في سبعينيات القرن الماضي كنت أكتب مقالات علمية في مجلة جامعة الموصل، وكانت هناك مكافأة ما بين (15 و 25) دينار للمقالة، وعندما أصبحت طبيبا كنت أنشر مقالات علمية في الصحف المحلية، وكان المحاسبون لا يعطوني المكافأة، ولا زلت أذكر قولهم عند مطالبتي بها: "شتسوي بيها دكتور"!!
وكان بعض المحررين والمسؤولين على الصفحات، يقتربون مني ويحثوني على إعطائهم مقالة لنشرها، وما كنت أعلم أنهم يفعلون ذلك من أجل غنيمة المكافأة، وأنا في غفلة عنها.
الكاتب في مجتمعات الدنيا يعيش في بحبوحة فكتاباته تدر عليه أكثر من حاجته.
فالكتابة صنعة وحرفة وما ينتجه الكاتب بضاعة، ولا توجد بضاعة بالمجان إلا في مجتمعاتنا، التي جرّدت الكلمة من قيمتها والكتابة من دورها ومعناها.
لا يوجد كاتب في الدنيا ينشر بالمجان إلا عندنا، وهذه ظاهرة مخالفة لبديهيات الأمور.
المطلوب من المواقع إعتماد الإعلانات كمصدر مالي، ودفع نسبة منها للكاتب حسب مقروئيته.
قد يتعجب البعض من هذه الفكرة، لكنها تعبّر عن واقع مواقعنا وصحافتنا، فهي لم تتطور وتعاصر منذ إنطلاقها في بداية القرن الحادي والعشرين .
ويجب أن يدرك أصحابها إنها نشاط ثقافي وإقتصادي معا، فالإقتصاد عماد الحياة، والدافع الأول لما يدور في الدنيا من أحداث وصراعات.
الكتابة تتطلب جهدا ووقتا، وبحثا وقراءات متنوعة، وتكلف الكاتب كثيرا، ومن الغريب أن يتواصل الكاتب في هدر وقته ونشر إنتاجه، وكأنه يطارد خيط دخان.
لابد من القول بأن الدوافع الوطنية والإنسانية والثقافية التنويرية هي التي تقود مسيرة الأقلام في ديارنا، ومعظم الكُتّاب يتواصلون في عطاءاتهم دون مقابل، وهذه ميزة أصيلة لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، ويبدو أن الغيرة والحمية ومنطلقات العز والكرامة، وما أنجزته الأمة في مسيراتها الغابرة لها فعلها في شحذ همم الأجيال لإستعادة جوهرها الوهاج المنير.
ويمكن الإتيان بتفسيرات أخرى، لكن ما يحصل عندنا لا يوجد كمثله في مجتمعات الدنيا.
فالكاتب كاتب ويجب أن يجني ربحا من كتاباته !!
كتاباتٌ نُبخّسها لجَهلِ
ونَمضي دونَ حاديةٍ لفِعْلِ
وكتّابٌ بلا أمَلٍ بكَسبٍ
وأكداسٌ مِنَ الأفكارِ تَغلي
أفاعيلٌ مُفعّلةٌ بقهرٍ
وعدوانٌ يُباركُها بعَضْلِ
***
د. صادق السامرائي








