عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

علاء جواد كاظم: فلسفة الامام علي نموذجا للتوليد المعرفي

الحكمة في طرح السؤال تكمن في كونه قدرة على تحريك العقل، في حين الجواب المغلق ينهي حركة التفكير، اما الجواب العلمي الرصين فيولد اسئلة جديدة. والسؤال هو جوهر الفلسفة، وأن تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ الاسئلة اكثر من الاجوبة المغلقة. عندما سأل الانسان اسئلة بسيطة مثل؛ لماذا تسقط الاجسام؟ وما سبب الامراض؟ وهل تدور الارض حول نفسها؟ لم تكن لديه اجابات، لكن اسئلته هي التي أسست الفيزياء والطب والفلك. ولو فرضنا في ذلك الوقت قد اكتفى الانسان باجابات موروثة لما تطورت العلوم، لأن الحضارات بدأت بالأسئلة، لكنها لم تتطور الا عندما حولت هذه الاجابات الى معرفة قابلة للتطوير.

السؤال هو من يحرر العقل لأنه يفتح باب النقد والمراجعة، اما الاجابة النهائية قد ترسخ عقيدة جامدة اذا لم تراجع بدقة، لذلك كانت بداية الفلسفة، وخصوصا عن سقراط ليست تعليم الافراد الاجابة، بل تعليمهم كيف يسألون. ومن خلال القراءة الفلسفية للحديث المشهور للامام علي (عليه السلام) "علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم، يفتح من كل باب ألف باب"، تنكشف لنا رؤية معرفية فريدة من نوعها – هي أن المعرفة الحقيقية ليست مجموعة اجابات، بل هي منظومة تولد معارف جديدة بأستمرار.

ويمكن ان تقرأ كلمة "باب" في الحديث باعتبارها مدخلا معرفيا لا مجرد وحدة معلومات، لان لو كان المقصود بها هو حفظ المعلومات، لاكتفى بقول "علمني الف معلومة"، لكنه قال "ألف باب". والباب في اللغة والفلسفة يعني مدخل لا نهاية، والمدخل يقود الى فضاءات اخرى. وهذا يعني، أن كل معرفة علمية تصبح مفتاحا لمعارف اخرى، وتكمن الفكرة العظيمة في هذا القول، أن المعرفة العلمية تعمل على شكل مستقيم لا نهاية له (المعرفة – سؤال صحيح – معرفة اعمق – أسئلة اكثر واوسع). وبالتالي، أن كل اكتشاف يوسع افاق بحثية جديدة بدلا من ان يغلقه في اجابات نهائية، وهذا يتماشى تماما مع فكرة أن محرك الحضارة السؤال، والجواب هو محطة مؤقتة.

وبما أن السؤال محرك الحضارة، فلابد من ان يكون مفهوم التوليد هو الاساس الصحيح لا التكديس، لأن المعرفة التراكمية تعني مجرد جمع معلومات، اما المعرفة التوليدية فتشير الى أن كل فكرة تنتج افكارا جديدة اخرى، وهذا ما يجسده الحديث بصورة بليغة وذات معنى عميق (كل باب من المعرفة يفتح الف سؤال جديد).

ويعد السؤال الجيد مفتاح كل ابداع، وأن كل اختراع بدأ بسؤال، اما الاجابة فجاءت في وقت لاحق، لذا كانت الشرارة الاولى في حياة كل البشرية هي السؤال مثل: ماذا لو استطعنا من الطيران؟ ماذا لو تتكلم الالات؟ ماذا لو تمكنا من علاج هذا المرض؟. فالاسئلة مستمرة ومحركة للعقل، اما الإجابات مؤقتة وقد تغلق التفكير، فنجد كل اجابة علمية تفتح عشرات الاسئلة الجديدة، وعلى سبيل المثال، اكتشف نيوتن الجاذبية، ثم سال اينشتاين: هل الجاذبية قوة اصلا؟ ثم بعدها سال علماء الفيزياء: هل يمكن توحيد الجاذبية مع ميكانيكا الكم؟.

هذه الاسئلة تحول الفرد من المتلقي الى المنتج، فالذي يحفظ الاجابة يكون ناقلا للمعرفة، اما الذي يصوغ الاسئلة فيكون منتجا للمعرفة، وبناء على ذلك، تركز الجامعات العالمية العريقة على رؤى بحثية كبرى لتعليم الطلبة حول: كيفية تحديد المشكلة، وكيفية صياغة السؤال البحثي اكثر من التركيز على نقل وتدوير المعلومات. فالتعليم المعاصر يبدأ بالمشكلة او السؤال، ثم يقود الطالب نحو البحث والاستكشاف والتجريب حتى يصل للاجابة بنفسه.

فالسؤال الجيد اكثر قيمة من الجواب، لان الأجابة تعالج مشكلة واحدة، في حين السؤال قد يفتح افاقا لحل مئات المشكلات، والتعليم الذي يبدأ بتعلم الاجابة يصنع حافظا للمعرفة، اما التعليم الذي يعلم صياغة السؤال فيصنع انسانا منتجا للمعرفة. ففلسفة الامام علي تقدم نموذجا للعقل المولد للمعرفة، لانها تتميز بعمق التحليل والاستنباط، وأن العلم لم يكن عنده حفظا، بل هو القدرة على استخراج معان جديدة من الاصول.

ان فهم هذا الحديث بوصفه تعبيرا عن التوليد المعرفي يعد انسجاما كاملا لفلسفة الامام علي في المعرفة والعقل. فهو يجعل العقل اساس كرامة الانسان، فقال "لا غنى كالعقل" وعد التفكير منهجا الى البصيرة بقوله "لا عبادة كالتفكير"، كما رفض التقليد الاعمى ودعا الى النظر والاستبصار، بعنى لا قيمة لعلم لا يقوم على فهم وادراك. وايضا ربط العمل باكتساب المعرفة، فقال "العلم يهتف بالعمل، فان اجابه والا ارتحل". وكما ان اغلب حكمه تركز على الاستنباط واستخراج المعاني.

فالسؤال عن سقراط كان نقطة البداية في الفلسفة، والشك المنهجي وسيلة للوصول الى اليقين عن ديكارت، وحل المشكلات اساس التعلم عن جون ديوي، فان الامام علي يلتقي مع هؤلاء الفلاسفة في جعل العقل مركز المعرفة، لكنه يختلف عنهم في أن السؤال عنده ليس غاية مستقلة، بل وسيلة تقود الانسان الى التفكر والتعقل والتدبر والبصيرة لتنتهي بالحكمة والعمل الصالح، وأن المعرفة التي لا تتحول الى عمل صالح لا تحقق اهدافها، والعقل الذي لا ينتج حكمة لا يكتمل دوره.

وختاما، يقدم هذا الحديث رؤية فلسفية حديثة مفادها "عليا نموذجا للتوليد المعرفي" بمعنى أن قيمة المعرفة العلمية الرصينة هي القدرة على توليد معرفة جديدة، وهذه المعرفة هي ما تمكن من خلق اسئلة جديدة، لان كل باب يفتح وراءه ابوابا كثيرة. وعليه، أن الامم تتقدم وتزدهر عندما تجعل كل معرفة بداية لمعرفة اخرى، وان كل اجابة هي بداية لسؤال جديد، وهذا هو جوهر العقل البشري الذي اراد الامام علي ان يبنيه.   

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم