“الفلسفة لن تموت ما دام هناك إنسان يطرح الأسئلة الكبرى ولا يجد لها جوابًا نهائيًا. كل شيء في الفلسفة يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، حتى العقل نفسه.”
أنهيت قراءة مقال «أسلمة الفلسفة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانهالت على فكري التساؤلات كزخات مطر في ليلة عاصفة، حفرت أخاديدها في داخلي من حيث لا يمكن التعامي عنها أو تجاوزها.
تذكرت أيامًا كنت أمسك فيها القصيدة الأدبية بمبضع جراح؛ تحليلًا وتفكيكًا وشرحًا، لنخلص إلى أن الأدب الراقي هو الذي يشبعك بذاته، دون أن يستفزك لتبحث عما يشبعك بعيدًا عنه. أما الكتابات الفكرية والفلسفية، كهذا المقال وأخواته، فهي تضعك على أرض ملغمة، لا تعلم أيُّ لغم سينفجر ليطيح بك في متاهته. فإذا بنا نلهث خلف أسئلة بلا أجوبة، كما يقول الدكتور: «وكل سؤال مفتوح منجم متجدد للتفلسف». فهي تفتح أبوابًا ونوافذ، ونظل نجري لعلنا نمسك بخيط من خيوط الحقيقة العصية.
ما الذي أقلقني في هذا المقال، وأثار من الشجون ما أبعد النوم عن مقلتي؟!
هل لأنه وضعني على أرضٍ محرمة تهتز تحتها كل تلك السنين والأيام؟
أم لأنه حرّك أسئلة خجولة كانت متخفية، فتنفست وظهرت على السطح، وأمسكت بالزمام؟
ما الذي يجعلنا نُؤسلم كل شيء؟ كل ما نمر به أو نختبره، نضعه تحت مجهر الحلال والحرام؟ وكأننا نسبغ عليه ثوبًا دينيًا، بينما هو ينتمي إلى حقل معرفي آخر. كما يشير الدكتور:
«حين تستعير الكتابة معجم الفلسفة، وتحتفظ في أعماقها برؤية علم الكلام ومقدماته، تغدو لاهوتًا متنكرًا يتحدث بلغة الفلسفة، فيما يظل وفيًا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. عندئذ تفقد المفاهيم ومصطلحاتها قدرتها على توليد الأسئلة، وتتحول إلى أقنعة لغوية تضفي على الإجابات الموروثة مظهرًا فلسفيًا، وتحجب بنيتها الاعتقادية المغلقة.»
ما الذي يخيفنا من الجديد في تفاصيل حياتنا، فنبحث له عن حديث أو آية أو قصة، لنؤطره بالإسلام؟
تذكرت ما حدث حين بدأنا نناقش كتاب «سحر الترتيب»للكاتبة اليابانية ماري كوندو ،واعتراض بعضهم لأنه عُرض على شيخ فأعلن تحريمه. بل إنني كنت ممن يؤسلم البرمجة العصبية، ودورات إدارة الوقت، وتنمية الذات، وكأنني أصبغ عليها المشروعية والقبول حين تخرج من عباءة موروثاتنا.
هل كان وراء ذلك ثقافة ترعرعنا بين أكنافها، مفادها أن الإسلام هو الحياة، ولا بد أن يدخل في كل مفاصلها، حتى لو أُقحم إقحامًا صوريًا؟
أم أنه الخوف من المجهول، الذي قد يحرك الساكن في معتقداتنا وموروثاتنا، فتزل أقدامنا؟
أم أن هناك أنماطًا نفسية واجتماعية عميقة تنخر مجتمعاتنا، كما ينخر المرض النفسي صاحبه، وهو يظن أنه بخير، غير مدرك أثرها في سلوكياته حتى تتفاقم ويفقد السيطرة؟
قد نسمع عن حارس مبنى بسيط يتفنن في تعذيب من هم تحت سلطته، فقط ليغطي إحساسًا بالدونية عانى منه طويلًا.
والهشاشة النفسية، التي كثر الحديث عنها في عصرنا الحاضر، والتي تجعل شبابنا عرضة للسقوط أمام أي منعطف صعب، هل باتت سمة في مجتمعاتنا، فأحطنا أنفسنا بسور من الأسلمة حتى لا نفقد هويتنا، ولا نسلم زمام معتقداتنا لمهب الريح؟
كما تشير نظرية الهوية الاجتماعية، التي طورها عالما النفس هنري تاجفيل وجون تيرنر، فإن جزءًا كبيرًا من هوية الإنسان يأتي من الجماعات التي ينتمي إليها؛ كالدين، والقبيلة، والوطن، والحزب، والثقافة. فأي مخالفة لجماعته قد تشعره بالاغتراب والقلق. فهل تكون هذه الأسلمة نوعًا من الدفاع عن هوية الجماعة وأفكارها، وإن كان الأمر بعيدًا عنها، كما هو الحال مع الفلسفة؟
فيشير الدكتور: «لا يتحقق التفكير الفلسفي إلا حين يفكر الإنسان خارج الإطار الاعتقادي لدينه، مهما كان هذا الدين. المقصود أن يحرر تفكيره من سلطة معتقداته المسبقة، ويخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص، ولا يعني ذلك التخلي عن انتمائه الديني. فإذا أراد البوذي أن يفكر فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي ذلك، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وكذلك المسلم وسواه من أتباع الأديان… حيث تكمن فرادة العقل الفلسفي في سعيه المتواصل للتحرر من المرجعيات والتحيزات الواعية التي تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، وإخضاعها للنقد والمساءلة.»
أم أنه نوع من الذعر الأخلاقي، أو الهستيريا الجماعية، والخوف الدائم من المؤامرة التي تُحاك لنزع معتقداتنا، وانسلاخنا من ديننا، فنميل إلى تأطير كل العلوم الجديدة بإطار ديني، ومنه نستمد الشعور بالأمان؟
أم قد يكون نتيجة الكوارث والحروب التي مرت بها المجتمعات الإسلامية؟ فكما تبقى صدمات الطفولة مؤثرة في شخصية الفرد ومحركة له من حيث لا يشعر، هل تركت تلك الصدمات آثارًا عميقة في وعي المجتمع، وجعلته أكثر تشبثًا بهويته، وأكثر حذرًا من كل جديد؟
وكما أن الجماعات الأقلية تبحث دائمًا عما يميزها ويثبت استحقاقها تحت ضغط الشعور بالتهديد من الأغلبية، فهل أصبحنا نتعامل مع كل فكرة جديدة بوصفها تهديدًا لهويتنا، لا بوصفها فرصة للتفكير فيها؟
لا بد أن نحرر العقل ليؤدي دوره.
«لا يعود العقل باحثًا حرًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى أداة للدفاع عن معتقدات الجماعة وحماية هويتها… وتحكم على الأفكار بمعيار الحلال والحرام، والإيمان والكفر، بدلًا من فحصها بمعايير الاتساق العقلي، وقوة الحجة، والقدرة على التفسير. هكذا تفقد الفلسفة استقلالها، ويغدو السؤال مقيدًا بحدود الإجابة المسموح بها.»
نحتاج إلى فضاء رحب، ننفتح فيه على العالم من حولنا، فنحن جزء من نسيج هذا الكون، دون عقد أو مغالطات.
«فلكل حقل معرفي لغته الخاصة في التعبير عن العالم، وتعريف الإنسان لوجوده.»
***
منى الصالح








