عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: الكاريزما.. سحر الشخصية وقوة التأثير في الآخرين

أصبح مصطلح «الكاريزما» أكثر تداولاً في السنوات الأخيرة للدلالة على صفات كنا نعبّر عنها بمفردات مثل الهيبة والحضور وقوة التأثير. وأودّ أن أتوقف هنا عند هذا المفهوم ودلالاته، ولا سيما في واقعنا العراقي. فمن خلال متابعة ظهور بعض المسؤولين والسياسيين على الفضائيات، وما يتعرضون له أحياناً من انتقادات تتعلق بمظهرهم وطريقة حديثهم، تكوّن لديّ انطباع بأن بعضهم يفتقر إلى الحضور المؤثر والقدرة على مخاطبة الناس وكسب ثقتهم. وهذا ما دعاني إلى تناول حقيقة الكاريزما، وأهميتها في القيادة، ومدى حضورها في حياتنا السياسية والاجتماعية.

الكاريزما كلمة ذات أصل يوناني (Charisma)، تعني الموهبة أو الهبة، وكانت تُستخدم للدلالة على الموهبة الاستثنائية أو الهبة الإلهية. أما في المفاهيم الحديثة للعلوم الاجتماعية والنفسية، فقد اتسع معناها ليشمل مجموعة من الصفات والمهارات والسلوكيات التي تجعل الإنسان قادراً على جذب الآخرين والتأثير فيهم، من خلال حضوره، وطريقة حديثه، وثقته بنفسه، وقدرته على التواصل معهم.

ولا شك أن المظهر الخارجي وطريقة الحديث يشكّلان جزءاً من الكاريزما، لكنهما لا يمثلانها وحدهما؛ فهي حصيلة صفات متكاملة تنتظم الهيئة والحضور، والقدرة على التعبير، وعمق الشخصية والسلوك. ويمكن توضيح ذلك من خلال ثلاثة جوانب أساسية:

1. المظهر الخارجي والهيئة:

تسهم الأناقة، والاهتمام بالمظهر، ولغة الجسد، وتعبيرات الوجه، ونظرات العين، وطريقة الوقوف والجلوس، في تكوين الانطباع الأول وتعزيز الحضور. وقد تعرّض بعض المسؤولين لانتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي بسبب عدم ملاءمة ملابسهم أو إهمال مظهرهم، ولا سيما في المناسبات الرسمية.

2. القدرة على الخطابة والتعبير:

يُعدّ وضوح الكلام، ونبرة الصوت، والثقة في الحديث، وانتقاء العبارات، والقدرة على إيصال الفكرة بإيجاز وإقناع، من العناصر المهمة في تكوين الكاريزما، ولا سيما لدى القادة والسياسيين. فالقائد الذي يحسن مخاطبة الجمهور يستطيع نقل رؤيته وكسب اهتمام الناس وثقتهم.

3. الشخصية والسلوك:

وهما الأساس الذي يمنح المظهر والكلام قيمتهما الحقيقية. فالصدق، والثقافة، والحكمة، والتواضع، واحترام الآخرين، والقدرة على الإصغاء، صفات تترك أثراً عميقاً يتجاوز الانطباع الأول.

وفي المجال السياسي، قد نرى مسؤولاً أنيق المظهر، حسن الإلقاء، لكنه لا يترك أثراً في النفوس بسبب افتقاره إلى وضوح الرؤية أو المصداقية. وقد نرى آخر بسيط المظهر، محدود البلاغة، لكنه يتمتع بحضور قوي لأن الناس يشعرون بصدقه وقربه منهم. فالمظهر يصنع الانطباع، والكلام يوصل الرسالة، لكن الشخصية الصادقة والرؤية الواضحة والسلوك المتزن هي التي تمنح هذا الحضور عمقه وتأثيره.

ومن هنا، فإن ما يمنحه المنصب من سلطة وما يوفره اللقب من مكانة لا يكفيان لاكتساب الكاريزما التي تعين على النجاح في المسؤولية. فكم من إنسان لا يشغل منصباً ولا يمتلك ثروة، لكنه يحظى بمحبة الناس واحترامهم، ويستطيع بكلمة منه أن يطمئن القلوب أو يغيّر القناعات. وفي المقابل، كم من صاحب منصب رفيع لا يترك أثراً في النفوس ولا يستطيع كسب ثقة من حوله.

وإذا كانت الكاريزما مهمة في العلاقات الإنسانية اليومية، فإن أهميتها تتضاعف لدى القادة والرؤساء، لأن تأثيرهم يمتد إلى المؤسسات والمجتمعات، وقد يصل إلى الشعوب والدول. فالسلطة القانونية تمنح القائد صلاحياته، لكنها لا تكفي وحدها لكسب ثقة الناس أو حشد طاقاتهم لتحقيق الأهداف المشتركة. وهذا ما يجعل الكاريزما ذات أهمية خاصة في القيادة السياسية. ويمكن تناول دور الكاريزما في ثلاثة مجالات أساسية:

أولاً: بناء الثقة والشرعية المعنوية

يمنح المنصب المسؤول صلاحيات دستورية وقانونية، لكن احترام الناس وثقتهم لا يتحققان بمجرد توليه المسؤولية، وإنما بما يقدمه من خدمات وإنجازات، وبما يظهره من صدق ونزاهة وتوافق بين القول والفعل. كما تتعزز هذه الثقة بقدرته على الاعتراف بالأخطاء، وتفهّم مشكلات المواطنين ومعاناتهم اليومية، والتعامل معها بمسؤولية.

ثانياً: توحيد المجتمع في أوقات الأزمات

في الظروف الصعبة، يحتاج الناس إلى قائد يمنحهم الطمأنينة، ويوضح لهم حقيقة الأوضاع بصدق، ويقدم رؤية واضحة للمستقبل. وهنا تظهر أهمية الكاريزما في القدرة على مخاطبة الناس بلغة يفهمونها، واحترام مخاوفهم، وتحمل المسؤولية بدلاً من الاكتفاء بإطلاق الوعود. فالكلمة الصادقة والموقف المسؤول قد يسهمان في تعزيز تماسك المجتمع ومساعدته على تجاوز المحن.

ثالثاً: التأثير في الداخل والخارج

يمتد تأثير المسؤول الذي يتمتع بالكاريزما إلى علاقاته مع قادة الدول والمجتمع الدولي. فالشخصية الواثقة، والحديث المتزن، والقدرة على فهم الآخرين واحترام ثقافاتهم، كلها عناصر تساعد على بناء العلاقات الدبلوماسية وتعزيز صورة الدولة. غير أن نجاح السياسة الخارجية لا يتوقف على شخصية الرئيس وحدها، بل يرتبط أيضاً بالمصالح الوطنية، والقدرات، وكفاءة المؤسسات الدبلوماسية. وعلى الرغم من أهمية الكاريزما، فإنها ليست دليلاً قاطعاً على صلاح الإنسان أو كفاءته أو نزاهته. فقد يتمتع شخص بقدرة كبيرة على استمالة الجماهير، لكنه يستخدمها لتحقيق مصالحه الخاصة أو تضليل الآخرين. ومن هنا، ينبغي التمييز بين الكاريزما القائمة على الصدق والمسؤولية، وتلك التي تعتمد على الاستعراض والشعارات وإثارة العواطف.

فليس كل قائد محبوب قائداً ناجحاً، وليس كل رئيس فصيح صاحب رؤية، وليس كل من يستطيع التأثير في الجماهير جديراً بثقتهم. وقد تتحول الكاريزما، إذا انفصلت عن المساءلة والمؤسسات، إلى وسيلة لتركيز السلطة حول الفرد وإضعاف النقد، وإقناع الناس بأن شخصاً واحداً قادر على حل جميع المشكلات. ومن هنا تبدأ ظاهرة «القائد الضرورة»، التي قد تمهد الطريق لقيام أنظمة شمولية تجعل إرادة الفرد فوق إرادة المؤسسات والقانون.

فالقيادة الرشيدة لا تقوم على جاذبية الشخصية وحدها، بل تحتاج إلى المعرفة والحكمة والنزاهة واحترام القانون والعدل، والاستماع إلى الرأي المخالف، والعمل ضمن مؤسسات قادرة على تصحيح الأخطاء. والكاريزما الحقيقية لا تجعل القائد فوق النقد، بل تعزز قدرته على تقبّله والتواصل مع من يختلفون معه.

