في الكتاب الأول من جمهورية افلاطون، يدخل سقراط في نقاش مطوّل حول العدالة يتضمن فلسفة الحق الذي تخلقه القوة، وهي الفلسفة التي يدعو لها أنتيفون Antiphon والتي كشفها ثيوسيديدس باعتبارها القوة الدافعة في امبريالية أثينا.
1- العدالة هي إعادة سداد ما مستحق
سقراط يسأل سيفالوس cephalus السيراكيوني المقيم الأجنبي الطاعن في السن وحيث يجري الحوار في بيته، حول تجربته مع الشيخوخة. سيفالوس راض عن نصيبه، يرفض الشكوى من المشاكل، ومقتنع بامتلاكه ثروة كافية تجنبه أسوأ المواقف. هو يعرض صورة للحكمة التقليدية. يقول ان موارده سوف تسمح له بمغادرة هذا العالم بدون خوف من خداع أي شخص او تحمّل أي دين لا للأشخاص ولا الى الله.
سقراط يلتقط هذه الإشارة ويجيب، "حسنا يا سيفالوس. على هذا الامر بالذات، اذن ماهي العدالة، هل يمكننا القول دون أي تحفظ انها تتمثل في قول الحقيقة وإعادة كل ما اُستعير؟ او هل ان هذه الأفعال تكون أحيانا عادلة وليست عادلة في أحيان أخرى؟ انا في ذهني شيء ما يشبه هذه الحالة: رجل يستعير من صديقه سلاحا حينما كان صديقه يتمتع بكامل قواه العقلية. لكن فيما بعد يصاب الصديق بالجنون ويطلب استرجاع سلاحه، سوف لن يكون من الصواب إعادة السلاح، ولا ان يُعطى المستعير تبريرا لعمل كهذا، فهو لا يرغب طواعية بقول كل الحقيقة، نظرا للحالة العقلية لصديقه".
في وقتنا الحالي، حالة شخص غاضب يطالب بسلاح تثير في الذهن مشاهد مروعة من إراقة الدماء. عندما يحاول سقراط إشراك سيفالوس في السعي الى أفضل تعريف، يعتذر الرجل الطاعن في السن ليؤدي طقسا دينيا – فعل العدالة والتقوى – ليترك زمام النقاش الفلسفي الى ابنه ووريثه، بولمارخوس polemarchus. يستشهد بولمارخوس بالشاعر سيمونيدس الذي يقول انه من العدالة إعادة كل ما مطلوب سداده. بولمارخوس يؤيد البيان. سقراط يقر بسلطة الشاعر لكنه يزعم انه لا يفهم قصده. بالتأكيد هو لا يستطيع قبول إعادة السلاح لصاحبه عندما يكون الأخير فاقدا لصوابه. اذن ماذا هو يعني حقا؟، يجيب بولمارخوس "هو يعتقد"، "ان من واجب الأصدقاء تجاه اصدقائهم ان يفعلوا لهم الخير لا الشر".
"وماذا بعد؟ هل يجب على المرء إعادة أي شيء مستحق لأعدائه، بالضبط، كل ما مستحق لهم. واعتقد ان ما يستحقه أي عدو هو ما يليق به، أي، بعض الشر".
2- العدالة هي فعل الخير للاصدقاء والأذى للأعداء
يلاحظ سقراط ان سيمونيدس كان يتحدث بألغاز: عندما قال "ما مستحق" هو يعني ما يليق او يناسب. الان سقراط يستشهد بتشبيه الحرفة craft Anology. "اذا كان حسب زيوس، يجب على المرء ان يسأل،"سؤالي يا سيمونيدس، ما الشيء الملائم الذي كان يجب ان ترده مهنة الطب ولمنْ؟" من الواضح الأدوية، الطعام، والشرب، للأجسام".
"حسنا اذن، ما الذي تعيده حرفة العدالة craft of justice ولمنْ؟"
"بموجب نفس المنطق، سوف تعيد لاولئك الذين ذكرناهم، للاصدقاء والاعداء، منافع واضرار". وهكذا هو يعني ان العدالة هي ان تفعل الخير للاصدقاء والاذى للاعداء؟ حسبما اعتقد.
ان التفسير الذي يتوصل اليه سيمونيدس لكلام بوليمارخوس هو ليس فقط قراءة مثيرة لفضول شاعر كبير في السن. في الحقيقة ان التعريف المعدل يعكس مستوى الاخلاق الشائعة في ذلك الوقت. الرجل الحكيم يفيد أصدقائه ويؤذي أعدائه. كما يقول احد اطراف الدعوى في كلام كُتب له بواسطة ليسينز، "انا اعتبرها ممارسة راسخة لفعل الأذى للعدو والخير للصديق". في احدى مسرحيات يوريبيدس، يقول مديا "لا يعتبرني احد حقيرا ولا ضعيفا وانما على العكس تماما، قاس على الأعداء، طيب للاصدقاء، حياة هؤلاء هي أروع ما يكون". الشاعر هنا يعرض امرأة بشخصية ذكورية.
وفي حوار افلاطوني آخر، مينو يقول "هذه فضيلة الرجل: ان يكون قادرا على إدارة شؤون مدينته، وبعمل كهذا يفعل الخير لأصدقائه والشر لأعدائه، بينما يتجنب عمل الشر لنفسه".
مهما كانت نية سيمونيدس في القصيدة، التي يلمح لها بولمارخوس، فان التعريف الذي توصل اليه بولمارخوس يعبّر بعمق عن وجهة نظر كان يتبناها معظم اليونانيين آنذاك، الجمهور الحاضرون في الحوار يومؤوا برؤوسهم موافقين.
3- العدالة هي عمل الخير للخيّرين والأذى للسيئين.
في حوار افلاطون، يتحول سقراط ليسأل حول حالة الأصدقاء والأعداء. هل أصدقاء الشخص دائما خيرين وأعداء الشخص دائما سيئين؟ يعترف بوليمارخوس، ليس بالضرورة. لكن في عمل الخير لأصدقاء المرء والاذى لأعدائه، أحيانا المرء يعمل خيرا لناس سيئين وسوءا لناس خيرين. اذا كان جوهر تصور سيمونيدس هو ان المرء يجب ان يعامل الناس بشكل مناسب، نحن يبدو الان ننتهك هذا عبر معاملة الناس عكس ما يستحقون.
سقراط يقترح تصحيحا للتعريف السابق: العدالة هي "فعل الخير لصديق خيّر وأذى لعدو سيء". بوليمارخوس يقبل هذا التعديل. الان بالطبع التعريف يترك من غير الواضح كيف يجب ان نتصرف مع الأصدقاء الذين هم سيئين والاعداء الذين هم خيرين. لكن سقراط يتقدم الى نقد اكثر جوهرية.
هو يسأل "هل حقا ان مسؤولية الرجل العادل هي ان يؤذي أي انسان؟ . انظر في حالة الخيل. اذا أصيبت الخيول بالاذى هل هي تصبح أفضل او أسوأ حالا؟ سوء في جودة الخيول ونوعيتهم العالية؟ نعم. ونفس الشيء مع الكلاب. لذا عندما نلتفت الى البشر، هل انهم لا يصبحون أسوأ عندما يصيبهم الأذى؟ أسوأ في النوعية العالية للبشر؟ أليست العدالة هي التميّز البشري؟ لذا ألا يصبح الشخص الذي يقع عليه الأذى اكثر ظلما؟
يعود سقراط الى مقارنة الحرفة. هل الموسيقيون يجعلون الناس اكثر لا موسيقيين من خلال فن الموسيقى؟ بالتأكيد لا. "اذن، هل الناس العادلون يجعلون الآخرين اكثر ظلما من خلال فن العدالة؟ او بايجاز هل الخير يجعل الناس سيئين من خلال الفضيلة؟" ان وظيفة الحرارة هي ان تسخّن، لا تبرّد الأشياء. وان وظيفة الجفاف ان يجفف، لا يرطّب الأشياء. الشخص العادل هو جيد. "طبقا لذلك، انها ليست وظيفة الشخص العادل، يا بوليمارختس ان يؤذي صديقا او أي شخصا آخر، بل ان هذا هو تأثير النقيض، أي الشخص الظالم".
سقراط يجد تناقضا عمليا عميقا في تصور العدالة كونها نافعة لبعض الناس ومؤذية للبعض الآخر. هو ليس لديه مشكلة مع فكرة منفعة الاخرين، لكن فكرة الايذاء شائكة جدا. لو نجحنا في إيذاء الآخر، سنجعل هذا الشخص أسوأ حالا، وبالتحديد انسانا أسوأ، اكثر نقصا في صفات الخير التي تميّز البشر.
حتى الان نحن ننظر في الفضيلة بشكل عام والعدالة بشكل خاص كما لو انها حرفة، ينبغي ان تعزز الخير الذي تستبطنه لا ان تحطمه. ونحن كبشر عادلين، ينبغي ان نعزز العدالة في الاخرين ونزيد كمية العدالة في العالم. هذا المبدأ يكمن وراء ادّعاء سقراط بانه من غير الصحيح أبداً إلحاق الضرر حتى في حالة الانتقام للضرر الذي يقع علينا.
العدالة والفضيلة يجب دائما ان تكونان مفيدتان، لا ينطويان على نية الإضرار مهما كانت ردة فعل الاخرين نحو الافعال الفاضلة. مثلما الطبيب يبذل اقصى جهد لشفاء المريض، الشخص العادل يجب دائما ان يبذل جهده للتعامل مع الاخرين بعدالة، وبمعنى أوسع، لجعل الاخرين اكثر عدالة.
***
حاتم حميد محسن








