عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بأقلامهم (حول منجزه)

د. شهرزاد حمدي تُحاوِر الأستاذ ماجد الغرباوي (5)

الحلقة الخامسة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

***

المحور الثالث: أزمة العقل الديني

بين التَشْخِيصّ النقدي والبِناء الحُلولِي

حينمَا أدرك المُشتغلون بالفكر والفلسفة والتنوير خَطَرَ الانسداد الذي وَقَعَ فيه التفكير العربي الإسلامي بشأن الدين، وتَحَوُّل العقل الديني إلى مُستبِد وقَامع، تحرّكت العُقول للتفكّر في أسباب ومكامن الأزمة وطَبيعتها بروح نقدية تشخيصيّة لمظاهر الاضطراب مع اقتراح بدائل حُلولية من شأنها إعادة تصحيح المَسَار والدفع بالعقل العربي الإسلامي نحو الإبداع والإنتاج، وتحرير وعيه وخلق فهم صَحيح وعَميق للدين يَتَنَاسَبَ مع  رسالتِهِ الحَقَّة والتفاعُل الحيوي لهذا العقل مع موروثاتِه بالاستفادة من كُشوفات العصر في ضوء العقل والدين والعِلم. 

 

 

س14- شهرزاد حمدي: هل حَقًّا أزمتنا هي أزمة مُرتبِطة بالشأن الديني؟ لدينَا قُرآنٌ كريمٌ وعَظيمٌ وسيرة نبوية حَكيمة، ما الذي ينقُصنا؟

ج14: ماجد الغرباوي: الذي ينقصنا وعي ديني يَقِظْ يُميّز بين الإلهي والبشري.. بين السماوي والأرضي، لتفادي استغلال الإنسان، عندما يلتبس المُقدس بالمُدنس، ويختلط الدين بالفهم الديني... إذ بات فهم نُصوص المُدَوَّنَة الأولى / القرآن، مُرتهن لتفسير المُدَوَّنَة الثانية / السُنّة النبوية، والثالثة / الصحابة والتابعين، ورُبمَا الرابعة / أقوال الفقهاء، حتى بات قول الصحابي والتابعي وربما الفقيه يُضاهي آيات الكتاب في قَدَاسَتِه. وبشكلٍ تدريجي سَادَ منطق الوصاية كثيرًا في فهم وتفسير الكتاب، حداً حَرّموا مُقاربة آيات الكتاب بمعزل عن السُنّة. واعتبروا الفهم المُعارض للقِراءة الرسمية لآياته انحرافًا وتَمَرّدًا على الدين. وفِعلاً، تحوّلت اجتهادات الفُقهاء، وتفسيرات المُفسّرين، وروايات المُحدّثين إلى مرجعيات نِهائية، تكتسب سُلطة معرفية تعلو أحيانًا على النصّ نفسه.

إنَّنَا نُعاني من هيمنة عقل تُراثي يرفُض مُغادرة القُرون الهجرية الأربعة، يحتكر الحقيقية ويحتكر القِراءة الرسمية للدين. عقل لا يفهم معنى القَدَاسَة سوى الجُمود على حرفية النُّصوص، وتقديس التُراث والسلف الصالح. عقل يرفُض إعادة النَظَر بفعلية بعض الأحكام الشرعية لعدم فعلية موضوعاتها، بِفِعل المُتغيّرات الزمانية والمكانية. إنه كان وما يزال وراء فتوى العُنف والإرهاب، التي شوّهت صورة الدين، وأباحت دماء بريئة وأهلكت الحرث والنسل.

نُعاني من مَأْسَسَةْ الدين، واتخاذه أداة لأغراض إيديولوجية. إنّ كل ما ينسب إلى الدين من أزمات هي في الحقيقة ناتجة عن  أنظمة سياسية تُوظّف الدين لمصالحها، وتستغل التديّن الطُقوسي الذي يُكرّس الأهداف الطائفية والسياسية. نُعاني من تشوّهات أخلاقية بِفِعل الفهم الديني المُبتسر.

نُعاني عدم فهم الواقع ومُتطلّبات العصر، وتجاهُل مُعطيات العُلوم الحديثة وأثرها الكبير في فهم النصّ والواقع، وانعكاس ذلك على تشريع الأحكام.

نحنُ بحاجة إلى جُرأة السُؤال، وتحطيم الأوثان، ومُسَاءَلَة التُراث، والتحرش بالموروث، واستنطاق الحقيقة. لقد بات مُستقبل نهضتنا يتوقّف على تحطيم قُدسية التُراث الذي أسَّسَ قيم الاستبداد والعُبودية والتخلّف والرضوخ للنصّ. وعَمَّقَ فينَا روح الكراهية والحقد، وجعلنا أكثر التصاقًا بالخُرافة والطُقوس ومُختلف الأوهام العقدية، وعِشْنَا في ظِلِّهِ حياة البُؤس والحرمان الحضاري. فليست هُناك أزمة مُرتبطة بالشأن الديني كنُصوص مُقدَّسَة، ويكفي ما ورد في المُدَوَّنَة الأولى بِمَعِيَة الصحيح من السيرة. بيد أن المصالح السياسية والطائفية عمدت لاستغلال الدين، وادعت امتلاك الحقيقة المُطلقة، واحتكار طريق النجاة. وقد سَادَ هذا المنطق بعد وفاة النبي، لحظة انقطاع الوحي وانقلاب الإسلام من دين إيماني سماوي إلى ديني سياسي، وسيادة خطاب يُكَرّس الطاعة والتبعية بعناوين ديني وأخرى قبلية.

نحنُ بحاجة ماسة إلى تحرير العقل من أسيجته الدوغمائية، ليستعيد أفُق العقلانية في تفكيره واعتقاده وسلوكه، والكَفّ عن الانقياد الأعمى واستغلال المُؤسسات الدينية ورجال الدين. والكَفّ أيضًا عن اضطهاد الآخر تحت أيّ مُبَرِّر ديني أو غير ديني. ما يُقْلِقُنِي دائِماً استغلال الإنسان، بِفِعل خطابات إيديولوجية.

نتطلّع إلى تحرير المرأة من سطوة المُجتمع، واستعادة وعيها بذاتها وبالآخر، وعدم الشُعور بالدونية، ذلك الخطاب الذكوري الذي كَرَّسَ اضطهادها وسلبها حُقوقها.

 

س15- د. شهرزاد حمدي: فيمَ تتمثّل أبرز مظاهر العقل الديني التُراثي المُستبِد؟ وكيف يتحالف الديني والسّياسي في تجميد حركات الوعي والتحرّر؟

ج15: ماجد الغرباوي: العقل الديني التُراثي، عقل دوغمائي، مُستبد، مُغلق، يحتكر الحقيقة وطريق النجاة. يرفُض الآخر، ويُحَرِّض على نبذه وإقصائه إلا ما ندر. أمَّا أبرز مظاهر العقل الديني التُراثي المُستبِد:

- الاستبداد: الذي يُعد التحدّي الأكبر أمام كلّ حركة تروم النُهوض والتطوّر الحضاري. ويعني الاستبداد التفرد في القرار، وممارسة السلطة بشكل مطلق دون قيود قانونية أو مؤسساتية مع قمع المعارضة واقصاء الشعب عن ممارسة دوره. والمستبد مصطلح (Despot) مشتق عن الكلمة اليونانية ديسبوتيس (despotes)، وتعني رب الأسرة، أو رب المنزل، أو السيد على عبيده. ثم خرجت الكلمة إلى عالم السياسة لكي تطلق على أحد انماط الحكم، بعد أن طور المصطلح أكثر من مرة على يدي رجال الفكر السياسي، كان آخرهم مونتسيكو (1689م-1755م)[1]. "والسلطة المستبدة هي تلك السطلة التي تمارس حكم الناس دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون. ومن هنا ففي وسع هذه السلطة أن تتخذ ما تشاء من اجراءات أو مواجهة الافراد لمصادرة حرياتهم أو ممتلكاتهم"[2].

