لا تُهدم الحضارات بالسلاح وحده، ولا تسقط الأمم دائمًا تحت وقع الحروب والكوارث؛ فقد يبدأ انهيارها من مكان أكثر خفاءً: من اضطراب سلم القيم، حين يُهمَّش المعلم، ويُذل الطبيب، ويُقصى العالِم، بينما يُمنح التافهون مساحة واسعة من الضوء والتقدير.
وفي تحليل مالك بن نبي، ليست الحضارة أبنية شاهقة، ولا مصانع متقدمة، ولا مظاهر مادية فحسب، بل هي قبل ذلك منظومة من القيم والمعاني التي تمنح الإنسان قدرته على البناء. وحين تختل هذه المنظومة، يبدأ المجتمع بفقدان مناعته الداخلية، حتى لو بدا في ظاهره قويًا ومزدهرًا. فالحضارة لا تنهار لحظة وصول الخراب إلى شوارعها فقط، بل تبدأ بالانهيار يوم تعجز عن التمييز بين صاحب الأثر وصاحب الصخب، وبين من يبني الإنسان ومن يستهلك انتباهه.
وقبل بن نبي بقرون، كان ابن خلدون قد لاحظ الأمر ذاته من زاوية أخرى: فالدول -في عمرانه- لا تسقط دفعة واحدة، بل تمر بأطوار من الترف والدَّعة تُذيب فيها العصبية الجامعة والقيم الضابطة، حتى يصبح الحاكم بلا هيبة، والعالم بلا مكانة، ومن كان بالأمس مضرب المثل في الجِدّ يغدو اليوم مثار سخرية. فحين يلتقي تشخيص ابن خلدون للدولة بتحليل ابن نبي للحضارة، يتضح أن الخلل ليس طارئًا ولا محليًا، بل قانون متكرر: كلما ابتعد المجتمع عن تكريم الجدارة اقترب من لحظة أفوله.
وليست القدوة مسألة ترفيهية أو ذوقًا شخصيًا؛ فهي، في جوهرها، اختيار للمعنى الذي نريد أن يسكن وجدان الأجيال. فالطفل والشاب لا يتعلمان من الكتب وحدها، بل يتأثران بما يراه المجتمع جديرًا بالإعجاب. وإذا رأيا الشهرة تُمنح لمن لا يملك علمًا ولا خلقًا ولا إنجازًا، بينما يُترك أصحاب الرسالات في الظل، نشأ لديهما اعتقاد مضلل بأن القيمة لا تُكتسب بالعمل، بل بالظهور.
ليس المقصود أن يُحرم الناس من الفرح أو الترفيه؛ فالضحك حاجة إنسانية، والفن الجميل ضرورة روحية، والتسلية جزء من الحياة. غير أن الخطر يظهر حين يتحول الترفيه إلى قيمة وحيدة، وحين تصبح الشهرة دليلًا على الكفاءة، ويغدو الظهور المستمر معيارًا للنجاح. عندها لا يعود المجتمع يختار قدواته بوعي، بل يتلقى نماذج تُصنع له عبر الشاشات والمنصات، فتحتل الوجوه الأكثر صخبًا مكانةً تفوق مكانةَ من يملكون العلم والخبرة والإنجاز.
وقد لا يكون التافه مسؤولًا وحده عن هذه الصورة؛ إذ تقف وراء انتشارها منظومة واسعة من الإعلام والإعلان والخوارزميات، تكافئ المحتوى السهل والسريع، وتدفع بما يثير الفضول ولو كان خاليًا من المعنى. ويكفي أن نلاحظ كيف تتضاعف عائدات دقيقة واحدة من الاستعراض على منصة عابرة أضعاف ما يجنيه معلم في شهر كامل من الجهد والصبر، لندرك أن الخلل لم يعد مجرد تفاوت في التقدير المعنوي، بل انقلاب فعلي في معادلة القيمة الاقتصادية نفسها. وحين يُمنح شخص بلا منجز مساحة تفوق مساحة المعلم، ويُستضاف صاحب الضجيج أكثر مما يُستضاف الباحث، تصل إلى الناشئة رسالة خطيرة: لا حاجة إلى الصبر، ولا إلى العلم، ولا إلى العمل الطويل؛ يكفي أن تكون مرئيًا حتى تصبح مهمًا.
ولا يقف أثر هذا الخلل عند حدود الذائقة، بل يمتد إلى الاقتصاد والأخلاق والمستقبل. فالمجتمع الذي يزدري المعرفة يبدد كفاءاته، والذي يكافئ الانتهازية يعلّم أبناءه أن النجاح منفصل عن المسؤولية. وهكذا يتحول اضطراب القدوات إلى اضطراب في الأولويات، ثم إلى عجز عن صناعة مستقبل يليق بالأمة.
في المقابل، يقف المعلم أمام سبورة متعبة، يحمل في صوته مستقبل أجيال كاملة، ويواجه الطبيب التعب والمسؤولية، ويواصل العالِم بحثه في صمت بعيدًا عن الأضواء. هؤلاء هم صناع المستقبل الحقيقيون، لكنهم غالبًا لا يحظون بما يناسب أثرهم من تقدير. إنهم لا يحتاجون إلى المديح العابر، بل إلى احترام مؤسسي، وأجور عادلة، وبيئة تتيح لهم أداء رسالتهم بكرامة.
إن المشكلة ليست في وجود التافهين، فكل مجتمع يضم نماذج متفاوتة من الوعي والاهتمامات، وإنما في أن يتحول التافه إلى قدوة، وأن يعلو الصخب على المعرفة، والاستعراض على الإنجاز، والانتشار على القيمة. عندئذٍ لا يعود الخلل فرديًا، بل يتحول إلى ثقافة عامة تعيد تشكيل ذائقة المجتمع وأحلام أفراده.
لذلك فإن حماية الحضارة تبدأ بإعادة ترتيب سلم القيم: أن نحتفي بمن يعلّم، ويعالج، ويبحث، ويبدع، ويخدم الناس، لا بمن يملأ الفراغ بالصخب. فالضوء الذي نمنحه اليوم ليس أمرًا عابرًا؛ إنه يحدد النماذج التي سيتطلع إليها أبناؤنا غدًا. وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تبقى حيّة وقادرة على النهوض، فعلينا أن نمنح القدوة لمن يستحقها، وأن ندرك أن الأمم لا تسقط حين يقل فيها الضجيج، بل حين يصمت أهل الأثر، ويتقدم التافهون إلى الصفوف الأولى.
***
بقلم: زينب طارق ـ العراق








