كثيرًا ما سألني بعض الأصدقاء: لماذا تكتب؟ وما الذي يدفعك إلى المواظبة على نشر هذه المقالات والخواطر شبه اليومية؟
وأجد أن الإجابة الصادقة تبدأ باعتراف بسيط: لستُ مفكرًا، ولا أديبًا، ولا أزعم أنني كاتب محترف. أنا مجرد إنسان يعشق الكتابة، ويجد في تدوين أفكاره وتأملاته متعةً لا تضاهيها متعة. وما أكتبه ليس سوى خربشات أرجو أن تجد طريقها إلى عقول القراء وقلوبهم؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن قصوري.
ولعل نقطة التحول الحقيقية في علاقتي بالكتابة بدأت عندما تشرفت بالتعرف إلى المفكر الكبير الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي. وهو، كما أعرفه، لا يحب أن يُسبق اسمه بالألقاب، ولا ألومه في ذلك، فاسمه وحده كافٍ للدلالة عليه بما يمثله من حضور فكري وثقافي متميز في العراق والعالم العربي.
كانت تجمعنا لقاءاتٌ صباحيةٌ يومية، نتبادل فيها أطراف الحديث، لكن الحقيقة أنني كنتُ المستفيد الأكبر. فقد كنتُ أستمع إلى أفكاره التنويرية العميقة، فأشعر أنني أتلقى في كل جلسة درسًا جديدًا في الفلسفة، والثقافة، والإنسان، بل وفي الإيمان الحقيقي النابع من المعرفة واليقين. وكان أكثر ما يلفتني فيه، على سعة علمه وغزارة معرفته، تواضعه الجم، وبساطته الآسرة، وابتسامته التي لا تفارق محياه، والتي كانت تنمّ عن صفاء النفس ونبل الخلق. ومن خلاله أيقنت أن المعرفة الحقيقية تصنع إنسانًا متواضعًا، رحيمًا، محبًّا للناس، بعيدًا عن الأنانية والغرور وحب الذات.
وفاجأني الدكتور الرفاعي يومًا بإعجابه بما أكتب من خواطر متواضعة، وشجعني على الاستمرار، وطلب مني أن أبدأ بكتابة مذكراتي، لأن ما عشته من تجارب ومواقع مسؤولية يمثل، في رأيه، جزءًا من مرحلة تاريخية تستحق أن تُوثق للأجيال. ثم اقترح أن أكتب مقالًا أسبوعيًا، وتكرم بتسهيل نشره في صحيفة المثقف، فكانت تلك الخطوة بداية دخولي عالم النشر المنتظم، بعد أن لم يكن النشر جزءًا من اهتماماتي في السابق.
ومرت الأيام، وغادرت المؤسسة التي كنا نعمل فيها معًا بسبب ظروف صحية ألمّت بي، لكن علاقتنا الإنسانية والفكرية لم تنقطع، وما زال التواصل بيننا قائمًا إلى اليوم وذلك ما اعتز وأفخر به. أما أنا، فقد وجدت نفسي بعد التقاعد جليس البيت، أواجه فراغًا كبيرًا لم أكن معتادًا عليه. وحينها أصبحت الكتابة رفيقة أيامي، أكتب كل يوم تقريبًا، وأشارك ما أكتب مع الأصدقاء والمتابعين.
ولعل كثيرين يتساءلون: كيف تختار موضوعاتك؟
والجواب بسيط؛ فأنا لا أبحث عن موضوعاتي في الكتب بقدر ما أجدها في الحياة نفسها. أستمدها من مشهد عابر، أو موقف إنساني، أو مثل شعبي، أو حادثة يومية، أو ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فالواقع هو المعلم الأكبر، والحياة هي المنجم الذي لا ينضب. وربما لهذا السبب يشعر كثير من القراء بقرب هذه الكتابات منهم، لأنها وُلدت من رحم حياتهم، وتعبر عن همومهم، وتلامس ما يعيشونه كل يوم.
ومن أجمل ما تعلمته من الدكتور الرفاعي أن الكتابة هي فعل تحرر داخلي، ووسيلة للتنفيس عما يعتمل في النفس من أفكار وأسئلة ومشاعر وليست استعراضًا للمعرفة، ولا بحثًا عن الشهرة. فالكاتب، قبل أن يكتب للناس، يكتب لنفسه. والكتابة، بهذا المعنى، تشبه المخاض؛ فهي عملية ولادة مؤلمة أحيانًا، لكنها تمنح صاحبها راحة بعد اكتمالها.
ومع مرور الوقت، أصبحت الكتابة جزءًا من حياتي اليومية. ملأت ساعات الفراغ، ومنحت أيامي معنى جديدًا، وأخرجتني من دائرة العزلة التي قد يفرضها المرض أو التقاعد. والأجمل من ذلك أنها فتحت أمامي نافذة للحوار مع قراء كرام، أعتز بكل تعليق يكتبونه، سواء أكان مؤيدًا أم ناقدًا، لأن الحوار الصادق هو الذي يثري الفكرة ويطورها. ولعل أكثر ما يبعث في نفسي الرضا أن عددًا كبيرًا من متابعي هذه الكتابات هم من النخبة المثقفة؛ أساتذة جامعات، وأدباء، وباحثون، وأصدقاء يمتلكون ذائقة فكرية راقية. إن ملاحظاتهم وإضافاتهم تمنح النص حياة جديدة، وتجعل الكتابة حوارًا لا حديثًا من طرف واحد.
لهذا كلّه أكتب:
أنا لا أكتب لأنني أظن أنني أملك الحقيقة، ولا لأنني أبحث عن مجدٍ شخصي، وإنما لأن الكتابة أصبحت بالنسبة لي أسلوبًا في العيش، ووسيلةً للتأمل، ومحاولةً متواضعةً لمشاركة الآخرين ما تعلمته من الحياة، وما مررت به من تجارب، وما أؤمن بأنه قد يكون نافعًا للقارئ.
فإذا تركت كلمةٌ واحدةٌ مما أكتب أثرًا طيبًا في نفس إنسان، أو دفعت قارئًا إلى إعادة التفكير في فكرةٍ ما، أو رسمت ابتسامةً على وجهٍ متعب، أو بعثت الأمل في نفسٍ أنهكها اليأس، فقد أدّت الكتابة رسالتها، وكان ذلك خيرَ مكافأةٍ يمكن أن ينالها كاتب.
فشكرًا لأستاذنا الكبير الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وشكرًا لصحيفة المثقف وصحيفة الكاردينيا اللتين تنشران مقالاتي رغم تواضعها، وشكرًا لكل المتابعين الذين شجعوني على الاستمرار. وفوق كل ذلك، أحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليّ به من توفيق، وأسأله أن يجعل ما أكتب نافعًا للناس، والحمد لله رب العالمين.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