والاستبداد الديني توأم الاستبداد السياسي، بل أخطر منه كما قال الكواكبي والنائيني، لأنه باسم الدين والإله، فيقمع الرأي الآخر، الذي هو أساس تطور المجتمع، ويفرض على الشعب لونا واحدا من التفكير. وطالما شرعن رجل الدين ممارسات رجل السلطة، مهما كانت تعسفية، فيـُظلل وعي الناس، ويتستر على الحقائق عمدا أو جهلا. وهنا مكمن الخطر. لذا يعد الاستبداد الديني علامة فارقة في التخلف الحضاري. وقد انتبه الغرب لذلك فنجح في وضع حد لدوره في المجتمع، وتخلص من سلطته القاهرة. وعلينا كمقدمة من أجل نهوض حضاري حقيقي، علينا تحديد دور رجل الدين، وتحديد سلطته التي تعيق تطور الفرد والمجتمع.

- احتكار الحقيقة: يَتَعَامل "العقل الديني التُراثي المُستبِد" مع فهمه للدين بوصفه حقيقة مُطلقة، لا بوصفه تأويلاً بشريًا. يرفُض الاعتراف بالآخر، ويَسْعَى إلى تهميشه، ومن ثَمَّ رفضه. وتارة يذهب إلى تسفيه آرائه، لتسقيطه عِلميًا ورُبمَا اجتماعيًا أيضًا.

- تقديس التراث: يَتَّصِفْ العقل التُراثي المُستبد بجُموده على حرفية النصّ، واعتماد التُراث مَرجعية نِهائية، لشرعنة سلوكه ومواقفه، لا يجوز نقده أو مُراجعته. لا فرق لديه بين النصّ وفهم النصّ. فتسري قَدَاسَة النصّ إلى فهم النصّ، عَلِم بذلك أم لم يَعْلَم، بهذا الشكل ساهم بتقديس التُراث الذي هو فهم بشري للنصّ، وتَحَوّل التُراث من خبرة تاريخية إلى سُلطة فوق تاريخية تعيق الفعل الحضاري.

 - تعطيل العقل النقدي: واستبداله بعقل أداتي، يُرَوَّضُ على طاعة المُستبد، والانقياد لأوامره، وعدم التَمَرُّد على سُلطته.

أمَّا كيف يتحالَف الديني مع السياسي؟، فهو تحالُف مصالح. السُلطة السياسية تحتاج إلى غطاء رمزي لِشَرْعَنَة وجودها، فَيُلَبّي الخطاب الديني ذلك عبر تبرير الطاعة، تحريم الخُروج عن السُلطة، تصوير الحاكم كظلّ إلهي أو ضرورة دينية. في المُقابل يقوم المُستبد بحِماية المؤسسة الدينية، ومنحها امتيازات خاصّة ... فمُعادلة التحالُف بين الاستبدادين الديني والسياسي، يقوم على تبادُل المَصَالح، الاستفادة من السُلطة الدينية والرأسمال الديني الرمزي لتعزيز سُلطة المُستبد، في مُقابل دعم سلطة الفقيه.  يُعيّن السلطان الفقيه، ويمنحُ الفقيه السلطان الشرعية. وفي ظِلّ السُلطان يُمَارس الفقيه أعماله مُفتيًا دينيًا لِتِلك المنطقة، وفي ظِلّ الفقيه يُمَارس السلطان ما يشاء من الأفعال والمُمَارسات.

 

س16- د. شهرزاد حمدي: هل طُموح التفاعل الحيوي للعقل العربي الإسلامي مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، تُحقِّقُه فلسفة الدين أم عِلم الكلام؟ وهل نحنُ في حاجة إلى تَجديد عِلم الكلام أم إلى جَديده؟

