عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كتابات

على شفا همساتِهِ اللاهثة

هوّمتْ آثامُ البراءةِ

تَستبيحُ صَومَعَتي

تُرفرفُ عاليا

لتُعانق قداسةَ أنفاسي

ثم تَدُسُ بينَ حَنايا صوتي

ما يُشبهُ اللحن

صَفيحا ترَهّلتْ أوتاره

*

لم يكن سِفاحاً ذلك الضوء

إنها طقوسُ مخالب الشمس

كادت تُعاقرُ صبابَة كأسٍ

موشى بحمرةِ ذنبٍ مُعتّقٍ

يَستغيثُ ...

يُصغي لصدى سمفونيَتهِ

يعلو أمواجَ الخطيئةِ

حتى إذا بَلغَ مَطلعَ الماءِ

تَوارى يَلتَهمُ عثَراته

*

ولما تَناهى ثامنُ الطيفِ

ذلك الوهمُ البابلي

أَسدَلتُ دونَه غِشَاوَةً

ورحتُ ألهو بسحائبَ الليل

حثيثا استعيدُ ذُبالةً

توقّدتْ نارُها

***

بقلم: ماجد الغرباوي

2014-02-16

شاهقا كان المدى

يتوسّدُ ناصية َالسماءِ

غارقا في هَذيانهِ

يَتَصَفحُ  جُرحاً

تقرَّحتْ زَفَراتُهُ العاتية

*

أي ذهولٍ ينتابُ شجرةَ الغِوايةِ ..؟

.

.

سرابا ارتدى

حُلْمُ المتاهاتِ القصيةِ

راح يتلو سورةَ الماءِ

وشيئاً من آياتِ الحطامِ

يستعيدُ بقايا موبقاتٍ

وثرثرات

*

مــا جدوى ضفائر الليلِ!!

خيوط شمسٍ

تَلعَقُ تَمتَماتٍ وَلهى

وأُخرى .. تستعرُ ناراً حاميةً

*

يــــالدهشة السؤال!!

.

.

آلهةُ المعابدِ الرُخامية

تركوا البابَ موارباً

فتسمّرَ الضوءُ!!!!

يعانقُ أوهامَ الحقيقةِ ..

ونبوءة المرمى الأخير

تُمزّقُ أكفانَهُ البالية

*

في مراياهم المُقَعَّرَةِ

ذَوَتْ مصابيحُ الحانةِ

فتلعثمَ الحرفُ

يشكو انبهار خيبته

وراحَ صفيرُ العاديات

يستبيحُ مأوى القداسةِ

ويستعيدُ مزماراً

سَرَقَتهُ نارُ الوشاية

***

بقلم: ماجد الغرباوي

2014-01-10

تمرّدت ذاكرتي، فساورتني شكوك بلهاء، أناخت بأحلامي المتعبة .. ليلا عقدتُ العزمَ وتسللتُ خلسة أطوف في أرجائها .. أتصفح عوادي الأيام حتى عثرت على أشلاءٍ موشّاة بحمرةٍ، أو بقايا بقع دمويةٍ .. أشلاء تعلوها ابتسامةٌ بليدة، بينما تَمَوَّجَ ظلُها فوق أرض رخوة، تصافح مطرا غاضبا.

كأني أعرفها، او التقيتها على قارعة الحياة. لا أدري أين؟ .. حاولت جاهدا لعلي أتذكر أطراف الحكاية.. هل قابلت تلك الأشلاء حقا؟ متى وكيف؟

دنوت حذرا يستبد بي رعبٌ مزلزلٌ، كأني على مشارف كابوس باغتني وأنا في نشوة حلم جنوني. حاولت ألمس تلك الأشلاء، تناثرت رمادا بين أناملي الذابلة، ثم رَسَمَتْ سبعَ دوائر تدور حول بعضها .. شغلتني السابعة .. لماذا راحت تطوف ببطء، تأخذني نحو عوالم غريبة، ثم تقودني الى نفق مجهول، تسرح فيه بقايا ذكريات، تُومئ نحو أفق بعيد حيث مطلع الشمس، فاستدير برأسي لعلي أتذكر أين التقيتها .. أي حزن يراود عينيها؟ كيف تجمّدت فوق شفتيها الباردتين ابتسامة باهتة؟ أي خطب ألمّ بها؟ أي فقدٍ أصاب أوصالها الممزقة.

حالت ظلمة الليل دون معرفة تفاصيلها، وظلت دوائرها السبع لغزا محيرا، أقترب في حلها تارة وأخرى أتيه في دلالاتها. وكلما دَنوتُ من السابعة شعرتُ بثقل جسدي يترنح على أرصفتها، حتى نفد صبري، وخارت قواي، وتبددت طاقتي، فرحتُ أندب حظي، لعل أحدا ينتشلني .. لكن أين التقيت تلك الأشلاء؟.

فقت قليلا ، أو كدت ..

ثم تذكرت فصرخت في عمق الليل

.

.

.

إنها أشلائي !!!!!

***

بقلم: ماجد الغرباوي

2013-12-05

على سَـفَـحِ الكلمات

تَدَحرجتْ همهماتٌ

صدى

خافق يخطف الطيرَ

في أحشاء الشفقِ الوردي

*

مُستَفَزَةٌ هذياناتُ الناي

تتهاوى

حطامُ دمك  .. يروي بيادقَ اللعبةَ الفينيقية

بأيَّ مرفأ سَتُرسي موناليزا تمثالك الخشبي؟

*

تستهويك الغوايةُ

طائرا

يستدرجهُ البحرُ سرابا

*

حَفيفُ جَناحَيك

يُشاغلُ

أوتارَ الوشايةِ

*

ترجّلْ ....

ساحرةٌ دُعابَةُ الليل

تُهدهدُ همسات النسيم

*

نجمةُ الصباحِ

حلمٌ مسفوحٌ

يراودُ قهقهات المطر

*

شعاعُ عينيك

يعانق أهداب الفجر

يختزلُ المدى

*

غثيانُ الحروفِ

شظايا

قصائد بلهاء

*

لن يتفجّرَ الحجر

صمٌ، بكمٌ،

 فهم لا يعقلون ...

***

بقلم ماجد الغرباوي

10 – 10 2013

عميقا تهادت أناملُ الشمسِ

تمزّق شرنقة الغرورِ

*

سُلّـمٌ يدي

تفتدي

سنا النيازك

*

توغّلْ .. توغّلْ

فلذيذُ الطعنات

آلامُها

*

سامقا تعاقرُ آلهة الحب

مترعة جداول الصباح

بذلك الضباب الرومانسي

*

توغّلْ .. توغّلْ

فلذيذ الطعنات

آلامُها

*

في مدياتك القصية حلمٌ

شاسعان جناحاك

حلقْ .. فلن تجدَ سوى الريح موطئا

*

تشدكَ ازرارُ اللهفة

وقود حناياك دمي

*

توغّلْ .. توغّلْ

فلذيذ الطعنات

آلامُها

*

آهات تساقطت، فراحت تـُلملم جـُرحَها،

ولمّا اقتحمت فناءكم، كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا

***

ماجد الغرباوي

5 – 7 - 2013

تململت في فراشها الوفير.. راحت تتابع الأفق يعلو ويهبط مع أنفاسها.. صغت لحديث روحها الهائمة.. نداء القلب تهاوى تحت وطأة خيباتها.. مخاوف جمة زلزلت وداعتها.. تنهّدت.. أغمضت عينيها.. أخذت تعدو خلف بقايا ذكريات موجعة.. أطلت بذهول على ربوع حديقتها الغناء. لاحت لها شجرة رابضة في الجانب الآخر.. شامخة.. وارفة الظل.. فارعة الغصون.. تزهو بخضرتها.. شغلتها هالتها عن رؤية ذبول أحد أغصانها.

ميامي التي ألفت لوحتها الجميلة، أصبحت تنقل نظرها الذاوي بينها وبين الشجرة، تمنت لو تحدّثها عن بعد ولو همسا، أو تصغي لآهاتها.  شعرت بانجذاب شديد وغريب نحوها، جرّبت أن تتشاغل عنها، أو تغيب يوما أو أكثر.. أفقد الفراق صوابها.. أرسلت حفنة أشواق معتقة. أجابتها الشجرة بباقة آهات حالمة، انتشرت كفراشات ملوّنة على سطح اللوحة الهامدة في زاوية الغرفة.

 شدّ انتباهها ظلال الكلمات.. حافات صارخة. اقتربت منها.. تراقصت أمامها.. راحت تداعب أحرفها.. ذهلت.. تراجعت.. خوفا أو دهشة.. تسمّرت أمام اللوحة ثانية.. تبدلت ملامحها، ارتبكت وهمسات الروح ظلت جاثية، يتدحرج ظلها فوق جسدها المتهالك. غدت الشجرة اماً تغفو في حضنها.. صديقة تبوح لها بمكنونات قلبها.. حبيبة تبعث الأمل في حطام الأيام. وغدت لوحتها منديل حرير ترتسم فوقه أحلامها، وتتبادل من خلالها مشاعر الحب. تشتبك مع الشجرة بخصام ودود، وتعانقها كلما شعرت بحاجة الى الحنان.

ذات يوم جالت ببصرها.. حددت موقع الشجرة بدقة، تفقّدت غصونها، واحدا واحدا، هالها ذلك الغصن اللعين، راح يتدلى مودعا أنفاسه. هل ستموت الشجرة بموته؟؟ بكت.. شعرت أن جزءا منها ستفقده الى الأبد، راح الإحباط يبدد آمالها، عادت تجر أذيال الخيبة، تسمع نشيج وحدتها. ركزّت نظرها على تقاطعات لوحتها، جالت ببصرها في زواياها الأربعة، بدأت حناياها تتماوج.. منظر غريب.. بحيرة جميلة.. راحت أشعة الشمس تنعكس على حافاتها المنسدلة..  كان ماؤها ساكنا.. سوى موجات هادئة خلفتها رياح عابثة.. اقتربت من الشاطئ.. أمسكت بحجر ينوء بثقله.. ألقته في عمق البحيرة.. تلاحقت الأمواج.. شقت عباب الماء.. ارتطمت بضفاف البحيرة الشمالية. اندهشت حينما رأت كائنا هلاميا، حسبته بشرا يتوشّح سمرة خفيفة. هكذا تراءى لها للوهلة الأولى.

نظرت اليه، أومأ اليها. التمعت أساريرها. أرادت أن تحيي طلعته، لكنها أفاقت.. كبتت مشاعرها.. أغمضت عينيها، وكأنها تذكّرت عهدا قطعته على نفسها، أو قـَسَماً لا تريد أن تحنث به.

