤاله الحقيقي: ماذا حدث لهذه النخبة بعد الاستقلال؟ ولماذا لم تصبح جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الوطنية الحديثة؟
أدركت يومها أن السؤال أكبر من عدن؛ إنه سؤال عن علاقة الثورة بالنخبة، والدولة بالخبرة، والمجتمع بذاكرته المؤسسية.
فقد جرى النظر إلى قطاعات من تلك النخب من خلال تصنيفات أيديولوجية جاهزة، مثل البرجوازية والكومبرادور والقوى الرجعية. وبدل استثمار خبراتها، أُقصيت قطاعات منها، وحلت محلها قوى جديدة لم تكن تمتلك دائمًا الخبرة اللازمة لإدارة دولة حديثة.
ومنذ ذلك المساء أصبحت أرى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والخبرة والمؤسسات والقانون.
وحين تُقصى النخب أو تُهجّر أو تُخيف، لا يخسر المجتمع أشخاصًا فقط، بل يخسر جزءًا من ذاكرته وقدرته على بناء المستقبل.
وهنا تكمن إحدى مآسي اليمن اليوم: أنه لا يخسر مدنه ومؤسساته فقط، بل يخسر أيضًا المجال الذي يستطيع فيه العقل المستقل أن يعيش ويبدع ويشارك في بناء الدولة.
ذاك الحوار البحري مع البرقاوي فتح نظري على اهمية النخب في المجتمعات والبحث في الحالة العربية وقد كتبت دراسة بعنوان (مقومات تشكيل النخب في المجتمع العربي) أوضحت فيه أن النُّخب ليست وضعية عارضة في طبيعة المجتمعات الإنسانية، بل حالة جوهرية أساسية راسخة في صلب التكوين الفطري للمجتمعات الإنسانية منذ بدء الحياة الإنسانية حتى اللحظة الراهنة، إذ لا يمكن للحياة الاجتماعية في أي مجتمع كان، أن تتم من غير نخب اجتماعية سياسية وثقافية قادرة على توجيه مساراتها وتحريك دفتها في الاتجاهات المرغوبة والمطلوبة" وتتعدد النخب وتتنوع بقدر تعدد وتنوع مجالات الفاعلية والعلاقة الاجتماعية (سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية ودينية وعلمية وفنية وإعلامية وتعليمية .الخ. في ضوء ذلك يمكننا، استخلاص تعريف النخبة بالآتي: النُّخبة جماعة من الأفراد يمتلكون خصائص مميزة تجعلهم أكثر قدرة على التميز في أداء أدوار شديدة الأهمية في حياة مجتمعاتهم ولاسيما مجال توجيه المجتمع واتخاذ القرارات السيادية المهمة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.وهي فئة أو شريحة اجتماعية صغيرة وفاعلة ومهيمنة في مجال فعلها ونشاطها بقدرة على استحواذ عناصر قوة المجال والتحكم في قواعد لعبته الخاصة.
في ذلك السياق اشرت إلى كلمة الرئيس الفرنسي شارل ديغول في أول اجتماع له في جامعة باريس عام 1960م، إذ قال:
"كل ما يهمني اليوم هو معرفة كم بقى لفرنسا من نخبها العلمية في مختلف مجالات العلوم، فإذا فقدنا السياسيين والعسكريين فيمكن تعويضهم في بضعة سنوات، أما العلماء والأكاديميين فخسارتهم لا تعوض أبدًا، إذ هم عقل الأمة وقلبها النابض، فإذا مات العقل وأنطفى النبض مات الجسد وتحلل واندثر".
وهكذا تكون مسؤولية من يعرف ويفهم في كتابة الحقيقة كما هي في الواقع لا كما يتصورها
فلماذا أكتب؟
هذا السؤال أصبح يلاحقني أكثر من أي وقت مضى.
وأنا لا أكتب لأنني أعتقد أن المقال قادر وحده على تغيير الواقع.
فالكتابة لا توقف دبابة، ولا تمنع رصاصة، ولا تبني دولة في يوم واحد.
لكنها تستطيع شيئًا آخر ربما يكون أكثر بقاءً.
إنها تستطيع أن تمنع الكذبة من أن تصبح الرواية الوحيدة.
تستطيع أن تحفظ ذاكرة الذين جرى إسكاتهم.
تستطيع أن تسجل ما حدث قبل أن تبتلعه الذاكرة.
تستطيع أن تقول للذين يعيشون في الخوف: لستم وحدكم.
وتستطيع أن تقول لمن يملك القوة: إن ما تفعله اليوم لن يختفي لمجرد أن البنادق ستصمت يومًا.
لهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ أكثر من فعل أدبي أو أكاديمي.
إنها شهادة.
والشهادة مسؤولية.
أن أكتب يعني أن أقاوم النسيان.
أن أقول ما أستطيع قوله.
أن أكشف ما أستطيع كشفه.
أن أترك للأجيال القادمة سجلًا آخر غير السجل الذي تصنعه السلطات والحروب والدعاية.
لقد خرجت من ذلك السجن اليمني الكبير، المسكون بالحرب والخوف والتكفير والظلام، لكنني لم أخرج من اليمن.
حملت اليمن معي.
حملت عدن.
حملت الجامعة والطلاب والكتب.
حملت الجمعية الفلسفية.
حملت وجوه الأصدقاء الذين تفرقوا.
حملت أصوات الذين صمتوا.
وحملت أسئلة الذين بقوا.
ولهذا أكتب عن اليمن من الخارج، لكنني لا أكتب بعيدًا عنه.
أكتب من موقع من نجا من الخوف، لا من موقع من نجا من المسؤولية.
وأعتقد أن الفرق بين الاثنين كبير.
فالخروج من دائرة الخطر قد ينقذ الجسد، لكنه لا يعفي الضمير.
ومن استطاع أن يخرج من دائرة الخوف، فإن خروجه ينبغي ألا يتحول إلى امتياز للصمت، بل إلى فرصة للكلام.
وهنا أفهم الرسائل التي تصلني من صنعاء وعدن والمكلا بطريقة مختلفة.
إنهم لا يريدون مني أن أكتب عنهم من موقع الشفقة.
ولا يريدون صورة رومانسية عن اليمن.
ولا يريدون مني أن أختزل المأساة في طرف واحد.
إنهم يريدون أن يُقال ما لا يستطيعون قوله.
وهذه، في حد ذاتها، مسؤولية ثقيلة.
فالكاتب الذي يستطيع أن يرى ثم يصمت ليس مثل الذي لا يستطيع أن يرى.
ومن استطاع أن يتكلم حين يعجز الآخرون عن الكلام، يصبح مطالبًا بأن يستخدم هذه القدرة بمسؤولية.
لا أن يتحول إلى بوق.
ولا إلى محرض.
ولا إلى ممثل لجماعة.
بل إلى شاهد.
والشاهد الحقيقي لا يكتب ما يرضي الناس، وإنما يحاول أن يكتب ما يراه حقًا، حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة لأصدقائه قبل خصومه.
إن مسؤولية الكتابة في زمن الانهيار هي أن تضع الحقيقة في مواجهة القوة، وأن تجعل من الكلمة مساحة للحرية، ومن الذاكرة مقاومة للنسيان، ومن السؤال بداية لاستعادة العقل.
ولهذا أكتب عن عدن.
لأن عدن بالنسبة إليّ ليست شوارع ومباني وميناءً وبحرًا.
عدن ذاكرة مدنية.
عدن تجربة في التحديث.
عدن فضاء للتنوع.
عدن مدينة كانت تفتح نوافذها على العالم.
وأكتب عن الفلسفة لأن مجتمعًا يخاف من السؤال سينتهي، عاجلًا أو آجلًا، إلى الخوف من الإنسان نفسه.
وأكتب عن النخب لأنني تعلمت أن تدمير النخبة لا يعني التخلص من أفراد، وإنما يعني تجفيف منابع المعرفة والخبرة والقدرة على بناء المستقبل.
وأكتب عن الذين صمتوا لأنني أعرف أن وراء كل صمت قصة.
وأكتب عن الذين هاجروا لأن الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن حياة أفضل؛ قد تكون أحيانًا نجاة من حياة لم تعد ممكنة.
وأكتب عن الذين بقوا لأن البقاء في بعض الظروف شكل آخر من أشكال المقاومة.
وربما لا أستطيع أن أعيد الجمعية التي تأسست في سبتمبر 1988م.
ولا أستطيع أن أعيد عدن التي عرفناها.
ولا أستطيع أن أسترد السنوات التي ابتلعها التاريخ.
ولا أستطيع أن أعيد الذين رحلوا.
لكنني أستطيع أن أتذكر.
وأستطيع أن أكتب.
وهذا، في زمن كهذا، ليس قليلًا.
فالكتابة في زمن الخوف ليست ترفًا.
إنها إحدى صور الحرية.
والكشف عن الحقيقة ليس انتقامًا من الماضي، بل دفاع عن المستقبل.
ومن استطاع إلى ذلك سبيلًا، فليكتب.
ليكتب عن اليمن كما رآه، لا كما تريد له الدعاية أن يكون.
ليكتب عن الذين دفعوا ثمن الحرب.
عن الذين عاشوا الخوف.
عن الذين هُجّروا.
عن الذين صمتوا.
عن الذين قاوموا بالصبر.
عن الذين حاولوا أن يحفظوا للمعرفة مكانًا وسط الخراب.
ليكتب عن المدارس والجامعات التي فقدت معناها.
عن المؤسسات التي تآكلت.
عن المدن التي تغيرت.
عن الذاكرة التي تتعرض للمحو.
ليكتب حتى لا يصبح النسيان هو المنتصر الأخير.
ولعل أعظم ما تستطيع الكلمة أن تفعله في زمن كهذا أن تقول للإنسان اليمني، وللإنسان عمومًا: إن الوطن ليس أرضًا فقط، والدولة ليست سلطة فقط، والثورة ليست عنفًا فقط، والحرية ليست شعارًا، والعلم ليس شهادة، والفلسفة ليست ترفًا، والذاكرة ليست ماضيًا.