ج16: ماجد الغرباوي: اتَّسَمَ الدين بقُدرته على إضفاء معنى لوجود الإنسان، يدفع باتجاه بناء الفرد والحضارة، شَريطة فهم الدين في ضوء مركزية الإنسان وأولوياته. دين مَرن، مُنفتح على الآخر، يُكرّس المبادئ والقيم الإنسانية التي تنهض به حضاريًا. لا ريب أن الدين يُؤدي أدوارًا مُتَعَدِّدَة في حياة الإنسان، تتراوح بين المعنى والأخلاق والهُويّة والدعم النفسي والمُسَاهَمَة الحضارية. ورُغم التحوّلات الحديثة، فإن الدين لا يزال عنصرًا أساسًا في تشكيل الوعي الإنساني، بل رُبمَا أصبح أكثر حُضورًا في زمن تتسارع فيه التغيّرات وتزداد فيه الحاجة إلى المعنى. إنّ فهم الدين كقُوّة حضارية وروحية وأخلاقية يفتح آفاقًا جَديدة لإعادة بناء المُجتمعات على أسُسّ مُتوازنة تجمع بين الإيمان والعقل، وبين الثابت والمُتغيّر. لقد كان الدين وما يزال إطارًا مَرجعيًا للهُويّة، ومصدرًا للقيم التي تُنَظّم العلاقات الاجتماعية والسياسية، مِمَّا جعله عُنصرًا أساسًا في تطوّر الحضارات. إذ ساهمت الأديان الكبرى في تشكيل القوانين والأخلاق والفنون والعُلوم في كثيرٍ من الحضارات.

كان ينبغي للعقل العربي أن يفهم الدين فَهْمًا إنسانيًا حضاريًا، لكن للأسف لم يكن العقل العربي الإسلامي طموحًا في تفاعله مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، قام بتهميشه، سِوى تديّن طُقوسي، مَهَّدَ لهيمنة استبداد ديني – سياسي، فرض وصاياه على فهم وتفسير الدين.

نعود للسُؤال:(هل طُموح التفاعل الحيوي للعقل العربي الإسلامي مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، تُحقِّقُه فلسفة الدين أم عِلم الكلام؟).

الجواب يتوقّف على معرفة أيُّهُمَا أقدر على تقديم خطاب قادر على استعادة وعي الإنسان بعد تحريره من أسطوريته ودوغمائيته وأغلاله. خطاب نقدي عقلاني يقطع مع العقل الأسطوري القروسطي، يَتّخذ من العقل أداة المعرفة الصواب من الخطأ، والتمييز بين الحسن والقبح. خطاب مُتَفَتِّح على الآخر، يُكَرّس مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة، لفتح آفاق معرفية واسِعَة، ويُراكم قِراءات نقدية مُحفزة، تَمُدُّ التأمّل الفلسفي بطاقة مُتَجَدِّدَة. خطاب يتمثّل قيم ومبادئ الحضارات الإنسانية، ويستفيد من تجاربها وتَحَدِّياتها. خطاب يُعيد تشكيل العقل العربي على أسُسّ عقلانية، تدفع باتجاه النهضة.  فأيُّهُمَا أقدر على ذلك، هل العقل التُراثي أم العقل الفلسفي؟.

أمّا عِلم الكلام القديم: فهو عقل إيديولوجي إقصائي، نشأ تاريخيًا بوصفه أداة للدفاع عن العقائد. وتثبيت الإيمان داخل أطُر مذهبية. وإفحام الخصم ونقض حُججه. لقد قام عِلم الكلام الإسلامي بإعادة تشكّل العقل المُسلم وفقًا لمقولاته التي هي تجلّيات طائفية بامتياز. فتأسَّسَ الدين تأسيسًا طائفيًا - سياسيًا، شعر المُسلم بهذا أم لم يشعر. بل أن ولادة عِلم الكلام القديم كان إيذانًا بتأسيس الفِرَق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية عامة والشيعة خاصّة. بينمًا يطمحُ العقل العربي بمُجتمع مدني، تعدّدي، مُتسامح، يعترف بالآخر وبحقّه بالاختلاف.

تجدُر الإشارة، أن المُتبادر من عِلم الكلام والمُنَاظرات الكلامية أنه عِلم قائِم على منهج عِلمي، يرتكز على العقل في مُقدماته ومقولاته الأساسية. غير أن الحقيقة شيء آخر. فهو يختلف في طريقة البحث، ويرتكز للمنطق الأرسطي في الاستدلال على آرائه. الكلام القديم لم يَتَحرَّر من النصّ والروايات، ويبقى قابِعًا تحت سُلطة مقولاته المذهبية. فهو جُزء من بنية الخطاب التُراثي، ويخضع لآلياته، فَلاَ تصدق صِفة العِلمية على مُعطياته. فإضافة العِلم إلى الكلام ضرب من الخداع، للتستّر على مُهمته الإيديولوجية، التي هي تَمَام حقيقته.

إنّ تفكيك المقولات الكلامية ينزله من علياء التعالي والفوقية. وهُنَا تأتي مُهِمَّة النقد لكشف خداع الاستدلالات الكلامية، وصِدّقية المفاهيم التي قامت عليها مقولاته. وحينئذٍ سنكتشف أن الفكر الديني فكر تُراثي، لا يمتُ للعقل بِصِلَة، بل هو مقولات نِهائية، يتداولها عُلماء المُسلمين، فيُعيدون إنتاجها بمُختلف القوالب اللغوية والاستدلالية. فاللامعقول الديني هو الأساس في عِلم الكلام القديم، وليسَ العقل والفلسفة. وأحد مهامنا في نقد النصّ بيان مساحة اللامعقول، ورصد جُذوره، وطريقته في الاستدلال، وما يستخدمه من أدوات للتلاعب في مُقدمات عِلم الكلام القديم، الذي يفترض أنه عِلم عقلي في استدلالاته ومُناظراته، يتبنى اللامعقول، ويَتَسَتَّر على تبنيه، بل ويُناقض المنطق العقلي – الفلسفي حينمَا ينطلق من مقولات ومفاهيم جاهزة. إنه خطاب إيدولوجي، يكرّس تنزيه الذات ونبذ الآخر، مع دعوى احتكار الحقيقة، وسَبيل النجاة في اليوم الآخر. فلا يصدق عليه مفهوم العلم بالمعنى الاصطلاحي، لكنه يَتَسَتَّر به. نُؤكِّدُ أن المعرفة لا تُبنى بالأوهام، والخُرافات. ولا تستمد حقيقتها من التُراث والروايات، وتحتاج دائِمًا لأدلة عقلية وفلسفية، فإقصاء عِلم الكلام القديم إقصاء لخطابه الإيديولوجي الاقصائي، والجهل المعرفي، وخداع القياس الأرسطي. وكانت أول خُطوة على طريق الحضارة الحديثة القَطيعة مع التُراث والهرطقات الكلامية، واعتماد العقل والدليل العِلمي في بناء المعرفة والتراكُم العِلمي. ومن يرد ارتقاء سِلم الحضارة لا يركن إلى عِلم الكلام القديم.

بينمَا الأمر يختلف مع عِلم الكلام الجديد الذي تَأَسَّسَ ليكون عِلمًا قادرًا على تلبية طُموحات النهضة العربي والإسلامية. يُعيد للدين حيويته وفاعليته، لذا مُهِمّة الكلام الجَديد مُهِمَّة معرفية، للكشف عن مناشئ المقولات الكلامية، وبَيَان تاريخيتها، ومَدَى صِدّقِيتها ومُطابقتها للواقع، وكيفية تطوّرها، ومَا يَتَرَتَّبُ عليها من آثار ونتائج، قد تنعكس سَلْبًا على الدين.  فهو عِلم يرتكز على البُرهان والدليلين العِلمي والفلسفي، ويُوظِّفُ مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة لمُقاربة الحقيقة، والكشف عن تاريخيتها، وظُروف نشأتها. فالانتقال من الدفاع عن المقولات الدينية، وردّ الشُبهات إلى فلسفة الإيمان والتديّن ومصادر المعرفة يُمَثِّلُ جوهر الاختلاف بينهُمَا. والباحث في عِلم الكلام الجديد يَتَّسِم بالموضوعية والتجرّد، دون موقف مُسّبَق عدا إيمانه بإلوهية الوحي، بمعنى مختلف. بينمَا الموقف (الإيديولوجي سواء كانت دينية أو مذهبية) يَسبق المُتكلّم القديم، فينشغل بالدفاع عنه، والتصدي لخُصومه. لذا المُتكلّم الجَديد يُصغي، لا يتجاهل شيئًا، بينمَا تتلاحَقُ رشقات المُتكلّم، يتغاضَى، يَتَسَتَّر، يُواري. فالمُتكلّم القديم ينطلق من يقينيات ومُسلّمات كإيمانه بوحيانية القُرآن معنًى ولفظًا. أمَّا المُتكلّم الجَديد، فَيُخضع كلّ قضية للنقد والتَحَرِّي والمُسَاءَلَة. فيكون أقدر على تلبية طُموحات العقل العربي، والمُشارك في قيام نهضة عربية شَامِلَة. لكن رُغم حجم الفارق بين الكلام القديم والجَديد، بيد أن الجَديد كالقديم ينطلق من مُقدِّمات إيمانية كالوحي، فهو لا يُنكره، بل يُفَسِّرُهُ، ويُقَدِّمُ فَهْمًا مُغايرًا لحقيقته.

في مُقابل عِلم الكلام تأتي فلسفة الدين، وهي الخيار الثاني كمَا في سُؤال الباحثة القديرة د. "شهرزاد حمدي". وهي تختلف في منهجها وأدواتها عن عِلم الكلام. فلسفة الدين كمَا مَرَّ تعريفها: (فرع من فروع الفلسفة، تدرُس الظاهرة الدينية دِراسة عقلية نقدية مُحايدة من الخارج، لفهم طبيعة المُعتقدات الدينية. لا تهدف لإثبات صِحّة دين مُعَيّن، بل للبحث عن عقلانية المعارف الدينية ومُحاكمتها.مُستعينة بِعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أيّة مُنطلقات إيمانية مُسّبَقَة).

أمّا أيُّهُمَا يُلَبِّي طُموحات العقل العربي فقد تَقَدَّمَ: أيُّهُمَا أقدر على تقديم خطاب يعتمد العقل أداة له، خطاب عقلاني، يرفُض الانغلاق، ينطلق من مركزية الإنسان، فهو الأجدر بذلك. بهذا يخرج عِلم الكلام القديم للأسباب أعلاه. فينحصر الأمر بين عِلم الكلام الجَديد وفلسفة الدين. فكلاهُمَا قادر على تلبية طُموح العقل العربي، بيد أني أرجح فلسفة الدين، مَادَامَ عقلاً نقديًا، يُلاحِقُ مضمرات العقل وأنساقه المعرفية للتأكّد من عقلانيتها، وتَحَرُّرِها من تداعيات الخطابات الإيدولوجية. فهو عقل مُنفتح، موضوعي، لا ينطلق من أيّة مُقدمَة، بل يتولَّى بِنَاء مُقَدِّمَاته على أسُسّ عقلية صَارِمَة. يستفيد من مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة لتطوير خطابه. تنتشل فلسفة الدين الوعي من غفلته، وتفتح له آفاقًا واسِعَة للتأمُّل بِجَميع القَضَايَا.

وهل نحنُ في حاجة إلى تَجديد عِلم الكلام أم إلى جَديده؟، كمَا جاء في نهاية السُؤال:

نحنُ لسنا بحاجة إلى تجديد الكلام الإسلامي القديم، لأن التجديد في هذا الحقل يعني إعادة صياغة القضايا القديمة بلُغة مُعاصرة. والدفاع عن العقيدة بأدوات حديثة. فيبقى أسير البنية نفسها: يقين مُسبق، غاية دفاعية، مركزية العقيدة. فالتحديث هُنَا يعني تحديث الوسائل، لا تحديث الرؤية. أمَّا بالنِسبة لعِلم الكلام الجَديد فالأمر مُختلف، مادام ينتقل من الدفاع إلى الفهم. ومن العقيدة المُغلقة إلى الدين كخبرة إنسانية. ومن الحقيقة الجاهزة إلى الحقيقة المُتشكّلة تاريخيًا. وأنه عقل نقدي لا تبريري، مُنفتح على العُلوم الإنسانية. فلا يَصْدُق عليه مفهوم التجديد المُتَقَدّم، بل هو تأسيس إبستمولوجي جَديد.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي