أقلام حرة
صابر الحميدي: «أوّله رحمة…»
وكأنّ الرحمة ليست وصفًا لزمن، بل حالةً تصيب القلب حين يتذكّر أصله. في هذه الأيام، لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن القسوة، عن العجلة، عن ذلك الصوت الداخلي الذي ينسى أنّ الله أرحم بنا من أنفسنا.
العشر الأوائل هي لحظة الاصطفاء الأولى، حين يدخل الإنسان إلى نفسه كما يدخل بيتًا قديمًا، ويبدأ بفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى.
تدخل أنفاس النور، ويخرج غبار الأيام. فيها يتدرّب الجسد على الجوع، وتتدرّب الروح على الامتلاء.
يتناقص الرغيف.. ويزداد الأجر.
تقلّ الشهوة.. ويعلو الوعي.
وكأنّ الله، في مطلع هذا الشهر، لا يطلب منك الكمال، بل يطلب منك أن تعود؛ أن تعود بقلبٍ أقلّ صخبًا، وأكثر إنصاتًا.
العشر الأوائل ليست بداية الشهر فحسب، بل بداية الإنسان حين يختار أن يكون ألين؛ أن يرى قسوة العالم، ويُصرّ رغم ذلك أن يكون رحيمًا.
فإذا كانت المغفرة في الوسط، والعتق في الختام، فالرحمة في البداية هي المفتاح. ومن دخل برحمةٍ، وصل بقلبٍ مطمئنّ. رمضان لا يبدأ في السماء، بل يبدأ حين يُزهر في صدرك.
***
صابر الحميدي







