بأقلامهم (حول منجزه)

محمد الدسوقي: النص وسؤال الحقيقة من منظور نقدي معاصر.. "ماجد الغرباوي نموذجاً"

يستهلّ الغرباوي كتابه «النص وسؤال الحقيقة» بمجموعةٍ من التساؤلات حول إشكالية العلاقة بين النص والحقيقة، وهذا ما علمتنا إيّاه الفلسفة، في أنّها فنّ طرح الأسئلة، وليس بالضرورة توفير إجابات جاهزة لإرضاء العقل، بل تظلّ التساؤلات الفلسفية الكبرى لصيقةً بعقل المفكّر والفيلسوف طيلة العصور.

ونحن هنا بصدد تجربة فلسفية نقدية بحثية لتحليل وتفسير العلاقة بين النص والحقيقة، ونقد المرجعيات الدينية. لنبدأ جولتنا الفكرية إلى عقل المفكر الديني ماجد الغرباوي، ونستخلص بعض الأفكار التي طرحها في كتابه، ومنها الآتي:

1- كيف أصبح الغيب حقيقة؟

يرى الغرباوي أنّه عبر آيات القرآن الكريم والروايات التي تحدّثت عنه، والتراكمات التاريخية التي أصبحت ثقافة، هي الأخرى تكوّنت بفعل وتأثير عوامل البيئة والتعليم والعادات والتقاليد التي نشأ بها المتلقي. وينتقد الغرباوي القراءة البريئة للنص؛ لأن الثقافة هي المسؤولة عن فهم وتحليل النص ومعرفة دلالاته.

2- ما الفرق بين قراءة النص بعقل متحرر وعقل رجعي؟

يرى الغرباوي أنّ الباحث الديني أو المفسر، عندما يقرأ من داخل النص، فهو بذلك يخضع لا إراديًا لسلطته، وذلك ليس لأنه لا يريد أن يفهم المعنى الباطن، بل لأن قداسة النص هي التي تتولّى تشكيل البنية الفكرية وآلية التفسير والتأويل. وينتقد كاتبنا القراءة التراثية؛ لأنها مثل صحراء لا يتوفر فيها المناخ المناسب لزرع نبتة الإبداع والابتكار، ولا تقدّم فهمًا جديدًا للدين.

أمّا بالنسبة للقراءة المتحررة، فعلى العكس تمامًا، فهي تُخضع النص لمناهج العقل من تفكيك وتحليل ووصف، وبالتالي يكون النص أمام الباحث المتحرر نصًا مفتوحًا على مختلف المناهج والتأويلات.

3- هل تمّ تسليع الدين وتطويعه للأهواء؟

يجيب الغرباوي بأن المذاهب الإسلامية قد بالغت في تشويه معالم الدين وحطّمت بنيته. لماذا؟ لأنها قرأت النص بما يخدم متبنياتها العقائدية وفق مصالحها، واختزلته فيها وبرموزها، وليس بوصفه وجهة نظر اجتهادية. ويرى أن المذاهب الإسلامية تأسست تكريسًا لموقف الصحابة من السلطة، وهو موقف سياسي لم ينشأ على قاعدة فكرية أو عقيدية، بل نزاع قائم على لعبة السياسة.

4- ما أهمية النقد بالنسبة للنص؟

نجد الغرباوي يشيد دائمًا بأهمية النقد، فهو بالنسبة له أساس كشف المراوغات، وبالأخص في الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة وإقناع المتلقي بها.

ما سبق عيّنة بسيطة من كمّ هائل من الأفكار التي يحتويها كتاب الغرباوي «النص وسؤال الحقيقة». ويمكن أن نستخلص فلسفته في أنها قائمة على النقد والتفكيك والتحليل، وينادي بإعمال العقل دائمًا، مثلما كان ينادي الفيلسوف الفرنسي إيمانويل كانط بأن الإنسان يجب أن يكون جريئًا في إعمال عقله.

***

محمد أبو العباس الدسوقي