تراجعت، وقلبها ينصت لهمساته الغامضة. راحت تلاحق ظلال الشجرة، لاحت منها نظرة جديدة، رأت ذلك الغصن، وهو يودّع الحياة، تاركا فراغا كبيرا.

 شعرت برغبة جامحة لاكتشاف حقيقة ذلك القادم من بعيد. وكيف لها أن تتأكد من صدقه. شعر بقلقها رغم بعد المسافة، أشار لها.. التفتت الى الوراء، عادت ثملة، أسكرتها عذوبة الوهم، تأكد من جدوى لعبته.. عزف ألحانا أكثر جمالا، صبا لها قلبها أو كاد.. تخيلت أنفاسه الدافئة.. راحت تقتفي آثاره وهي محلّقة في عالمه.. تلاحق لهاثه المتعثر.. تستعير من الصمت لغة تتناغم مع وشائج قلقها.

أفرد جناحية، فرحت من أعماق قلبها، أوحى لها بشئ.. لم تصدقه.. تمنت لو يتحدث أكثر.. ظل مواربا في أجوبته، وراح صدى صوته يتغلغل في أعماق تنهداتها.

عادت تفكر ماذا تفعل، أنه حلم أشرق من شاطئ الشمال. هل ستساعده في تحقيق رغبته؟ أم  أكثر من ذلك تتعهده وتتبناه، وربما....

انها فرصة عظيمة.. لا تتكرر. أشاحت بوجهها مبتسمة: ليس مهماً ان اعرف من هو ما دام نبضه يتردد في شراييني.

 كلمتان راحتا تعبثان بها. إنه قرار صعب.. خطوة كبيرة.. مساران بين حياتين. أستبد بها التعب، ألقت بنفسها على سريرها، وهي تهذي.

آه ما أصعبه من قرار!.. هنا حقيقة الشجاعة.. لكن هل دائما يخضع الإنسان في قراراته لشروط الحياة، أم يكتفي بهيام قلبه ورعشات أنفاسه؟.

تسمّرت.. راحت تتقصى تلافيف روحها. هل....؟

 لا يعقل ذلك، كيف أتجرد.. أتخلى.. إنها مواثيقي..عهودي،  كيف أخلعها لمجرد ومضة أمل مجهول.

آه كم أحببتها.. همتُ بها.. لكنها صماء.. خاوية لا تروي عطشي تلك الشجرة.. مشاعري تتوق لقطرات الندى.. ساحطم أغلال الانتظار.

عادت تتهجى ما على اللوحة من كلمات.. صعقت.. وتملّكها الخوف. اللوحة غاضبة.. حروفها تزمجر.. تحذّر.. تتوعد.. ارتبكت، لكنها صممت على تحدى قلاع العذاب.

هل هو قرار نهائي...؟

يا لصعوبة الموقف، لا أفقه هذه الاسئلة.. إنني أذوي.. أتهاوى.. لا مفر من المغامرة.

عادت تنظر الى لوحتها، لا أحد يفهم ما تقول تلك الحروف الهامدة الا هي.. قرار مصيري.. الشجرة ما عادت تملأ عينيها. أرادت ان تلقي نظرة خاطفة، كي تستعيد ثقتها بتلك الفروع الشامخة، لم تر سوى ذلك الغصن اللئيم يتدلى. صكت وجهها وصرخت: إذاً سأكون له.

 لا.. لا.. لا.. لا. إني اجازف، إنه قرار خطير، كيف لي أن أضمن كل شي. القرارات الكبيرة قوامها الحكمة والتروي والبصيرة.. اما أنا فأتلخبط.. قلقت أنا.. سأكتفي بمساعدته. وليصارع الحياة بنفسه.

ما الفرق بين هاتين الكلمتين او المفهومين؟ حقا سؤال سخيف، أو جوهري.. لا ادري.

أي عذاب تبعث فينا اللغة، تتشابك حروفها ونضيع في لجج معانيها. اللغة أداة الغواية.. أداة الضلال.. محنة الإنسان مع خالقه.. مع الغيب، مع رجل الدين، مع رجل السياسية وحتى رجل المال.

اضطهدتني اللغة، كيف أختار؟ هل هو ضياع بين كلمتين؟ أم خيار بين حياتين؟ لكن لماذا أهتم به وأنا أجهل حقيقته؟ هكذا صعقتها هواجس العقل، الا انها لاذت بسذاجتها.

رددت تلك الكلمتين بشغف.. دققت في حروفهما، أحاطت علما بالمتشابه منها.. بحثت عن فوارقها.. دلالاتها.. معانيها. استنجدت بكل مصادر اللغة.. إنها مسافة شاهقة. هكذا أدركت بعد حيرة طويلة، وقلق تلاشت معه ابتسامتها المشرقة.

إذا سأنصت له ثانية وثالثة حتى أكتشف حقيقته، كي اتخذ قرارا حاسما. ظلت تترقب ظهوره، سهرت الليال.. أتعبها الأرق.. تركت نفسها تحلم.. تتمنى لحظة العناق، بعد أن ذابت شوقا على ايقاع همساته، حتى رقّ قلبها، وشرعت نوافذه.

ولما أطل ذات يوم صرخت بقوة: سـ.. سـ.. سـ...!! لاحت منه علامات الرضا والحبور.

أعدّت عدتها.. استرخت سرائره وهو يشاهد همّتها.. راح يرقص، وعيونها تزف له الفرح.. لكنها لم تنس الشجرة.. ألقت عليها نظرة الوداع.. تفقّدت أغصانها جيدا، رأت تقادم السنين وما فعلتها من شقوق بجذعها المتهالك، ركّزت جيدا. بات الغصن يتدلى، يقترب من الأرض، يلتقط أنفاسه الأخيرة، شدّت من عزيمتها، وخاضت غمار البحيرة.. فاجأها القلق.. خلعت رداء الشك ومضت.

تحركا معا.. وحلم اللقاء يتراقص فوق أهدابها. وبين فرحة وشهقة، كانت خطواتهما تقترب، تتهامس.. ولما ترنحت أقدامهما فوق الماء.. باغتتها الدهشه.. جفلت.. مشهد غريب...

التفتت الى الشجرة

ارهقتها حنايا أغصانها.

عادت لتصحبه

امتلأت قبضتها شوكا!!!

 ***

بقلم: ماجد الغرباوي

2013-06-27

الى المعدمين .. صبرا

كثمل ٍ ترنحتُ .. اقاوم ريحا عاتية .. هبت في يوم قائظ .. انعدمت معها الرؤيا الا قليلا.

كان قريبا مني .. هزني منظره .. نحيف .. طاعن .. حاسر الرأس .. يتصبب عرقا.

لا أملك سوى قنينة ماء، أُطفئُ بها حرارة جوفي الملتهب. أشرت إليها .. شكرني واعتذر .. لأنه كان صائما.

بهرني صبره .. كدت أصرخ لولا ذهوله عني، كأنه ينتظر قادما مهما، أو صديقا حميما ..كل ما استرعى اهتمامه مبنى متواضع .. قابع في إحدى زوايا الشارع .. يأمّه الناس بلهفة ..

فجأة هرول الشيخ الكبير، تاركا عمله، وهو يردد: وصل ... وصل...

استفهمت منه: مَنْ ..؟ .. مَنْ..؟

التفت إليّ وقد زاغ بصره:

انه رجل ....

ثم أردف يردد كلمات تلاشت مع لهاث انفاسه المتسارعة، غير أني التقطت من كل واحدة حرفها الأول، فوجدت نفسي أعدو خلف لغز محيّر. ماذا يعني:

رجل (د ...)، (د ...)، (د ...)، (د ...)،

تقاذفتني الشكوك .. جالت بي الأوهام .. أقتفيت أثره .. توترت حينما رأيت امرأة تحمل على كتفها الهزيل طفلا .. مريضا .. شاحبا .. قد دلفت الى ذات المكان ..

شاب يجر أذيال الخيبة طأطأ رأسه ودخل هو الآخر، غير مكترث لحيرتي وذهولي.

أضحى الشارع مقفراً، سوى لهيب شمس حارقة، ودمدمة ريح عاصف، وهمهمات تصدر من داخل المبنى.

باغتتني رعشة .. لم أفهم سببها .. كاد الخوف يسحقني لولا بقايا جرأة، ورغبة ملحّة لاكتشاف معنى دالاته الأربعة ..

قاومت ضعفي ودخلت خائفا .. وجلاَ .. أتلفت .. لم أجرؤ على اقتحام الباب الثاني ..

نفحات هواء تتسرب ثقيلة .. نتنة، مع بقايا ضوء خافت، يتلاشى كلما توغّلت في ظلمة ذلك الفناء. رحت أنظر عبر شق الباب .. صمت رهيب يخيم على المكان .. وجوه خاشعة تترقب .. تحلّقتْ حول شخص حجبت تلك الدالات ملامحه. كان الشيخ الطاعن مبهورا به، يجلس بين يديه بخشوع .. يتودد له .. يتوسله بعينين ذاويتين، أرجوك .. صدقني .. هذا كل ما لديّ ..

رحت أصغي لحديثهما لعلي اكتشف إحدى الدالات، او أفهم تناسقها.

كان (السيّد الجليل) كما رددوا اسمه، وسيماً، ذا عينين نرجسيتين، ولحية مسترسله، طافحا بالحيوية والعافية، ينظر لمن حوله بجفون مسدله ..  يتحدث بوقار وسكينة .. انشغلت شفتاه بتمتمات غامضة، أدمن عليها منذ زمن بعيد، وعينه على ولده الصبي، تردع عنه انفاس جلسائه.

أخذ (السيّد الجليل) يتلو مواعظه الملغومة بالوعيد .. صعق لسماعها الرجل الطاعن، أقسم أنه صادق .. اضطر لشراء قرصين من الخبز، فنقص من المبلغ درهم. فأكّد له (السيّد الجليل) انه جرم، متى كان ذلك من حقك؟ قلوب حرّى تنتظره، (وبطون لا طمع لها بالقرص منذ ايام).

ثم سأل الرجل الكبير، أنت ماذا تعمل؟

تصاعدت الآهات من صدره، تبعتها حسرات موجعة .. ازاول عملا بسيطا، يؤمّن لي رزقا كفافا، تارة لا يكفي لسد رمق عيالي، وما يفيض منه الا نادرا، وها آنذا أتيت بحقه اليك .. أرجو ان تقبله مني، وتغفر لي.