ومن الجوانب المهمة في هذا المفهوم أن الكاريزما، وإن كان يُنظر إليها أحياناً على أنها موهبة يولد بها الإنسان، فإن جانباً مهماً منها يمكن اكتسابه وتنميته بالممارسة والتجربة. وهذا ما يستدعي من كل من يتصدى للمسؤولية الاهتمام بتطوير مهاراته الشخصية والتواصلية، والاستفادة من البرامج التدريبية التي تساعده على مخاطبة الناس والتعامل مع المواقف المختلفة، وتجنّبه المواقف المحرجة والانتقادات في المناسبات المحلية والدولية.

وانطلاقاً من إيماني بأن هذه المهارات ليست جميعها فطرية، وأن جانباً مهماً منها يمكن اكتسابه بالتدريب والممارسة، استعنت أثناء عملي سفيراً للعراق في مملكة هولندا بأحد المستشارين الدوليين المتخصصين لتنظيم دورة تدريبية لجميع منتسبي السفارة، كان معظمهم حديثي العهد بالعمل الدبلوماسي. وقد ركّزت الدورة على أصول الإتيكيت والبروتوكول، وفنون التعامل والتواصل، وآداب التصرف في المناسبات الرسمية، بما يعزز حضورهم المهني ويهيئهم لتمثيل بلدهم بالصورة اللائقة.

فالثقة بالنفس يمكن تعزيزها، ومهارات الخطابة والإصغاء يمكن تعلمها، والقدرة على فهم مشاعر الآخرين يمكن تطويرها من خلال الاحتكاك بالناس والتأمل في تجارب الحياة. كما تمنح القراءة والثقافة والخبرة الإنسان عمقاً في التفكير، وتساعده على التعبير عن آرائه بصورة أكثر اتزاناً وإقناعاً.

ولعل أهم ما يعزز الكاريزما أن يكون الإنسان على طبيعته، صادقاً في أقواله، متواضعاً في سلوكه، واثقاً من دون غرور، وقادراً على احترام الآخرين، مهما اختلفت مواقعهم الاجتماعية أو السياسية. فالتصنّع قد يلفت الأنظار لبعض الوقت، لكن الشخصية الصادقة هي التي تستطيع الاحتفاظ باحترام الناس على المدى الطويل.

ولا يقتصر هذا المفهوم على الرجال، فالكاريزما لا تقل أهمية بالنسبة للمرأة، إذ تتجلى في حضور متوازن يجمع بين الثقافة والذكاء والثقة بالنفس والرقيّ السلوكي، ويتجاوز حدود الجمال الشكلي والمظهر العابر. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد الحاجة إلى التمييز بين الحضور الحقيقي والشهرة الزائفة؛ فالاستعراض واللهاث خلف الإعجاب قد يجلبان انتباهاً مؤقتاً، لكنهما لا يصنعان احتراماً مستداماً. فالكاريزما الأصيلة، لدى الرجل والمرأة، تنبع من صدق الشخصية وعمق الفكر وانسجام القول مع الفعل، ومن شخصية متوازنة تعرف قيمتها، ولا تجعل تقدير الآخرين مقياساً لكرامتها، ولا تحتاج إلى الضجيج لإثبات وجودها.

وفي الختام، فإن الكاريزما طاقة إنسانية تتجلى في طريقة تعامل المرء مع الآخرين، وفي قدرته على الجمع بين الثقة والتواضع، وقوة الشخصية واحترام الناس. وهي حضور مؤثر يستمد قيمته من انسجام القول والفعل، وصدق المواقف وليست مجرد سحر شخصي أو قدرة على جذب الأنظار.

وإذا كانت الكاريزما تمنح الإنسان العادي قدرة على بناء علاقات طيبة وترك أثر جميل في محيطه، فإنها تمنح القادة والرؤساء وسيلة للتواصل مع شعوبهم وتعزيز الثقة وتحريك الطاقات نحو أهداف مشتركة. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن فيما تتركه من أثر في حياة الناس، وما تقترن به من أخلاق ومسؤولية وعدالة واحترام للمؤسسات.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم