أقلام حرة
عبد الأمير الركابي: "الذكاء الاصطناعي" والذكاء البشري اللاارضوي (ملحق)
ـ التكنولوجيا العليا العقلية او الفناء/ عودة الى مابين النهرين
هل يمكن تصور ممكنات محالة الى اشتراطات "العودة على بدء"؟ وهل يمكن الافتراض بان البدء الاول غير المتحقق والمنتكس في حينه، قد ظل ينتظر اللحظة الفاصلة العظمى حتى الساعة كي يعيد الكرة ويذهب الى اكتمال البدء المنتكس، بعدما تهيأت اسباب تحققه؟ من هنا تنفتح في ساعتها الباب امام قلب السردية المجتمعية برمتها على اعتبارها، او السائد المتعارف عليه منها، هو مفهوم الارضوية للتاريخ المجتمعي، والذي اساسه القول بان الظاهرة المجتمعية بدات بالتبلور مع (التجمع + انتاج الغذاء) وهو منظور تبسيطي وصفي قصوري، العقل فيه واقع تحت اشتراطات محدودية القدرات على الاحاطة المجتمعية، وبالذات كونها ظاهرة "ازدواج" من جهه، وانها تفاعليه تاريخيه اصطراعية لها بدء ومنتهى، به تتحقق وتكتمل كما مفترض بها، اتفاقا مع شروط كينونتها وماقد جعل وجودها حقيقة وامكان من جهة.
في المنظور الغائب عن العقل، تبدا المجتمعية غير مكتمله، وان هي انتجت الغذاء واجتمعت فانها بالاحرى تظل في حال قصور وعدم اكتمال تشكل، اذا علمنا بانها ظاهرة ـ خلاف الشائع ـ عقلية مفروض عليها المرور بطور جسدي انتقالي مؤقت، يظل راضخا للمنظور الابتدائي الارضوي الذي من نوعه، مادامت المجتمعية الاعلى العقلية لم تتحقق بعد، الا كتعبيرية متناسبه مع اشتراطات الغلبه المجتمعية الارضوية وشروطها، متخذة صيغة الحدس النبوي الالهامي وصيغته الاعلى الابراهيمه، لتبقى حاضرة من يومها بانتظار لحظة اكتمال اسباب تحققها الضرورية ماديا واعقاليا، مايتطلب العبور من الطور اليدوي من التاريخ الانتاجي الى الالي/ التكنولوجي.
وحتى حين تنبثق الاله اخيرا، فان وطاة الارضوية الجسدية تظل ثقيله الحظور ومضلله بالارتكاز الى كون العقل البشري محكوم كما ظل لزمن طويل، لوطاة اليدوية الارضوية ونوع مقارباتها العقلية، ومجمل مفاهيمها، مع قوة مفعول العادة الملازم لعلاقة الكائن البشري بالاشياء، لنصبح وقتها تحت طائلة حالة من الانتقالية الاليه بمنظور يدوي يشتمل حاكما عملية الانتقال ابان محطتين كبريين، الاولى اوربيه هي المفتتح والبداية، تكون مصنعية اقرب لليدوية، والثانيه امريكيه يضطلع بها الكيان المتشكل خارج التاريخ المجتمعي، ومن دون تفاعليته التاريخيه بما هوكيانيه " فكرة" متصادمه مع الكينونه الاصل السابقه عليها، وطامحه الى ازالتها من الوجود، وهي محطة مابعد مصنعية تكنولوجية، معولمه، نافية للكيانيه المحلوية الوطنيه القومية، مع العجز البنيوي عن ارساء نموذجية صالحة وراسخه قابله للاستمرار والتعميم النموذجي.
هنا ووقتها تاتي المحطة النهائية الاخيرة، ليخضع تاريخ الاله وتحوليتها لسردية المحطات الثلاث، الاولى والثانيه المنوه عنهما، ثم الثالثة الاصل والغاية المتطابقة مع الحقيقة الالية التكنولوجية العليا، الموصوله والمتفقه مع ضرورات اصل وابتداء مجتمعي ظلت الظاهرة المجتمعية بانتظاره منذ اول تبلوراتها، عندما عجزت وقتها بفعل نقص الاسباب الضرورية، عن ان تنتقل لاارضويا عقليا، وقتها يحضر الموضع البدئي المجتمعي حيث ارض سومر ومابين النهرين، ليصبح الانتقال الالي حينها انتقالا عقليا، بعد ان حضرت اخيرا الوسيله المادية التحولية التكنولوجيه الضرورة، لتبدا المجتمعات مغادرة طور الجسدية الارضوية المنتهي، الى حيث هي واجبه الذهاب اصلا، وموجوده لكي تصبح بعد مسار من التحولية الاصطراعية المجتمعية اليدوية الطويلة عقلية، لاارضوية.
هنا يقع الصدام التازمي المهول الشامل والرهيب، غير المسبوق، ولا القابل للتخيل بحكم الانسداد التحولي اللانطقي، مقابل توفر الاسباب الايهاميه بصيغتها العملية المرتكزه الى الرؤية والمفهوم التضليلي الاكثر مقبوليه، فمن يكون العراق الراهن، وماهي الاسباب الممكن الاستناد اليها حتى يعتمد على انه نقطه وثوب من هذا الصنف الاستثنائي الذي مايزال يتعدي قدرات العقل على الاحاطة، مقابل وهج المتحقق "وعلمويته" و" ملموسيته" التجريبيه الراسخه، وقدراته المادية الهائلة، هذا والعراق في احط ماقد عرفه على مر تاريحه الاطول بين التواريخ، خاضع لنوع من السحق الكياني والحثالية الريعيه، نوع الريعيه المخالف لكل انواع الريعيات، بما فيها الريعية التي ظلت تحكم هذا المكان مابين 1968/2003 مانحة النواة القرابيه والحزبيه المحورة الى اداة سلطوية، ممكنات من خارج "الدولة"، لاقامه دولة بلا ارتكاز للنصاب المجتمعي، محكومه لمفهوم خارج عن كينونة المكان وطبيعته التاريخيه البنيوية اللاارضوية الازدواجيه الكونية.
في حين يتحول الريع اليوم الى مضاد للكيانيه والدولة، وعامل تفتيت للسلطة، وتوزيع لها على ممثلي الفرعيات الطائفية والقومية، "نظريتها" الحاكمه لوجودها نفي الوحده الكيانيه لصالح وجود مشترك شكلي غرضة الغاء الذاتية" الوطنية" على المستويات الاساسيه، وكل هذا ياتي بعد قرابه نصف قرن من التاريخ الاحترابي، ابتداء من الحرب الاولى عام 1980 والسحق الامريكي الكوني، والاحتراب الداخلي، نمطية "العيش على حافة الفناء" مابعد البيئية التي ظلت تميز تاريخ هذا الموضع من العالم، وهي التي انتجت وظلت تنتج اللاارضوية على مر الدورات، الاولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، في بلاد التعرف فيها على الذاتيه تتعدى قدرات اهلها على الادراك، وهو مايظل حاكما تاريخ هذا المكان على مدى تاريخ المجتمعية منذ تبلورها الابتداء، والسبب كون طبيعة ونوع البنية والكينونة الناظمه للوجود هنا تتعدى المتوفر للعقل من قدرة حتى اليوم على الادراك، وهي قصورية ليست عراقية حصرا، بل شامله لاجمالي البشرية في علاقتها مع المسالة المجتمعية، الامر الذي نوهت اوربا الالية به مع القرن التاسع عشر اخيرا، من دون ان تفلح في فك الرموز الباقية مطوية في الظاهرة مدار البحث، والتي تتحول اليوم الى معضله ومصدر تحد هائل للعقل البشري.
واخيرا حلت الساعه ليصبح العراق وهو تحت طائلة مايقارب الفناء، صوت العالم والتاريخ المدخر، وموضع الانقلابيه التحولية اللاارضوية العظمى، تحت طائلة الاحتراب الناشيء بين التكنولوجيا الانتاجية الارضوية، وتدميريتها الشامله للكائن البشري، والتكنولوجيا العقلية المنطوية على الحقيقة الكبرى الوجودية، الغائبة عن العقل البشري ماتزال، والتي مع الوعي بها يصير العقل سيد الحياة، ومحورها المتحرر من وطاة ومتبقيات الحيوانيه، وكل ماقد ظل الى اليوم عالقا به منها.
وهذا ماسنحاول مقاربته في الملحق القادم.
يتبع : ملحق رقم 2 : بيان الانقلابيه التحولية العظمى.
***
عبد الأمير الركابي