شاح (السيّد الجليل) بوجهه عنه، ثم نظر له بشزر، هل تعلم ماذا يعني نقصانك  درهما منه؟ .. ظل يتأفف بمكر .. يهز رأسه .. يقلّب بصره ذات اليمين وذات الشمال .. ارتعدت فرائص الشيخ، انكب على يده يقبّلها ويتوسل إليه.

مشهد عصيب .. مددت يدي إلى جيبي، لعل درهما أهمله النسيان أنتشل به كرامة الشيخ الطاعن وأحفظ ماء وجهه .. بحثت في كل زاوية ثم خرجت يدي بيضاء للناظرين.

انسحب الرجل الطاعن بعد أن لاحت علامات الرضا على محيّا (السيّد الجليل)، فاقترَبتْ منه المرأة، تحمل ولدا عليلا .. شكت له حالها .. أعرض بوجهه عنها .. ارتبكت عندما أحالها على الرزّاق العليم. وراح يُبعد ولده عنها، ويؤكد: تمنيت لو بمقدوري مساعدتك. وما بيدي سوى مال لا يحق لي التصرّف به.

كان الشاب يصغي لما يدور حوله .. ينتظر دوره في الحديث معه. وعندما همّ بالكلام، هبّ (السيّد الجليل) مع ولده تاركا خلفه عيونا حيرى، وآهات أرعبها الفقر والخوف.

ذهلتُ من هول المشهد، صارعتني ارادات شتى، أي سطوة لهذا الشخص على الناس؟ .. تبعْتُهُ، وهم يتدافعون من حوله، يتبركون بتقبيل يديه، حتى إذا خلا الشارع إلا منه، تعالى صوت الصبي وهو يتمرد على ارادة أبيه، ويصرّ على شراء لعبته، فما كان من (السيّد الجليل) إلا الرضوخ لرغبة ولده!!!!

 عدت ادارجي باحثا عن ورقة بيضاء ألقي عليها وزر حيرتي .. كتبت الدالات الأربعة كما هي:

(د ...)، (د ...)، (د ...)، (د  ...)

ثم علا صوتي متجهما: عرفت أي رجل هذا،

إنه:

رجل  (د) (د + د + د) 

بات الارهاب باسم الدين والاسلام خطرا حقيقيا يهدد أمن العالم وسلامة الامم، وصارت الحركات الاسلامية المتطرفة عبئا اثقل كاهل العاملين والمصلحين. ففي كل يوم تفيق الشعوب على جريمة نكراء، يذهب ضحيتها  النساء والرجال والاطفال. وكلما حاولت الذاكرة نسيان الماضي ايقظها انفجار هنا او جريمة هناك. وكلما ارتكز الانسان الغربي الى التسامح في التعامل معنا جرته دماء الابرياء الى التعصب والانكماش والرفض، وكلما اعتذر المسلمون عن جريمة افسدتها جريمة اكبر. ان ما تقوم به الحركات الاسلامية المتطرفة يتطلب مزيدا من التنقيب في الاسس الفكرية والعقدية التي يصدر عنها العمل الارهابي، ولا يكفي الانشغال بدراسة وتحليل الاسباب الظاهرية للحدث، فثمة سبب اعمق يدفع الفرد باتجاه التضحية بالنفس. لا نريد التقليل من اهمية الاسباب النفسية والسياسية والاقتصادية، الا انها اسباب ثانوية. اما السبب المحرك فهو سبب ايديولوجي، ديني. فعقيدتي ان الاتجاهات الاسلامية تحركها دوافع دينية ايديولوجية، او دينية – سياسية، وليست سياسية خالصة. واذا لم تصدق هذه الرؤية على التيارات الاسلامية الجديدة، فانها لا شك تصدق على التيارات السلفية والتكفيرية والحركات الاسلامية المتطرفة. نعم ربما تستغل هذه الروح من قبل قادة التنظيم او غيرهم، الا ان الحافز الحقيقي لتضحيات القواعد والافراد تبقى حوافز عقدية دينية.

وعندما ينتسب الارهابيون الى التيار الاسلامي، نكون قد وضعنا ايدينا على مصادر العقيدة الاسلامية، وهما الكتاب والسنة، اضافة الى تاريخ طويل من الحروب والمعارك التي جرت باسم الدين والاسلام، بدءا من الصحابة حتى يومنا هذا. وهنا بالذات تبدأ المشكلة، مشكلة النص الديني وقدرته الفائقة على تلبية حاجة الايديولوجيات والاتجاهات الفكرية والسياسية. النص الديني يتصف بمرونته العالية، ومراوغته، وسهولة الوقوع في شراكه. لذا فكل الاحداث الدامية التي مر بها المسلمون جرت باسم الدين، وكل الويلات التي ذاقتها شعوبنا كانت باسم الاسلام. نشبت الحروب باسم الدين، واريقت الدماء باسم الدين. شرعنة القتل، ومصادرة الحقوق، والاستحواذ على السلطة، وتكفير الآخر المخالف، بل حتى تكفير الآخر الداخلي الذي ينتمي الى ذات الاسلام، كل ذلك جرى ويجري باسم الدين. فلا حجة اقوى من الدين، ولا سلطة اكثر فاعلية كسلطة الدين، فكان الدين وما يزال ملاذا لتبرير الممارسات الارهابية، والسياسات التعسفية. من هنا كان النص الديني اكثر النصوص حاجة الى منهج علمي رصين، يلاحق مناسبات الحكم والموضوع، ويحدد دلالات النص قياسا الى نصوصه الاخرى. سيما بالنسبة الى القرآن الكريم، الذي تميّز على غيره من الكتب السماوية، بكثافة نصوصه التحريضية على القتال والحرب، او الارهاب بالمنطق الحديث. والسبب ان القرآن دخل المعركة الى جانب الرسول، فكان الموجه، والهادي، والمخطط، والامر، والناهي. وكان يتابع فصول الدعوة، ويلاحق مشاهد المعركة بين الاسلام والكفر. فضبط لنا النص تفاصيل الغزوات والمعارك التي خاضها المسلمون بمعية الوحي الالهي. وهي احداث مرتبطة بعصر الرسالة، ومن خصوصيات الرسول، كما هو واضح في كثير من الاوامر الموجه الى شخص النبي (ص). وكان الخلفاء الراشدون يعلمون ذلك، لذا اعترض الخليفة الثاني على حروب ما يسمى بحروب الردة، وساءل ابا بكر عن مبرراتها الشرعية!! بينما تنحى الامام علي جانبا. الا ان السياسية ومتطلبات الحكم كانت المبرر الاساس  لتوظيف النص وتفعيله ثانية رغم خصوصياته. والمؤسف ليست هناك محاكمة صريحة وعلنية لمرحلة الخلفاء، وليس هناك من يناقش في شرعية المعارك والحروب التي جرت باسم الدين والاسلام. بل العكس اصبحت سيرة الخلفاء حجة شرعية يستدل بها على شرعية قتال الآخر، لاي سبب كان!!.

اذن اضافة الى مشكلة النص، التي هي مشكلة ذاتية، هناك مشكلة الاتجاهات  والنفعية، التي وظفت النص لخدمة مصالحها السياسية والأيدلوجية. وربما كتاب معالم في الطريق لسيد قطب مثالا واضحا لهذا الاتجاه. فقد ألهب الكتاب مشاعر الشباب المتدين المؤمن وزجهم في اتون المعركة باسلوب ادبي اخـّاذ. فلم يختر سيد قطب من النصوص سوى ما يخدم هدف الكتاب. وهو الثورة المستمرة ضد الآخر، ايا كان اتجاهه. وفق معادلة تضع الانسان امام خيار واحد، لضمان مرضاة الله تعالى، وهو الشهادة في سبيل الله.

وبعبارة اوضح، ان الخطاب الديني اعاد تشكيل العقل الحركي على اساس هجاء الحياة وعشق الموت، كراهية الآخر وتمجيد الذات، اهمال الدنيا وتعمير الآخرة، كسب رضا الله تعالى بالتضحية والفداء لاي سبب كان. فلم يثقف الخطاب الديني قواعد الحركات الاسلامية على تبني العفو والرحمة والتسامح والمغفرة مع الآخر، وانما تثقف على كره الآخر، والتخطيط لقتله واستئصاله. ولم يتثقف الفرد على سعة رحمة الله ومغفرته، وانما تثقف على ان الله جبار السماوات والارض، لا يمكن ادراك رحمته بالايمان والعمل الصالح، وانما بالتضحية والشهادة في سبيله. فالفرد الحركي ليس مخلوقا لاعمار الارض، وادارة الحياة، وانما مخلوق للآخرة، يتمنى كل يوم ان يرزقه الله الشهادة ليتخلص من عبء المسؤولية وينال رضا الله ويحظى بالنعيم الابدي. ليست الدنيا سعادته، وانما الآخرة، وليست المرأة انسه، وانما الحور العين. وليس الانسان رفيقه وانما الملائكة المقربون. انها ثقافة لا تمت الى القيم الانسانية التي نادى بها القران بصلة. بينما تؤكد النصوص على فوز الانسان في الآخرة من خلال اعمار الارض، والاهتمام بالحياة، والنجاح في تجربة الدنيا، والنجاح في كيفية تحول مفاهيم الخير الى قيم حقيقة بين الناس، وكيف يكون الانسان المؤمن اول من يتحلى بالروح الانسانية، ويحترم قيم الانسان، لا ان يستهين بحياته وحياة الآخرين، ويستسهل قتل العزل والابرياء.

  بهذا الطريقة تشكل العقل الحركي، فحافزه الى الموت هو كسب رضا الله تعالى. فيكون عنوان الشهادة بذاته مطلبا دينيا لضمان مرضاة الله، بقطع النظر عن جدوى الموت بهذه الطريقة، وجدوى العمليات الانتحارية، وما هي تداعياتها، وكيف ينعكس الموقف على الجاليات الاسلامية المنتشر في انحاء العالم، وكيف سينظر المجتمع الدولي لنا. كل هذا ليس مهما امام الجهاد وخوض المعركة ضد الآخر المختلف دينيا. والذي يساعد كثيرا على تنشيط العمليات الانتحارية ويستقطب اعدادا كثيرة، هو وجوب طاعة اولي الامر، وعدم جواز مناقشتهم او التمرد على اوامره (يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). فالخطوة الاولى على الطريق ان يتحول الداعية الى دمية بيد قائد الخلية، ويرتهن اليه مصيره ومستقبله. وهي صفة اساسية طالما اكد عليها قادة التنظيمات الدينية المتطرفة، بل هي رأس مال هذه الحركات. شاب مؤمن بالشهادة في سبيل الله، ومطيع لامر القيادة الى حد الخضوع والتذلل. سيما هو يعتقد حقا انما يطيع الله تعالى باطاعة هؤلاء، لذا لا شك بصحة ما ينقل من ابتهاج وفرح وبكاء قبل وبعد العمليات الانتحارية، فمن لم ينتدب لعملية قتالية، يبكي ويتألم ويعتقد ان الله تعالى ساخط عليه، فلم يوفقه للشهادة، بينما يفرح ويبتهج عندما يكلف بمهمة، فانه دليل الفوز بالجنة. انها مشكلة الوعي ومشكلة تمييز الحقيقة، ومعرفة الصواب. للاسف ان المؤمن ادمن التقليد والانصياع فينفذ ما يملى عليه رجل الدين، وقادة التنظيم.

فكيف نعالج هذا النمط من التفكير، والنص الديني مستعد لتلبية كل الطلبات، حينما يتعامل معه الفرد بطريقة انتقائية تخدم مصالحه الايديولوجية؟. وهل ستنفع فتوى التحريم؟ اعتقد حتى الافتاء بحرمة هذا العمل لا ينفع، لان اصحابها مدانون بنظر الحركات الاسلامية المتطرفة، بل متقاعسون عن الجهاد يستحقون العقاب. وليس صعبا عليهم اقناع قواعدهم بذلك، بل النص الديني زاخر بالتقريع والوعيد لكل من يتخلف عن الجهاد!!. كما ان فتاوى دينية جاهزة لتبرير العمليات القتالية في أي وقت ومكان، و لا يبقى على الحركة سوى اقناع الداعية بفعلية الموضوع. فهل يا ترى ينفع اجماع مئة وثمانين عالما دينيا على حرمة هذه الاعمال في المؤتمر الاسلامي الاخير المنعقد في الاردن؟ كلا، لا ينفع لكن ربما يساهم في زيادة الوعي مستقبلا. ان هؤلاء وجدوا في العلميات الانتحارية فرصة تاريخية طالما راودتهم في احلامهم. والشهادة جاءتهم اليوم على طبق من ذهب، سيما اذا كانت ضد المصالح الغربية، الذي ساهم الخطاب الاعلامي الديني والوطني في تشويه جميع معالمه، حتى بات شرا مطلقا يجب القضاء عليه اجلا ام عاجلا.

من هنا ينبغي الاسراع في بلورة ثقافة دينية جديدة، ترسم حدود الاحكام الشرعية في القرآن، وتحدد ما هو مختص بحياة الرسول، وتبين متى وكيف يكون الحكم مطلقا في كل زمان ومكان. وهل جميع ما في القرآن فعلي. ثم يجب تكثيف الحديث عن النسخ، وهل صحيح ان آية السيف نسخت كل رحمة وعفو ومغفرة بالقرآن؟ يجب علينا اكتشاف حقيقة مسألة النسخ، يجب علينا كشف الاهداف السياسية وراء ترسيخ مفهوم نسخ آيات الكتاب. يجب التعامل مع المسلمين الاوائل باعتبارهم بشرا لهم مشاعرهم واحاسيسهم وغاياتهم واهدافهم السياسية. يجب الاطاحة بالساتر التاريخي الكبير بيننا وبين الوقائع، يجب ان نبدأ بالخلفاء الراشدين لنتبين مدى رشدهم، نكتشف اهدافهم وغاياتهم وخططهم. لقد تحول التاريخ الى حجة شرعية وهو بعد لما يكتسب شرعيته. يجب ان نفضح كل الذين وظفوا الدين والنص الديني من اجل مصالحهم السياسية والاجتماعية. بهذا الاسلوب فقط يمكن انتشال ما تبقى من قواعد الحركات الاسلامية المتطرفة. ونثقف ابناءنا على مفاهيم قرآنية تنتمي الى ثوابته وغاياته ومقاصده.

لا شك ان شرائح واسعة من الحركات الاسلامية اليوم بدأت تعي الواقع وتكتشف ملابساته، واخذت تسير بطريق آخر بعيدا عن العنف وثقافة الموت، وهو نقلة نوعية في تفكير الحركات الاسلامية، لكن تبقى وظيفة الوسط الثقافي والاعلامي مواصلة خطاب الوعي حتى يعود المتطرفون الى رشدهم ويعوا الحقيقة، ويكتشفوا اهداف قادة التنظيمات المتطرفة، وبهذا الاسلوب يمكن تحجيم العنف ثم القضاء عليه، لكن متى؟ نحتاج الى خطط فورية واخرى طويلة الامد ربما تستمر لسنين طويلة تطال الكتب والمدارس والمؤسسات والاعلام والتبليغ الديني، وتلاحق الوعي في كل مكان بغية القضاء عليه في مهده، لكن دائما باسلوب سلمي يقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل ومن داخل المنظومة الفكرية الدينية وليس من خارجها.

 ***

المقال منشور في ايلاف بتاريخ

الجمعة 8 يوليو GMT 5:00:00 2005 

..............................................

ملاحظة هامة

كتب الكاتب الامريكي (Charles Paul Freund | July 30, 2005) مقالا بعنوان: Nailed to the Mosque Door  

تحدّث فيه عن افكار الكاتب ماجد الغرباوي حول الحركات الاسلامية والارهاب، معتمدا بشكل كامل على هذا المقال، لكن للاسف الشديد تقوّل الكاتب الامريكي على الكاتب الغرباوي ما لم يقله لذا اقتضى التنبيه، من اجل الحقيقة فقط

للاطلاع على المقال باللغة الانكليزية.

http://reason.com/blog/2005/07/30/nailed-to-the-mosque-door

خرج على غير عادته .. تتبع حركة السواقي والأنهار .. بهرته الطبيعة بسحرها .. استدرجته .. حتى غاص في أعماق الحقول المجاوره، وتغلغل في أحراشها العالية.

كان الجو صحوا، والشمس ترسل أشعتها ندية.. تنعكس على صفحة أحلامه، فيحلّق مع ميامي، وتأخذه نشوة الحديث معها.

فجأة تلبّدت السماء، وأضرمت غضبها، فهطل المطر، بعد أن زمجرت وأبرقت، لتعلن عن بداية عاصفة هوجاء.

بحث عن ملاذ .. ضاقت به الأرض بما رحبت. همّ بالفرار .. خذلته إرادته. هرول ليحتمي بظل شجرة عارية .. دمدم الرعد، وراح سنا البرق يملأ الحقول والبساتين. وهو يتلفت مرعوبا، ينظر الى دواب الأرض كيف تلجأ الى جحورها. نزلت صاعقة مدوية فأحرقت كل ما حوله .. بهت مذعورا، يا إلهي ....

لم تمهله السماء طويلا، فصعقت ثانية، إلا أنها أحرقت نصف جسده الأيسر.. فظل مشدوها، فاغرا فاه، متشبثا بنصفه الثاني، لا يدري ماذا يفعل. راح يلملم جراحه، ويشد من أزره بارتباك .. ملتحّفا بخوفه وترقبه.

 ماذا يفعل..؟ .. تساءل وهو في الرمق الآخير من الحياة.

عجز عن الكلام، غير أن علامة استفهام ارتسمت على صفحة حيرته، واندهاشه.

كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أن يعيش؟

علامة استفهام أخرى، طفت .. لكن هذه المرة على مساحة واسعة من الأفق .. كاد ان يحدد نهايتها، فارتد بصره خاسئا.

عاد يتلفّت .. لم ير الا أعمدة دخان، بعد أن أتت النار على كل شي، سوى نصفه الأيمن.

انتصب بما تبقى من جسده .. نظر الى نصفه الآخر ..  وانهمرت دموعه شلالا من الأسى،.. لم يجد شيئا من معالمه، الا عينا، وشبح أطراف، وصدرا عاريا، وبضع كلمات.

نظر الى السماء .. راحت الغيوم تجر أذيالها، بعد ان أنهت مهمتها، والشمس أذنت بالمغيب، الا خصلات ذهبية، أضفت لمسة سحرية على ذكريات ميامي الجميلة. لكنها سرعان ما توارت، خلف أمله التعيس، ليبقى فريسة سهلة للظلام الزاحف بلا روية ولا رحمة.

عاد تحت هول الصدمة، ينظر لنصفه الأيسر، يتأمله، يدقق فيه. كان أول ما لفت نظره تلك الكلمات .. حاول أن يقرأها، فاستفزه صوت جسده بعد أن هبط الليل بثقله.. كان مرعوبا، لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية، وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض .. ولا يرى سوى احشائه المتدلية، فلاح له سؤال حيّره، هل نصفه الأيسر أحترق، أم اختطفه ضوء الصاعقه فصيّره رمادا؟

كانت حيرة فهمه للسؤال أصعب عليه من الاجابة .. ما الفرق في ذلك؟ .. جسده الان ملقى، بعد أن انتزعت النار كل معالمه. لكن يبدو هناك لغز يتوقف على فهمه لهذا السؤال اللعين. سؤال محيّر فعلا، أين يعثر على شفرته؟

وسرعان ما جرفه سيل الأسئلة .. أين احشاؤه .. قلبه .. رئته؟  هل ما زالت هناك، حيث يرقد نصف جثته المتفحم؟.

ثم راح يتأمل فاجعة الإنسان بعد موته، ماذا يتبقى منه؟ كيف خمد جانبه الأيسر بلا حراك، وماذا لو كان مات كله، من سيكون الشاهد على مأساته؟ .. مغرور هو الإنسان، هل كل ما تبقى من جانبي الأيسر بضع كلمات؟ آه يا لحسرتي .. ربما هي كل ما تبقى مني .. من يدري، يلفنا الغيب من كل جانب، ولا نبالي. تحاصرنا الدنيا من كل زاوية، ولا نفكر بما هو آت.

آه يا إلهي .. اراد ان يصرخ، يستغيث، يتشبث بصدى صوته، لكن حيرة الدهشة والسؤال عقدت لسانه الثاوي.

جانبه الأيسر، كان نابضا بالحياة، كان قلبه يعزف موسيقى الصباح .. يدندن كل يوم أغنية جديدة. كانت ميامي لا تأنس الا به .. بايقاعه .. بنبضه. هل ستعود ميامي الى أحلامه أم اختطفها سنا البرق الأهوج؟؟ .. سؤال آخر فاجأه بينما بدأ الليل يجهز عليه، ولم تبق سوى نقاط بعيده من الضوء، لا تبعث على التفاؤل اطلاقا.

هل يرحل ..؟ .. كيف يترك نصفه الأيسر؟

سمع صوتا خافتا ينبعث من النصف المحطّم .. حاول ان يصغي له جيدا، لكن دون جدوى. عليه الاقتراب ولو قليلا.

كيف يقترب بنصف جسد خائر القوى؟. كيف يقطع المسافه بينه وبين نصفه الثاني؟

انها بضع خطوات.

لا .. لا .. لا .. ليست بضع خطوات، إنه القدر حينما يطاردني.

ليس من حيلة .. ألقى نفسه على الأرض .. زحف تحت جنح الظلام، سمع أصواتا غريبة .. ارتعدت فرائصه .. استلقى بجانب نصفه الآخر يرتجف، نظر اليه مليا، استغرب وجود تلك الكلمات .. حاول ان يصغي ثانية .. ركّز بكل جوارحه .. لم يسمع سوى صداها المحيّر .. تارة تتقاطع وآخرى تنتظم، أو ترسم عمودا من النور.

في غمرة تأمله، وحيرته، عاد يتساءل: كيف يعيش  بنصف جسد لو قدر له أنْ يعيش؟ وكيف يواصل حياته؟ وماذا عن احلامه مع ميامي؟

أفاق على أنين ميت قريب، أو كائن لم يفهم كنهه. تخيله يزحف اليه، اجتاحته قشعريره .. حاول أنْ يتجلد .. أنْ يتمالك نفسه، لكنه فشل.

استسلم للرقاد، او كاد ..  أرعبته الاصوات ثانية.

التف بحيرته، ليس معه سوى نصف جسد متفحم .. انه جسده، وعينه اليسرى، وأربع كلمات، تتخذ أشكالا مختلفة.

ماذا يفعل؟؟

كان من الصعب ان يمسك بما تبقى من جسده، كان خائر القوى .. أصوات مخيفه. آه يا الهي .. تخيّل ان ذلك الأنين يصدر عن جثث أخرى. من يدري .. ربما هو لرجل عظيم، أو امرأة صالحة..

إنه الموت، يخاتلني، يسلبني روحي، أنظر من حولي، لعلي أتحرر من مخالبه، ولو لبرهة. يا له من حدث مرعب ذلك الموت الذي يتحكم بقدرنا.

ماذا تبقى من نصفي الأيسر، سوى بضع كلمات. ما قدرها. نصفي الأيسر ذلك الكائن الجميل، الذي أرهق حياتي ..

لم يمكث طويلا حتى رأى طيرا أسود، عرفه من حفيف جناحيه .. حالت حلكة الظلام دون معرفة  فصيلته، أخذ يحوم حولها، وينظر اليَّ بعين حمراء متوقدة، كجمرة في يوم شتائي قارص. أقترب من الجثة الهامدة، كتمثال أهمله تمادي القرون الطويلة، ثم أرتفع، فدنا... فكان قاب قوسين او أدنى .. تمتم بأصوات غير مفهومة، ارتبكت جثتي،  ثم تجهّمت وأشتد غضبها حين خطف الطير إحدى الكلمات وحلق عاليا.

رأيت عيني اليسرى، كيف أجهشت بالبكاء .. توسلت بقواي كلها،  لأقترب أكثر، وأصون ما تبقى منها. كنت أرتجف .. أصرخ .. استغيث، لا أجد لصدى دموعي سوى جثة هامدة، ولما اقتربت منها، سمعت صوتا هامسا:

أنتبه ..

هذا ..

سر نجاتك!!

***

بقلم: ماجد الغرباوي

01 / 05 / 2012

 

لها ... لكم ...

للاقلام النيرة التي اصدرت 2000 عدد


***
وقفت في ساحة العرض، اختارت نقطة الوسط تماما، نظرت الى جميع الاتجاهات، لاحت لها كوة صغيرة، قالت: اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين .. انتشت قليلا، خطت خطوة الى الامام، تصورت فرحتها وهي تستلم الجائزة، ثم تراجعت، جفلت واغمضت عينيها .. قالت: وماذا لو تقدّم عليّ فلان وفلان؟.. ماذا لو كنت الثالثة او الرابعة في قائمة الفائزين؟ ماذا سيقول عني ابناء القرية؟ .. آه .. يا الهي، لماذا تراودني الأوهام؟ لا .. لا .. عليّ ان أتريث، أعمالي أشاد بها الجميع وانا واثقة من نفسي، فلماذا ينتابني القلق؟

هكذا رددت الكلمات بارتباك .. وحيرة

ثم اردفت:

لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما اخشاه، حقا سيسحق غروري اذا تجاهلني.

***

حينما اقتربت الساعة الرابعة عصرا، تجمع ابناء القرية .. الكل ينتظر، يترقب، سمعتهم يتهامسون .. فلان هو الفائز الاول، وآخر يقول فلان، وثالث يقول: كل توقعاتكم خاطئة. ولاحت من بعضهم  نظرات مريبة، فكاد ان يغشى عليها، لكنها تماسكت حينما طل من كوته، وبيده اوراقه العتيدة، ومعه بعض رجاله وحاشيته.

نظر الى الجميع، شاهد الرجال والنساء، كل يترقّب. اتخذ مكانا مرتفعا .. ثم بدأ نائبه يتلو الاسماء الفائزة واحدا بعد الآخر، وهي تصغي بلهفة، حتى اذا همّ باعلان الاسم التالي قالت: انا، انا (س ع ا د)..

لكنه وهم .. وهم .. لست من الفائزين. فماذا انتظر ..  هذه هي الحقيقة ..

***

عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا.

آفاقت من هول الصدمة، وقالت بغضب:

سانتقم ..

سانتقم ..

سيعرف من انا. ساحطّم كبرياءه. ساجعله يندم ..

ثم راحت تقلب فنون المكر، وتفكر بحيل النساء، فصاحت بصوت مرتفع: وجدتها .. عليّ ان اكون اكثر حنكة، الامر ليس هينا، عميد القرية يتحصّن خلف رجال أشداء، أقوياء، فكيف أجد من ينافسهم ويتحداهم في مهنتهم. هذه هي الخطوة الاولى في معركتي معه. أن أعثر على رجل يجعل عميد القرية يغيّر قناعته .. لكن هل بمقدورنا ان نصنع انسانا كما نريد؟؟ ..

 لنجرب ..

استبد بها صمت عميق، استغرقت في تفكيرها وهواجسها، ثم قامت فجأة، واخذت تتحرك بأناة ورويّة، فجمعت قطعا من حديد ونحاس.. أوقدت عليها نار غضبها، وصهرتها بجمر احشائها، واضافت لها رماد حقدها الدفين، حتى لانت لها، فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها.

ولما نفخت فيه من روحها الشريرة، بدى وجهه متجهما. ابتسمت حينما نظرت اليه، وقالت: ما علينا الا ان نصّدق اوهامنا، ونجد من يدافع عنها، حينئذٍ ستكون هي الحقيقة في أعين الناس .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟

وهذا ما سأفعله، ساجعلهم يغيّرون قناعاتهم، ويعترفون بابداعاته وإن كانت مزيفة. لذا ارتدت أفخر ثيابها، ووضعت أبهى زينتها، ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين، يرتلوّن كلاما منافقا، أمرتهم ان يصطفوا واحدا تلو الاخر، ثم طلبت منهم ان ينفخوا في قناة التمثال ويصفّقون له، فصدر منه صفير، راحت تتحكم به عبر الثقوب الأربعة. فاضفت على اصواتهم موسيقى باهتة.. وكلما انتهى أحدهم من مهمته جلست تضحك، تتباهى، تعلوها ابتسامة صفراء، وهي تردد:

سترى .. سترى.

ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟

نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها، وابتسمت:

وماذا عن جوقة المطبلين؟ .. هكذا اجابت بثقة عالية.

ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله، لكن ...

 صعقها خواء حلمها.

*** 

ماجد الغرباوي

 

كان يحرصُ على الجلوس قريبا من منبر الخطيب، يصغي اليه بروحه، يتابعُ حركاته، يتطلع الى حديثه بشغفٍ، تنهمر دموعه، وهو يسمع كلماته ترن في اذنَيّه، يحلق معه في عوالم غريبة.

يعود الى بيته، يستبد به سبات روحي عميق، يطيل النظر بصمت، يتوهج في داخله سؤال ملح، أين انا من رفاق الدرب الطويل، يراجع نفسه، يؤنبها، ثم يخاطب ربه، رباه ارحمني، لا أبغي إلا رضاك، لا أُريد البقاء هنا، ولي رفاق، يخوضون الصعاب، من أجل قضايانا. من أجل قيَّمِنا ومبادِئِنا، من اجل اهلنا ووطننا.

ثم يتذكر رفاق دربه، ويتصورهم كيف يتسلقون الجبال، ينامون بين الصخور، ويتوقعون الموت في كل لحظة، لكن إرادتهم لا تلين، وعزمهم كالحديد، يستأنسون بالموت، ويتوقعونه في كل لحظة.

تذكر حديث احمد البصري، عندما كان يحدثه عن مواقف بطولية، عن عمليات قتالية محدودة، عن مواجهات دامية. كان يذكره باصدقائه سعيد وكاظم وسالم، ويحدثه طويلا عن نوري جواد، ذلك الرمز الذي هجر الأهل والأحبة كي يلتحق برفاق دربه، ويواجه الموت بنفسه.

اه يا الهي، سوف لن ابقى ساعة واحدة، سأرحل مع أقرب قافلة، سألتحق بهم، مهما كانت المهمة صعبة.

وبالفعل تحققت امنيته ذات يوم عندما التقى بأحمد البصري ثانية، سأله بلهفة:

احمد متى سفرك؟

لماذا تسأل يارعد؟ هل ترغب بالمجيء معنا؟

بالتأكيد، وهذا قرار نهائي لا رجعة فيه. هكذا اجاب رعد وفورا..

ولكن.. قال احمد

ولكن ماذا؟ سأله رعد

احمد: وماذا عن موافقة والديك؟ انا اعلم انت الولد الوحيد، ومن الصعب جدا ان يوافقوا على ذهابك.

اجاب رعد: اطمئن، هذا قرار نهائي، وافقوا ام لم يوافقوا، وقررت أن لا اخبرهم بشي، هم يعلمون أنا بحاجة الى سفرة ترفيهية، وقد حان موعدها.

اذن: موعدنا غدا صباحا، اجابه احمد.

بقي رعد يفكر تلك الليلة، تصور لقاءه الاول مع نوري جواد، ماذا سيقول له عندما يصافحه؟ هل سيشاهد انسانا مثلنا؟ ام ملاكا يمشي على الارض؟ تصوره بهالة نورانية، واخرى تصوره يمشي والملائكة تحيط به من كل جانب. وثالثا تصوره، اشعث الراس، نحيلا، وجهه مكفهر من التعب، والسهر، وقساوة الطبيعة. تصوره بِعِدَّةِ السلاح، وملابس القتال، تصوره بمختلف الاشكال.

ظل على تلك الحالة طوال العشرة ايام التي قطعوا فيها الطريق، ناموا على الارض، واجهوا مخاطرَ جمة، ارعبه الليل في تلك الوديان القاحلة، والطرق الجبلية الملتوية، كان يمشي بحذر شديد، يترقب، يخشى كل طارق، انهكه التعب، كان يبدد خوفه بذكر الله، ويمني نفسه بلقاء رفاقه، فكانت اياما طويلة، مرهقة، متعبة، لكنهم بعد نهار طويل مليء بالمفاجآت وصلوا مدينة نائية كي يستريحوا عدة ايام ثم يواصلوا طريقهم الى مواقع الرفاق.

وحين مرورهم بشوارع المدينة توقفوا امام بناية عالية، تحيطها حدائق غناء، وتنيرها مصابيح الكهرباء بكثافة، اشار احمد الى رجلٍ واقفٍ هناك، يحمل ملازم كتبه بيده، ببدلةٍ انيقةٍ، قد بدت عليه ملامح الترف، فسأله رعد من هذا؟

انه نوري جواد، يارعد

لم يصدق نفسه، راح رعد يسلم عليه بحرارةٍ، ودموعه تجري على خديه، رهبةً وفرحاً، حاول ان ينطق بأي كلمة، فلم يتمكنْ، ظل صامتاً، ويده ممسكة يد نوري جواد.

هدأ نوري جواد من روعهِ، عندما ابتسم له، وسلم عليه. ثم قال رعد له:

لقد كنت اتذكرك في كل خطوة اخطوها في ذلك الطريق الوعر، كنت لا تغيب عن بالي أبداً؟ ما ينقله الأخوان عنك من قصص كانت تؤجج شوقي لرؤيتك،

كيف استطعت الصمود كل هذهِ الفترة؟ سأله رعد ببراءة واعجاب.

فاجاب نوري جواد بهدوء:

لا يا رعد انا عادة أأتي من الطرف الاخر بواسطة سيارة، ولا اكابد اي مشقة في الطريق.

فغر رعد فاه، وسأل نوري جواد، هل يعني انك لم تلتحق برفاق دربك؟

وقبل ان يجيب نوري جواد على سؤاله

لاحت لرعد لوحة كبيرة فوق البناية كتب عليها

قسم الدراسات العليا!!!!

***

ماجد الغرباوي

الجمعة 07/01 /2011

متعباً ..

تداعبني ألسنة كلمات

تتلظى

تفترس أحلاما تطوف

في محرابِ حروف خاوية

*

أتقلب بين حنايا أمواج عاتية

مفجوعاً

أتهجّى صفحات المرارة

*

ما زلنا نمتشق الآهات

ننثرها في دروب

الحفاة

نتبادل نخب أوجاع

أيقظتها طبول فارغة

*

سدنة المحافل الباذخة

بطونهم خاوية

الا من زفرات جروح

وقليل من بقايا موبقات

*

أتحاشى نظراتكِ المتعبة

تنزلق بي الى هاوية الذكريات

الى وطن مزقته حراب

بائسة

*

تعالي نفجّر الصخر

أشرعة ماء

تحتضن آهاتنا

وتطرز الارض زنابق بيضاء

***

بقلم: ماجد الغرباوي

14 / 10 / 2011

 

عندما قرر اجتياز المكان، أعدّ بغلته جيدا، سمح لها بتناول ما تبقى من طعام .. خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان .. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد ان يلحق بالأولى، عثرت بغلته، أوشكت أن تسقطه ارضا.

عاد ثانية الى داره، أسرف في زينتها، في تنوع غذائها، غامر من جديد، كاد ان يختطفه قطار المسافات الطويلة، استفزته الحيرة.

فقد صوابه.

اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء، ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء.. توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة،

كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر.

كيف يواصل الطريق؟

ظل يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

بماذا أختلف عن تلك المرأة،

 او ذلك الرجل الطويل.

تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،

اذن لماذا اراوح في مكاني.

بدأ يراجع أفكاره، يتفحصها

اتخذ قرارا آخر

قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولما خطى مسرعا، اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش

........؟؟؟؟؟؟

!!!!!!

 ***

بقلم: ماجد الغرباوي

01/ 10 /2011

 

كان منذ نعومة اظفاره يهوى الموسيقى، يعشقها، يذوب بسحرها، تجتاحه متعة عارمة، تطرب لها روحه وجوارحه، وطالما تمنى ان يكون عازفا شهيرا. كانت الموسيقى حلمه الذي لا يفارقه، وقد حاول في صغره ان يصنع من علب السكائر آلة يعزف عليها، بعد ان يثبت فوقها بضع خيوط، واستمر يحلم حتى اذا بلغ الخامسة عشر دخل معهدا لتعلّم الموسيقى، حقق فيه نجاحا اثار اعجاب معلمه.

كان المعلم لطيفا حليما، يحب طلابه، فاحبوه، بل ان عليا كان يعشق معلمه لدماثة خلقه، وسعة حلمه. وكان يصغي له ويتودد له. ويوما بعد يوم توطدت العلاقة، وصار علي بمنزلة الولد البار لوالده.

اتسم المعلم بلباقة كبيرة، ونوايا سليمة، ولياقة بدنية عالية. كان محبا للفقراء، يتعاطف مع المحرومين، يتألم لمشاهد البؤس والحرمان. ولا يتوانى عن تقديم يد المساعدة. ومما زاد في تعلق علي به، كان يرى في معلمه غموضا يدهشه، لا يعرف حقيقته، ويتمنى لو يكتشفه يوما ما. فتارة يعتقد وراء هذه الشخصية عبقرية فذة. ومرة يتصوره شخصاً يكتنفه الغموض، لكنه سرعان ما يتراجع ويوبخ نفسه، ما هذه الشكوك الشيطانية؟ هل هناك رجل مثله في اخلاقه وسلوكه؟ وهكذا تحول المعلم الى لغز يتمنى علي ان يحله يوما ما، ويتعرف على حقيقته.

وذات يوم قرر المعلم فجأة ان يكون لاعب سيرك، معتمدا على لياقاته الجسدية، وخفة حركاته. وعندما فاتح علي بالامر استغرب من قرار معلمه، واندهش مما زاد في حيرته، فما علاقة السيرك بالموسيقى؟ غير ان المعلم وما يتمتع به من لباقة اقنع علي بالفكرة، على ان يعملا معا، يقوم الملعم بدور لاعب السيرك، وعلى يعزف الحانا موسيقية تتناسب مع حركات اللاعب، كي يشد انتباه الجمهور، ويمكن اللاعب من تمرير حركاته البهلوانية ببراعة.

ورغم عدم قناعته بالموضوع وافق علي معلمه، واستعد للعمل بعد ان تمرن طويلا، وضبط ايقاع الحركات. وكان المعلم بعد التمرن على مشاهد السيرك وحركاته، يحدّث عليا يوميا عن مستقبل عملهما، وما سيحققانه من النجاح، من اجل مشاريعهما الانسانية. وكان احدهما يحث الاخر على نكران الذات، والتضحية، ونسيان المصالح الشخصية.

حتى اذا بدأ العرض الاول حقق السيرك نجاحا كبيرا، وارباحا عالية، مما شجع المعلم على مضاعفة العمل من اجل تقديم استعراضات اخرى، اكثر جاذبية. اما علي فكان حريصا على تقديم معزوفات موسيقية متناسقة مع حركات معلمه. غير ان المعلم فاجأ علي في الاستعراض الثاني بحركات غير متفق عليها، من اجل شد الجمهور، وما أربك علي عندما كرر المعلم تلك الحركات. حتى ذاع صيته في كل أرجاء المدينة، لكنها حركات لا تليق بالمعلم، لا اقل من وجهة نظر علي، الذي طالما اشاد بمبدئية معلمه امام اصدقائه، وكان يقول دائما: اذا كان هناك شي يفتخر به معلمنا فهو مبدئيته واستقامته. اذن كيف تصدر عنه هذه الحركات؟

المعلم ظل يتفنن في حركاته اكثر، حتى عمد مرة الى ابراز عورته، واحدث ضجة كبيرة داخل السرك، وعلا التصفيق والصياح، فصعق علي، ووقعت آلته الموسيقية من يده، مما اغضب المعلم، فوبخه بعد انتهاء العرض، وعنفه، لكن علي لم يسكت له هذه المرة واخذ يجادله، ويذكره بمبادئه وقيمه التي تربى عليها.

 -فرد عليه المعلم: انت لا تفهم شيئا، انا مضطر لذلك من اجل انجاح المشهد، وكسب ود الجماهير، والاستفادة من ريع استعراضاتنا لخدمة مبادئنا الانسانية.

-لكن هذا لا يبرر لجوئنا لهذا اللون من التصرفات، هكذا رد علي.

-نظر المعلم له نظرة استخفاف، ثم اردف: للاسف انك لا تعرف شي من ابجديات العمل.

يا ولدي السيرك كالسياسية، يعتمد على الخداع، والتشويش على تفكير الناس، وسرقة اعجابهم.واستغلال مشاعرهم.

- وماذا عن القيم الانسانية، وماذا عن الاخلاق؟ هكذا سأل علي ببراءة

- اجاب المعلم ستعلمك التجارب ان هناك مصالح تعلو على المبادئ والاخلاق، فلا تكن ساذجا. وان ما نجنيه من ريع عملنا سنخدم به شريحة واسعة من البؤساء والمعدومين.

قرر علي فورا مقاطعة العمل، والانصراف الى عمل اخر، ومن دون استئذان انسحب من ساحة العرض، وراح من ساعته يبحث عن عمل يسد نفقاته الحياتية. فعمل عامل استنساخ، في احد المكاتب، براتب بسيط، بالكاد يغطي نفقاته اليومية، لكنه كان يشعر بسعادة عارمة، لان موقفه كان مبدئيا، ومنسجما مع قيّمه.

ورغم ذلك كان يتمنى ان يعتذر له معلمه ويعيده للعمل، وظلت تراوده فكرة الاعتذار وهو يستعد لها، ويختار من الكلمات ما هو مناسب لرجل عصامي. وكان يقول من الضروري ان لا اقبل اعتذاره ببساطه، وعليّ ان اقاوم اغراءاته ولو لساعة، هذا احفظ لماء الوجه. ثم يقول: لا لا ربما تضيع الفرصة اذا تشدَدّْت اكثر، علي ان ابقي الباب مفتوحا ... هذه افضل طريقه لكسب ود معلمي من جديد..

وبينما هو جالسا ذات يوم توقفت سيارة فارهة، ونزل منها شاب عرفه ابن المعلم، ذلك الشاب الفقير الحافي، واذا به يستقل ارقى انواع السيارات، فاستعد له علي، بعد ان تيقن انه جاء ليعتذر له نيابة عن ابيه. ورغم ارتباكه بدى متوازنا، قويا، صارما. ورمق الشاب الواقف امامه بنظرة استغراب، مندهشا من منظره وطريقة كلامه، فبدد ابن المعلم الصمت، وسأل علي:

-ماذا تعمل يا علي؟

-عامل استنساخ والحمد لله

-فاطلق ابن المعلم ضحكة مدوية، باستخفاف كبير، وقال:

مبروك لك عملك الجديد!!!

*** 

 بقلم: ماجد الغرباوي

 السبت 29 /01 /2011

 

إستفزتها مشاعر غريبة، شعرت بندم كبير، كادت ان تقع على الارض، تماسكت، شعرت برهبة المكان، نظرت بعينيّن شاردتيّن، ارادت ان تصرخ، كتمت صرختها، كلمت نفسها، منال ماذا تفعلين، انها الفضيحة، ماذا سيقول مازن،

الحمد لله لم أتفوه بشيء، لم أبح به، سيبقى سراً، لا لن أتكلم الآن .. عاداتنا وتقاليدنا لا تسمح بذلك، الموضوع يحتاج إلى تفكير عميق، يحتاج إلى تأمل، مناقشة جزئياته، مع أشخاص يدركون الحياة العصرية ومتطلباتها..

ضحكت في داخلها، عندما نطقت بمصطلح الحياة العصرية، وهل حقا فينا من يدرك معناها، يا إلهي بماذا يفرق عنا الآخرون، ألسنا بشراً مثلهم، إذن أين الخلل، وظلت تردد أفكاراً في داخلها جعلتها شاردة، مذهولة، شعرت بسطوة التقاليد وقسوتها، تذكرت صديقتها نادية، وماذا حل بها، لانها أحبت رجلا غريبا، وكيف تصرف أهلها معها.

كم كانت نادية نموذجا نسائياً رائعاً، آه كانت تتمتع بثقافة رفيعة، تعتقد ان من حقها ان تمارس حياتها بحرية، لم تخرج عن العادات والتقاليد، لم تتجرأ على مكانة أبيها لا سمح الله، انها أحبت زميلها في الجامعة، تمنت ان يكون شريك حياتها مستقبلاً، أخطأت حينما باحت بسرها لأختها، فكانت المأساة.

يا إلهي لو ان نادية الآن موجودة معي، لما عانيت بهذه الطريقة الموجعة، اذا كيف أخطو الخطوة الاولى.

أرادت أن تستريح قليلا، اسندت رأسها الى الجدار، أغمضت عينيّها، تذكرت معاناتها مع أهلها، وأبناء عمومتها، وكيف كانت في كل خطوة تواجه متاعب كبيرة كي يقتنع الجميع بها، وربما منال لا تعتقد ان أهلها قد إقتنعوا باي واحدة من خطواتها، وإنما يجبرون على ذلك لحبهم الشديد لمنال، هي تدرك ان ثقافتهم لا تساعد على تقبل اي مشروع، من هذا القبيل.

لكن مشروعها، الذي شغلها، يمثل امنيتها، ومستقبل حياتها، ومستعدة للتضحية من أجله. لكن هل كل شي بالتضحية، أبدا، كم من ضحى دون ان يحقق شيئا، اذن ماذا تعمل، ستبدأ بتثقيف أهلها وفق مفاهيم جديدة تسمح بمفاتحتهم؟ مستحيل، غير ممكن.

آه كم أُحلق بفضاءات غير واقعية، هل كل أصحاب الأماني مثلي غير واقعين؟ ربما، لا أدري.

كادت أن تسقط على الأرض وهي تسمع أخوها مازن يحدثها، بوقار: منال ظروفنا الإجتماعية لا تسمح لنا بعمل كل شيء، وعلينا ان ننتبه دائماً كي لا نفقد مكانتنا الإجتماعية.

لم تصبر، على كلامه، قررت أن ترد أخاها الكبير، فراحت تتلعثم باحثة عن اي كلمة تمهد لها الطريق للحديث والمناقشة، جَرَأتْ نفسها، تماسكت أكثر، قالت له، ولكن هل المقام الإجتماعي يطورنا، ويفتح لنا آفاق الحياة؟ هل نعطل مشاريعنا بحجة حيثيتنا الإجتماعية؟ ولماذا دائما ننتظر آراء الناس، وقررت مفاتحته بمشروعها وامنيتها الوحيدة، وتشجعت كثيراً، بلعت ريقها مرتين، ضمت يديّها الى صدرها، حكت شعرها، أنزلت يديّها، أزاغت ببصرها كي لاتلتقي ببصره وتفشل خطتها، تنحنحت، ثم نطقت بصعوبة:

مازن:مم

الا ان كل الأُمنيات تلاشت بنظرة من طرف عينه الغاضبة.

 ***

ماجد الغرباوي

الاثنين 03 /01 /2011

 

لها ...

 تتدلى عطاياك

عناقيد عشق ٍ

معتقٍ

يأخذني الى حيث

صوتك حينما يطربني

 *

يا انتِ

كم شهقة

حب

تؤجج نار الشوق

تحرقني

فأتوق الى رؤياك

سنبلة عطشى

تراودها الاحلام

فترتوي ظمأ

اسبح باسمك

حين طلوع الحب

فتستلقي هواجسي

تستريح على شطآن

حلمنا الموعود

في انتظار فجر

صادق

ليس فيه سوى

اميرة حب تشع

بقلبها

وتعيد لي

ايام ضيَّعَتها عواتي السنين

***

ماجد الغرباوي

 

تعقيبا على مقال: الايدولوجيا والتسامح .. الماركسية الشائعة إنموذجا

بدءا اشكر الاخ الاستاذ سلام كاظم فرج على مقاله الانف، كما اشكر جميع السيدات والسادة على مداخلاتهم وتعقيباتهم القيمة، سواء على الحوار، الذي اجرته مع الكاتب الاستاذة الفاضلة هيام الفرشيشي، او مقال الايديولوجيا والتسامح .. الماركسية الشائعة إنموذجا. وبالفعل قدمت تلك المداخلات والتعقيبات اضافة نوعية. لكن ثمة التباس سببه عدم اطلاع الجميع على الكتاب باستثناء البعض، من هنا بات ضروريا تسليط الضوء على مفهوم التسامح، وما تكتنفه من اشكاليات، كي تتضح الرؤية ويتكامل الحوار.

وقبل البدء بالبحث، الفت الانتباه الى عنوان الكتاب الذي جرى الحوار مع الاعلامية المرموقة هيام الفرشيشي حوله:

اسم الكتاب هو: (التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات)

فاطار البحث الاديان والثقافات، وقد يتعدى الى مساحات اخرى كالسياسة مثلا. وعلى هذا الاساس تبدو هواجس الشاعرة جوزيه حلو (حيث تساءلت كيف يمكن التسامح مع المعتدي مثل اسرائيل؟) غير مبررة لانها خارج موضوع البحث من جهة، كما ان التسامح لا يعني التنازل. والمثل الذي ضربته يدخل في باب الحق والتنازل عنه، وليس في باب العفو والصفح. فاللبس سببه المفهوم.

الانا والاخر

الاشكالية الاساس، التي تسببت بكل هذا العناء والصراع الديني والمذهبي عبر الاجيال، هو تصور الفرد عن ذاته والاخر. فالذات دائما تحتكر الحقيقه وتحتكر طرق الوصول اليها، وتحرم الاخر منها، بما فيهم الاخر الداخلي في اغلب الاحيان. من هنا يقع الاحتكاك والصراع، ويستحكم منطق الاقصاء. (انا على حق مطلق وانت على باطل مطلق)، وعندما يراد تهدئة الوضع يصار الى التسامح بمعناه اللغوي، الذي يستبطن المنة والتكرم والتفضل. فتعمل الاجهزة الاعلامية والحكومية والشعبية على اشاعة مفهوم التسامح ومطالبة الناس بالعفو والرحمة والمغفرة من اجل التهدئة وانهاء الاقتتال.

وهذا النوع من التسامح (اللغوي) لا يزحزح الاشكالية، وتبقى الذات متعالية، متفوقه، تنظر للاخر بريبة وشك، الا انها تمن عليه وتتسامح معه، دون الاعتراف بامكانية وصوله للحقيه وحقه في امتلاكها. لهذا ينهار التسامح عند اول احتكاك مع الاخر كما حصل في العراق وغيره من البلدان. ورغم جهود مؤتمرات الوحده الاسلامية التي تعقد في اكثر من بلد سنويا، غير انها لم تحقق لنا الوحده الحقيقه ولا جزءا منها. وانما مهرجانات وتجمعات ورفع شعارات براقة، اما حقيقة الامر فكل طرف لا يؤمن بالاخر، ولا يعترف به حقيقة، ويسود العلاقات منطق التكفير والاقصاء.

الكتاب (كتاب التسامح للكاتب) محاولة جادة لايجاد فرص للتعايش السلمي بين الثقافات والديانات، وفق مفهوم جديد للتسامح بعيدا عن المعنى اللغوي. وتقديم فهم اخر للحقيقة وطرق الوصول اليها. من اجل انتزاع اعتراف حقيقي به، والاعتراف بامكانية وصوله لها. وسلب التسامح صفة المنة والتكرم (كما هو مفهوم التسامح في قاموسنا الشرق اوسطي).

ورغم ان الكتاب لم يشكك في وحدة الحقيقه الا انه انحاز الى تعدد الطرق اليها. فليس هناك احتكار كامل لها، ولا حرمان لاحد، حتى وان تفاوتت النسب بينهما (الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق). وبهذا فقط يمكننا ارساء اسس السلم والتعايش السلمي بين الثقافات والديانات. لان اساس المشكلة ان كل اصحاب الديانات (مثلا) يعتقد انه على حق مطلقا، والاخر باطل مطلقا. وحينما يتسامح مع الاخر، يتسامح معه منة وتفضلا وتكرما (وهنا مكمن الخطر). بينما المطلوب ان يعي كل فرد علاقته بالحقيقه وكيفية الوصول اليها. والخطوة الاولى على الطريق هي اعادة النظر بالموروث الثقافي والديني، وقراته وفقا لمتطلبات الزمانية والمكانية، وفهم ظروف النص والمناسبة التي قيل فيها. كي نحد من الرفد المتواصل للانا وتعزيز مكانتها مقابل الاخر.

اذن فالكتاب ينفي احتكار الحقيقه من قبل طرف دون اخر، لعدم وجود فهم مطلق لها، وانما هي تفسيرات، تؤثر بها الظروف الزمانية والمكانية، والحالات النفسية، وقبليات المفسر. ومادامت هي وجهات نظر فلا يمكن الجزم بها، واعتبارها حقيقة مطلقة. وعندما ينتفي الاطلاق تتحول الى قضية نسبية، وما دامت نسبية فهي تختلف من شخص الى اخر. وهكذا فكل شخص يفهم من الحقيقه ما تبدو له من خلال قبلياته، وثقافته، وبيئته. ولا يبقى تفوق مطلق لاحد على غيره، ويسود منطق (رايي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب). فدائما هناك فسحه لاعادة النظر والمراجعة.

وبعباره اخرى، انا ولاخر نعي بعضا من الحقيقه، ومن هنا وجب علي الاعتراف به، لا منة، ولكن باعتباره يماثلني في الفهم، وان كان بنسبة متفاوتة... وهذا يختلف تماما عن المنة والتكرم. اي لا توجد اي منة لي عليه، فهو له طرقه للحقيقه ولي طرقي، وكلانا قد يصيب وقد يخطأ. وبهذا الفهم ينتفي منطق التعالى على الاخر، وينتفي منطق الاقصاء والتكفير. ويعيش الناس بامن وسلام رغم الاختلاف الديني والثقافي.

ان وعي التسامح بهذا الشكل مرفوض لدى الراديكاليين والايدولوجيين وكل المتطرفين، (سيما الدينيين) لان ركيزة الايديولوجيا (بمعناها السلبي) هو الشعور بالتفوق والفوقيه، واحتكار الحقيقه، لهذا لا تستخدم الايديولوجيا العقل بقدر استخدامها لمنطق الشعارات والعاطفة، ولا تسمح بمناقشة عقيدتها وافكارها الاساسية، وتبرر سلوكها مهما كان دمويا، لانه مشروع يستهدف هداية الناس (حسب فهمها)، وتخليصهم من الجحيم. على العكس من التسامح بالمعنى الاصطلاحي، فلا توجد لديه نهائيات، وكل شيء قابل للنفاش، والمراجعة، والتراجع عن اي فكرة مهما كانت خطورتها ما دامت معززة بمنطق العقل والعقلانية. فالايدلوجيا والتسامح خطان متوازيان.

واخيرا نحن بحاجة ماسة الى ثقافة جديدة، ووعي جديد، نؤسس في ضوئهما مجتمعا انسانيا، بعيدا عن منطق الاقصاء والتكفير، ويعيش الناس فيه على اسس انسانية، وهذا لا يعني الغاء الخصوصية، وانما التعالي على سلطتها، والاحتكام الى العقل والمنطق العقلاني.

ولكي لا يصار الى تأويلات بعيده، دعونا نفرق بين العقائدية والايدولوجية، رغم التماثل، او الاتحاد على بعض الاراء.. والفرق بينهما، امكانية التراجع وقبول النقد، رغم تشابه مرجعياتهم من حيث اليقين والجزم. فالشخص العقائدي، له نفس صفات الايديولوجي اندفاعا وسلوكا وايمانا، غير ان ايمانه قابل للمراجعة والنقد، والاحتكام الى العقل. وبالتالي يكون بناؤه العقائدي بناء عقليا قائما على الدليل والبرهان، وليس الايدولوجي كذلك، لانه يرتكز الى منطق العاطفة وتأجيج المشاعر، والتعصب للافكار. ويعتمد اسلوب الكبح والاقصاء مع الاخر المختلف.

وتفصيلات الموضوع يتولاه كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات، وايضا كتاب: تحديات العنف، وكلاهما للكاتب نفسه.

 ***

ماجد الغرباوي

 

ثمة اكثر من سبب وراء كثافة الكتابة الايروسية، في عصر ما بعد الانترنيت. واكثر من وجة نظر لتفسير هذه الظاهرة. فهناك من يرى في النص الايروسي ثورة على الواقع، وتقويضا للتابوهات الظالمة ضد المرأة. 

وآخر يرى فيها نزقا وابتذالا وتمردا على قيم المجتمع والدين. بينما يعتبر ثالث هذا النص الرائد في فضح المستور، والمخفي، عالم ما وراء القيم والاخلاق المفروض بالقوة على المجتمع. واليه يعود الفضل في تسليط الضوء على مساحة واسعة من شرائح اجتماعية يفترض انها تتصف باعلى مقومات الفضيلة والاخلاق. غير ان النصوص كشفت عكس ذلك، بعد ان فضحت فنون الممارسات الجنسية التي ترتكب بالخفاء، وعلى نطاق واسع. ومن ينظر البعد الفني، يتجاهل موضوع النص لينشغل في تقيم الاداء الادبي، وقدرته على الابداع، واستقطاب المتلقي. فيحاكم النص بآليات نقدية بعيدا عن الاخلاق والقيم.

ثم ان الكتابة الايروسية ابتلت بازواجية لا مثيل لها، ففي الوقت الذي يتمادى فيه الرجل في وصف الجسد، يتحول الوصف على لسان المراة عملا مبتذلا وتحديا سافرا للاخلاق والقيم ... للذكر الحق في توظيف الجسد في النص، على لسانه او على لسان المرأة، والكاتبة يجب معاقبتها حينما تفتخر بانوثتها، او تلجأ لثيمة الجسد في نصها. فليس هناك احكام مستقلة حيادية في نفسها، وانما هناك تسلط ذكوري يفرض نفسه من خلال القيم والاخلاق.

هذا التقاطع في تحديد الاسباب جعلها موضوعا شائكا، ملتبسا، مما اضطر بعض الباحثين التفرغ لدراسة الاثار والنتائج والتداعيات المترتبه عليها، في بعدها الاجتماعي، الاقتصادي، والاخلاقي. فكانت النتائج مذهلة حينما نعرف ان هذا النوع من الكتابة سجل اعلى المبيعات في العالم. وان نسبة القارئ الشاب اكثر من غيره، ونسبة الاناث اكبر من الذكور. وتجلياتها الاخر في المرئ والمسموع (الفلم، الفديو كليب، النت) كان الاعلى نسبة من المشاهدين. وسر هذا الاقبال الكبير هو الاثارة العالية، للغرائز الجنسية. وهذا ليس بالضرورة تفسخا وانحطاطا ورذيلة، وانما طبيعة البشر، تنجذب للاثارة، وترغب بها بشكل مذهل، من هنا كانت الاخلاق والدين وازعا لتهذيبها  والتحكم بها. حتى صنفتها التقاليد والاعراف ضمن الافعال الرذيلة والمستقبحه علنا كاجراء لتحجيمها. وحاصرت طقوسها داخل اسيجة غرف النوم والصالات الخاصة. كما ربطت بين تفشي الجنس وانحطاط المجتمع، في اجراءات احترزاية من اجل صيانة الفرد وحمايته.

وفي الوقت الذي تجد الكتابة الايروسية من يؤدها باقصى مدياتها، نجد هناك من يقلق على مستقبل المجتمع ويؤرقه مستقبل المرأة ذاتها. واذا كان الطرف الاول يتشبث بالحرية الفردية، فالثاني يلوذ بها من جانب اخر. جانب التاثر بتداعياتها العنيفة. فالكتابة الايروسية الحديثة جعلت من اللذة مبدأ وقيمة مستقلة، لتقيم كل شيء، واتخذتها ذريعة للتمرد على كل ما يعيق ظهورها. كما وظف النفعيون هذا اللون من الكتابات لجني الارباح الفاحشة، مستغلين نهم الانسان للجنس والجسد. وكلما كان الجنس مبتذلا كلما تفنن هؤلاء باستخدام وسائل اكثر اثارة وشدا.

واذا كانت بعض الكتابات الايروسية تهدف الى انسنة المرأة، وتعزيز مكانتها، راحت كتابات اخرى تختزل المراة وتحط من قيمتها، من اجل لذة الجسد وشهوته. بل هناك من تقايض كرامتها مقابل الاستمتاع بلقطة جنسية ممتعة، متناسية مكانتها الانسانية. والاخطر حينما يتمادى النص في (تشيئة المرأة) حد الاستلاب، والشعور بالدونية، مما يقوض كل الجهود المبذولة من اجل استعادة كرامتها.

ان المسارات الجديدة للكتابة الايروسية هي التي فرضتها بقوة على بساط البحث، فتناولها النقاد والباحثون باسهاب وما زالت بحاجه الى مزيد. ومن نفس هذا المنطلق قررنا في صحيفة المثقف فتح ملف: ظاهرة الكتابة الايروسية عند المرأة. من اجل تسليط الاضواء على ما تبقى من نقاط معتمه في البحث. وبلورة اراء جديدة حولها. وبالفعل اتصفت البحوث والدراسات التي شاركت في الملف بالعمق والموضوعية، ووضوح الفكرة، وقوة الرأي.

لا يسعني وانا اطالع منجز السيدات والسادة، ممن بذلوا كثيرا من جهدهم ووقتهم من اجل دراسة هذه الظاهرة، الا ان اقف اجلالا وحتراما لهم، ففي كل مرة تثبت كاتباتنا وكتابنا كفاءة علمية، ورؤية موضوعية. فلهم جزيل اشكر والاحترام والتقدير

ونأمل ان نوفق لطباعة هذه البحوث القيمة في كتاب مستقبل يصدر عن مؤسسة المثقف العربي كي تعم الفائدة. وسيبقى الملف مفتوحا لاستقابل ماتبقى من دراسات.

ومن الله نستمد العون والسداد

 ***

ماجد الغرباوي - رئيس التحرير

16 / 2/ 2010

الصفحة 2 من 2