أقلام حرة
أكرم عثمان: بين الصالح والمصلح
حين يتحول الإصلاح من فضيلة إلى ثمن
أن تكون صالحاً، فهذا سمت أصحاب الأخلاق والقيم والمبادئ السمحاء؛ أولئك الذين تستقيم سريرتهم، ويصفو تعاملهم، فيمدحهم القريب والبعيد، الرئيس والمرؤوس، الفقير والغني، القوي والضعيف. يذكرهم الناس بخير، ويتغنون بما يمتلكونه من أخلاق وقيم أصيلة، ويكسونهم بأبهى الأوصاف الجميلة وأجلها لفظاً ومعنى.
فالصلاح حالة من الانسجام والسلام الداخلي والتصالح مع الذات، وهدوء النفس ولسلوك، واتزان التصرف والفعل الحسن، وهو مقصد نبيل تسعى إليه النفوس السوية، وتطمئن له المجتمعات التي تبحث عن السمو الروحي والنفسي والاجتماعي.
وقد جسد النبي محمد ﷺ هذا المعنى أصدق تجسيد قبل بعثته، حين لقبه أهل مكة " بـ الصادق الأمين"؛ وصف لم يمنح مجاملة، بل شهادة موثقة من المجتمع الذي يعيش في كنفه، وصف جامع على صدقه وأمانته.
ويكفي أن نتأمل حادثة التحكيم في وضع الحجر الأسود، حين تنازعت القبائل وكاد الخلاف أن يتحول إلى اقتتال بينهم، فقالوا: نحكم أول من يدخل علينا، فلما دخل ﷺ قالوا بلسان واحد: جاءنا الصادق الأمين.
كان ذلك إجماعاً على خصاله وصلاح رجل لم يكن بعد قد أعلن دعوته، ولم يمس بنية المجتمع أو مصالح سادته هيمنتها ومكانتها ومطامعها.
وهكذا هو ديدن الناس مع الصالحين؛ يأنسون بهم، ويطمئنون إلى وجودهم، لأن الصالح في الغالب ينشغل بإصلاح ذاته، وتهذيبها وتقويم سلوكه، وبناء أخلاقه، فتستقيم سيرته وتحمد سيرته ومسيرته، دون أن يدخل في مواجهة مباشرة مع منظومات الظلم أو شبكات الفساد أو أعراف الانحراف الذي يحدثونه.
فالصالح لا يهدد توازنات القوة، ولا يزعج أصحاب المصالح والمراكز والكراسي، ولا يربك القائمين على الجور والتعدي والتجاوز، ولذلك يحظى بالقبول والارتياح، وربما الاحتفاء.
غير أن المشهد يتغير جذرياً حين ينتقل الإنسان من دائرة الصلاح الفردي إلى ساحة الإصلاح المجتمعي.
فهنا لا يعود الأمر متعلقاً بسلوك شخصي أو أخلاق فردية تعيش بمفردها، بل بموقف، ورسالة، ورؤية وتوجه تسعى إلى صناعة التغيير وقلب الموازين، وتكشف الخلل، وتطالب بالعدالة والكرامة الإنسانية والمجتمعية، وتسمي الأشياء بأسمائها دون مواربة أو مجاملة لأحد.
المصلح لا يكتفي بأن يكون صالحاً في ذاته، بل يحمل هم غيره، ويتحمل مسؤولية مجتمعه، ويسعى إلى تقويم الاعوجاج، ورد الحقوق إلى أصحابها، وكسر دوائر الظلم والجور الذي يعشش لسنوات، ويبني وعياً جديداً ومنهجية لم يعتاد عليها سادة المجتمع وكبراءه.
ومن هنا يبدأ الثمن الحقيقي.
فالإصلاح يزعج، ويقلق، ويربك، لأنه يهدد مصالح راسخة، ويكشف زيفاً متجذراً في النفوس والكيانات، ويفضح منظومات اعتادت البقاء في الظل دون أن يقف في وجهها أحد ويطالبها بالتعديل والنماء والتطوير وإحداث إصلاح في منظومات شاخت وهرمت واصبحت تذيق أفرادها وجماعاتها الذل والهوان والعبودية، لذلك لا يستقبل المصلح بالتصفيق، بل بالتشكيك، ولا يقابل بالمدح والثناء، بل بالتهم، ولا يكافأ بالاحتضان، بل بالإقصاء والتغييب والابعاد والفناء.
وهذا بالضبط ما واجهه الرسول ﷺ بعد البعثة؛ فبعد أن كان الصادق الأمين، أصبح – في خطاب خصومه – كاذباً، وساحراً، ومجنوناً (وحاشى لله أن يكون كذلك)، لم تتغير شخصيته، ولم تتبدل أخلاقه، ولم يطرأ على صدقه نقص، لكن الذي تغير هو أنه أصبح مصلحاً، يحمل رسالة سامية وعظيمة تهدد بنية الشرك، وتفضح الطغيان والظلم، وتدعو إلى العدالة والإنصاف، وتكسر احتكار السلطة والمال والوجاهة.
لم يكن الأذى الذي لقيه ﷺ وليد ضعف أو خطأ، بل نتيجة طبيعية لطريق الإصلاح؛ مؤامرات، دسائس، تشويه، حصار، تهديد بالإبعاد، ثم بالنفي، ثم بالقتل. ومع ذلك، لم يتراجع، لأن الإصلاح ليس طريق الباحثين عن السلامة، بل درب المؤمنين بالحق والسالكين فيه. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين الصالح والمصلح: فالصالح صالح لنفسه، يعيش في دائرة أخلاقه، ويصلح ذاته، ولا يصطدم بالضرورة مع الواقع المنحرف. أما المصلح، فيحمل مشروعاً وهماً إيجابياً، ويواجه واقعاً خرباً، ويقف في وجه الظلم والجور والطغيان، ويطالب بمجتمع يسير على هدى وبصيرة، وعدل واستقامة، بدل الفوضى، وانعدام الأمن، وغياب العدالة.
ولذلك، فإن المصلح يدفع ثمناً نفسياً واجتماعياً ومهنياً، وقد يكون وجودياً، يساء فهمه، وتحرف نواياه، ويحاكم على نياته لا على أفعاله، ويطلب منه أن يصمت باسم “الحكمة”، أو يتراجع باسم “السلامة”، أو يساوم باسم “الواقعية”.، ومع ذلك، يبقى الإصلاح ضرورة ورسالة لا ترفاً، ورسالة لا خياراً ثانوياً.
فالأمم لا تتقدم بالصالحين وحدهم، بل بالمصلحين الذين امتلكوا الشجاعة ليقولوا: لا، حين كان الصمت أسهل، والحق أثقل، والثمن أغلى. إن الصلاح محمود، وغاية سامية، لكن الإصلاح مقام أعلى، لا يبلغه إلا من أدرك أن رضا الله أولى من رضا الناس، وأن الحق أغلى من المديح، وأن العدل أثمن من السلامة.
وهكذا، سيبقى الصالح محبوباً، ويبقى المصلح ممتحناً، لكن التاريخ لا يخلد إلا أولئك الذين اختاروا طريق الإصلاح، مهما كان وعراً وصعباً، ومهما كان الثمن المدفوع.
***
د. أكرم عثمان
7-2-2026






