عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: النفس والتأريخ!!

التأريخ بأحداثه تعبير عن السلوك البشري الفردي والجماعي، ولكي نفهم التأريخ بموضوعية، لابد للمؤرخ أن تكون عنده إحاطة بالعلوم النفسية، ليمتلك منظارا واضحا وهو يقرأ ويقيّم ما دوّن من وقائع وأحداث.

كما لا بد له أن يطلع على ما سطره الشعراء في الفترة التي يدرسها، فما دام الشعر ديوان العرب فأنه مصدر من مصادر التأريخ، ومن الواضح أن زهير بن أبي سلمى أرّخ بجلاء أحداث حرب داحس والغبراء، وهناك العديد من الشعراء الذين وثقوا أحداث أيامهم.

فمثلا عندما يُقال أن الخليفة الفلاني لديه 4000 جارية قضى وطره منهن جميعا، لا بد من فهم البشر، وهل يستطيع فرد واحد أن يفعل ذلك، وهل ما ذُكِر يتوافق مع عمره ومسؤوليته، وهل أنه يعاني من حالة مرضية ما؟

فالسائد في كتب التأريخ أنهم يُخرجون أناس السلطة من بشريتهم، ويضفون عليهم خصالا لا توجد عند البشر، وتتعارض مع الطاقة البايولوجية والنفسية للمخلوق.

علما أن معظم الخلفاء عاشوا في رعب وقلق، وأكثرهم مات مبكرا، ولا يوجد خليفة إمتد به العمر إلا بضعة في تأريخنا.

فكتابة التأريخ وتوثيقة بحاجة لتأني وتمحيص عقلاني، وقدرة على قراءة الصورة لكي تبدو واضحة، فما وردنا من تأريخ فيه ألغاز تحتاج إلى فك رموزها وإستظهار ما تشير إليه.

ومعظم الأحدث لم تُكتب في حينها، بل بعد فترات زمنية تقاس بالعقود وأكثر، ويعتمد أكثر المؤرخين على المرويات المتناقلة، والتفاعلات مع ما جرى في غير وقته وظروفه المكانية، فيكون المؤرخ معبرا عن رأيه وربما يخلط موقفه وتصوراته فيما يكتبه، فلا توجد كتابات تأريخية نزيهة، وخالية من شوائب النفوس وأمّاراتها التي فيها.

في عصرنا الثري بالمعلومات وأدوات الدراسة والبحث الرصين، علينا أن نقرأ بعيون العقل ونستحضر مهارات البصائر وطاقات الوصول إلى جوهر الحقيقة المتصلة بالحدث الوارد إلينا والذي تكرر في أجيالنا، حتى بلغ درجات اليقين.

هو التأريخُ يأتينا مُشيرا

لأحْداثٍ إذا صَنعتْ مَسيرا

يُحيّرُنا بما كتبوا وقالوا

ويجعلُ عقلَنا دوماً أسيرا

فهلْ صدقتْ كتاباتٌ تناءَتْ

مُدوّنَةٌ فهلْ كشفتْ عَسيرا

***

د. صادق السامرائي