من ناظم حكمت إلى شيفان پە روەر.. كيف تلاقى اليسار التركي والكوردي.. المشهد السياسي والاجتماعي لليسار التركي في السبعينيات
في حقبة السبعينيات من القرن العشرين، لم يكن اليسار الثقافي والسياسي في تركيا مجرد نخبة فكرية منعزلة، بل تحول بسرعة ليصبح صوتاً جماهيرياً عارماً يملأ الجامعات، والنقابات، والشوارع. استند هذا الصعود إلى إرث نضالي طويل وإلى رغبة جامحة في التغيير الاجتماعي ومناهضة الإمبريالية. غير أن هذا المد الجماهيري الواسع اصطدم بتحديات جسيمة؛ إذ واجه اليسار هجوماً ضارياً من التيارات القومية واليمينية المتشددة، وسط استقطاب سياسي واجتماعي حاد شهد صدامات دموية، واغتيالات سياسية، وحالة من الفوضى المبرمجة التي مهدت الطريق أمام الانقلاب العسكري المشؤوم عام 1980 وأرخت ظلالاً ثقيلة على مستقبل البلاد.
وفي قلب هذا المخاض السياسي والاجتماعي، برز المهندس الروحي لليسار التركي الحديث، الشاعر الخالد ناظم حكمت؛ الذي مثّل أبوة شعرية أبدية تلهم بقصائده الثورية أجيالاً كاملة حتى في منفاه. شعره الذي كُتب بمعظمه خلف أسوار السجون تحول إلى ما يشبه "الإنجيل الثوري"، وحين تحولت قصائده لاحقاً إلى أغانٍ على ألسنة كبار الفنانين، كسر حاجز النخبوية ليخرج الشعر من برجه العاجي ويهز ملاعب كرة القدم وميادين التظاهر، مجسداً إيمان اليسار بأن الثقافة يجب أن تلتحم بالجماهير الكادحة.
الفن الملتزم (Özgün Müzik) وبصمة الثورة والمرجعيات الخالدة
في خضم هذا المخاض الصاخب، وُلد ما يُعرف بـ "الفن الملتزم" (Özgün Müzik) لييكون التعبير الأصدق عن نبض الثورة والمقاومة. وقد استند هذا التيار إلى مرجعيات روحية وأدمغة كبرى؛ في المقدمة وقف ناظم حكمت، ومن قلب هذا الإرث، برز رواد عظام مثل
ذو الفقار ليوانيلي (Zülfü Livaneli): الذي حول الأغنية واللحن إلى خطاب إنساني وأممي راقٍ يلامس قضايا الحرية ومناهضة الفاشية، مستنداً إلى روح الفولكلور المطور ليمثل الوجه الواعي والأممي للأغنية اليسارية.
أحمد كايا (Ahmet Kaya): الظاهرة الاستثنائية والعميقة للفنان الكوردي الذي غنى بالتركية والكوردية معاً وحمل وجع المنفيين والمهمشين ليغدو صوته جرحاً نازفاً وجسراً لا يُمحى بين قلوب الكادحين من الشعبين. مثّل أحمد كايا "صوت الهامش المطلق" وصرخة متطرفة في وجه الظلم، وعندما غنى بالكوردية وتعرض لهجمة شوفينية شرسة، تحول إلى أسطورة خالدة في المنفى.
شيفان بيروَر (Şivan Perwer): الأيقونة الصوتية الكوردية الكبرى، حنجرة الجبل والملحمة الممنوعة الذي حارب بقوة صوته وتراثه الأنظمة القمعية وأيقظ الوعي القومي والتحرري في وجدان الملايين. في السياق الكوردي، لم تكن الأغنية هنا ترفاً سياسياً، بل أداة وجود ومدرسة وبديلاً وطنياً يحيي الهاجس التحرري في وجه محاولات الطمس والقمع.
الأغنية كجسر شعبي وأداة تعبئة ولغة للطبقات المهمشة
لم تكن الموسيقى مجرد ترفيه نخبوي، بل استطاعت الألحان الشعبية التركية والأناضولية، وتيارات الروك والفولكلور المجددة، أن تمتزج ببراعة مع الفكر اليساري العالمي. في حقبة الستينات وبدايات السبعينات، واجه الخطاب اليساري في تركيا أزمة حقيقية لكونه محملاً أحياناً بمصطلحات نظرية معقدة ومستوردة من الأدبيات الماركسية-اللينينية الأوروبية، مما جعل الفارق كبيراً بين لغة المثقف الأكاديمي في جامعات إسطنبول وأنقرة، ولغة الفلاح في قرى الأناضول أو العامل في المصانع؛ وهنا جاءت الأغنية الملتزمة والتيارات المجددة لتلعب دور "المترجم العضوي"، إذ تم اختزال الأفكار السياسية المعقدة حول استغلال الطبقات، أو الإمبريالية، أو العدالة الاجتماعية، وتحويلها إلى صور شعرية وألحان مستمدة من التراث المحلي وتوظيف آلة الساز، وأصبح الشعار السياسي يُغنى، ليتمكن أي شخص من حفظ البيت الشعري دون الحاجة لقراءة مجلدات نظرية ثقيلة.
وقد تجسد هذا المزج الخلاق بين التراث والحداثة عبر رفض اليسار الثقافي الانعزال في الفولكلور المتحجر، وفي نفس الوقت رفض استنساخ الموسيقى الغربية بحذافيرها، ليكون الحل في المزج بين آلات الروك الغربية الحديثة من جيتار كهربائي ودرامز وبين المقامات والألحان الفولكلورية الشرقية والأناضولية، حاملاً رمزية طبقية وسياسية وثقافية عميقة تعلن قدرة الثقافة المحلية على استيعاب الحداثة وأدوات العصر دون أن تفقد هويتها، تماماً كما أراد اليسار بناء مجتمع حديث ومتطور يستند إلى عدالة العمال والكادحين دون تنكر لجذوره التاريخية والشعبية.
وفي بيئة منقسمة بشدة إثنياً وقومياً وسياسياً بالمعنى التركي-الكوردي، كانت الأغنية هي المساحة الوحيدة تقريباً التي تستطيع تخطي الحواجز النفسية والموانع القانونية؛ فعندما يستمع عامل تركي في مصنع بتركيا أو إسطنبول وفلاح كوردي في سهل مرعش أو ديار بكر إلى لحن ينطق بالوجع الطبقي والاشتياق للحرية، فإن الإيقاع والشجن يكسران حاجز اللغة، لتوصل الموسيقى المظلومين فكرياً وتخلق تعاطفاً وجدانياً عابراً للقوميات، مشكلةً جبهة تضامن شعبية غير مرئية ولكنها أشد رسوخاً من البيانات الحزبية الرسمية.
وبالنسبة للطبقات المهمشة سواء كانوا عمالاً مهددين بالطرد، أو فلاحين مسحوقين، أو كورداً مسلوبين من حقهم اللغوي، كان الصوت الغنائي يعكس سيكولوجية المظلوم المتمرد؛ إذ تحولت الأغنية من مجرد بث للحزن إلى طاقة غضب واعية وتمرين يومي على كسر حاجز الخوف بين المثقف والبسيط، لتصبح لغة مشتركة تتجاوز حواجز القوميات واللغات المحظورة، وأداة تعبئة جماهيرية كبرى تختصر شعارات المعارك الكبرى في أبيات شعرية وألحان تهز الوجدان
محنة الثمانينيات وقمع البندقية: أغنية المنفى والمعتقلات السرية
حين وقع انقلاب 1980 العسكري بقيادة كنعان إيفرين (Kenan Evren)، نزلت آلة القمع العسكري بكل ثقلها لتسحق البنى السياسية والنقابية لليسار. أُغلقت الصحف، وزُج بآلاف المثقفين والفنانين والسياسيين في سجون ديار بكر وأنقرة وإسطنبول المظلمة.
وفي هذا المناخ الفاشي القاسي، واجه الميدان السقوط ومحاولات الاجتثاث الجذري عبر المشانق والتعذيب الممنهج، غير أن الكلمة لم تمت ولم يصمت اللحن؛ بل تحولت الأغنية من أداة علنية في الميادين إلى مقاومة سرية تتناقلها أشرطة الكاسيت المخفية من يد إلى يد. أصبحت الأغنية في المعتقل السري طوق نجاة وذاكرة جماعية حصينة تضمّد جراح المعتقلين والمنفيين، وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن البندقية مهما بلغت قسوتها وتجبرها تعجز عن قتل صوت حرّ ينبض بالحياة والكرامة الإنسانية، وأن الللحن الحر يبقى مخلداً في وجدان الشعوب مهما طال ليل الاستبداد
***
ئاريان علي