كل ذلك شروط للحياة الإنسانية نفسها.
وحين أتذكر أولئك الشباب الذين اجتمعوا في عدن في سبتمبر 1988م، وهم يحلمون بجمعية للفلسفة وعلم الاجتماع، لا أشعر بالحزن فقط على ما ضاع.
أشعر أيضًا بأن شيئًا من ذلك الحلم ما يزال حيًا.
فالأحلام الفكرية قد تتعثر.
وقد تُحاصر.
وقد يهاجر أصحابها.
وقد تُغلق الجمعيات.
وقد تُفرغ الجامعات من معناها.
لكن السؤال الذي يولده العقل لا يموت بسهولة.
الرصاصة تستطيع أن تقتل صاحب الفكرة، لكنها لا تستطيع دائمًا قتل الفكرة نفسها.
أما الخوف، فإنه يحاول أن يجعل الإنسان يقتل الفكرة داخل نفسه.
ولهذا فإن مقاومة الخوف تبدأ أحيانًا بثلاث جمل بسيطة:
أنا أرى.
أنا أتذكر.
وأنا أكتب.
أكتب لأنني لا أريد أن يصبح الصمت شهادة زور على ما حدث.
وأكتب لأن الذين لا يستطيعون الكلام يحتاجون إلى من يحمل بعض أصواتهم إلى الفضاء العام.
وأكتب لأن الذاكرة، إذا لم يكتبها أصحابها، سيكتبها الآخرون نيابة عنهم.
وأكتب لأن التاريخ لا يحفظ كل شيء، ولأن السلطة لا تروي كل شيء، ولأن الضحية كثيرًا ما تفقد القدرة على رواية قصتها.
إنني لا أدّعي امتلاك الحقيقة كاملة.
لكنني أملك حق الشهادة على ما رأيت، وحق السؤال عما لم أفهمه، وحق نقد ما أعتقد أنه أضر بالإنسان والدولة والمجتمع.
وهذا هو معنى الاستجابة في نظري.
أن تصلني رسالة من إنسان خائف في صنعاء أو عدن أو المكلا، ثم لا أتعامل معها بوصفها مجاملة شخصية، وإنما بوصفها نداءً أخلاقيًا.
أن أفهم أن وراء عبارة «اكتب» إنسانًا يريد أن يتنفس.
وراء عبارة «قل الحقيقة» مجتمعًا يريد أن يرى نفسه في مرآة غير مزيفة.
وراء عبارة «واصل الكتابة» أملًا صغيرًا في ألا يكون الظلام هو الكلمة الأخيرة.
ولهذا سأكتب.
ليس لأنني أملك خلاص اليمن.
ولا لأنني أعتقد أن الكاتب أهم من الناس.
بل لأنني واحد من الذين حملوا هذا البلد في ذاكرتهم، وعاشوا بعض مراحله، وخسروا بعض أشيائه، وما زالوا يؤمنون بأن الإنسان يستحق حياة أفضل.
سأكتب ما أستطيع، لا ادّعاءً لامتلاك الحقيقة كاملة، ولا رغبةً في احتكار رواية الماضي، وإنما وفاءً لمسؤولية الشهادة، وأترك للتاريخ، بما له من مسافة عن الانفعال والمصلحة، مهمة الحكم النهائي.
فالكتابة، في جوهرها، ليست مجرد استعادة لما حدث، ولا تسجيلًا باردًا للوقائع، وإنما محاولة إنسانية لفهم المأساة: لماذا انكسرت الرؤوس؟ وكيف انكسر المجتمع معها؟ وكيف تحولت الخلافات إلى خصومات، والخصومات إلى عنف، والعنف إلى خرابٍ طال الإنسان والمكان والذاكرة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ والأهم من ذلك كله: ماذا نستطيع أن نتعلم من هذه التجربة حتى لا تتحول المأساة إلى قدرٍ يتكرر؟
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للذكرى: أن نتذكر لا لكي نبقى أسرى للحزن، وإنما لكي نفهم؛ وأن نفهم لا لكي نبحث عن الثأر، وإنما لكي نمنع تكرار المأساة؛ وأن نكتب لا لكي ننتصر على أحد، وإنما لكي نمنح الحقيقة فرصةً للبقاء حين يحاول النسيان أن يطويها.
لهذا أكتب.
أكتب لأن ما حدث لا ينبغي أن يُدفن مع الذين رحلوا، ولا أن يتحول إلى حكاية منسية في ذاكرة الأجيال. أكتب لأن الذاكرة مسؤولية، والحقيقة مسؤولية، والكلمة حين تصدر عن ضمير حي يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة النسيان.
تذكّرٌ حتى لا يضيع الماضي،
واستجابةٌ حتى لا يبقى الحاضر بلا صوت،
وكتابةٌ حتى لا يُترك المستقبل رهينةً للنسيان.
وسأظل أكتب ما استطعت؛ فليس في وسع الإنسان أن يغيّر ما حدث، لكنه يستطيع أن يمنع أن يمرّ ما حدث بلا معنى.
***
عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري








