(فتحي المسكيني والجابري وطه عبد الرحمن وفوكو ودريدا في أفق فلسفة العبور والفلسفة التخيلية)
إن العبارة التي تنطلق منها هذه المقاربة، ومفادها أن النقد ضرورة في خلق تناسل فلسفي منتج، تتيح لنا أن نعيد النظر في مقال فتحي المسكيني لا بوصفه حكمًا نهائيًا على مشروع محمد عابد الجابري، بل بوصفه فعلًا نقديًا ينبغي إخضاعه بدوره للنقد، لأن الفلسفة التي لا تسمح بنقد نقدها تتحول، من حيث لا تدري، إلى سلطة جديدة تحرس الحدود التي جاءت أصلًا لتفكيكها. فليس المطلوب أن ندافع عن الجابري في مواجهة المسكيني، ولا أن نقلب الاتهام فنحكم على المسكيني بأنه أخفق في فهم الجابري، بل أن نختبر طبيعة العلاقة التي أقامها بين الفلسفة والخصوصية، وبين التراث والكونية، وبين وظيفة المثقف وإمكان الفيلسوف، ثم نسأل: هل استطاع المسكيني أن يعبر الحد الذي اكتشفه في مشروع الجابري، أم أنه أعاد إنتاجه داخل تصور آخر للكونية؟
تتأسس أهمية هذا السؤال على أن المقال لا يكتفي بتقييم مشروع فكري بعينه، بل يقترح ضمنًا معيارًا لتحديد ما يستحق أن يسمى فلسفة. فالمشروع الفلسفي، بحسب المسكيني، ينبغي ألا يظل أسيرًا لقضايا أمة أو هوية أو تراث، بل عليه أن ينتج إشكاليات كونية تتصل بمصير الإنسان وبالأسس النظرية والمعيارية التي ينتظم بها وجوده. غير أن هذا المعيار، على أهميته، يصبح بدوره موضوعًا للسؤال: من يحدد شروط الكونية؟ وهل توجد فلسفة تتحرر تمامًا من تاريخها ولغتها وموقعها الثقافي؟ وهل ينبغي أن نختار بين الانتماء والتفلسف، أم أن المهمة الفلسفية الأكثر إنتاجًا تبدأ حين نعيد تشكيل العلاقة بينهما، بحيث لا يعود الانتماء سجنًا للتفكير، ولا تتحول الكونية إلى اسم آخر لمعيار ثقافي يطالب الآخرين بالتخلي عن خصوصياتهم كي يُعترف لهم بحق المشاركة فيه؟
من هنا تنشأ إمكانية مقاربة المقال من خلال فلسفة العبور والفلسفة التخيلية، مع الاستفادة من ميشيل فوكو وجاك دريدا، لا لإقامة تطابق بين هذه المشاريع، بل للكشف عن اختلاف طرائقها في التعامل مع التراث والحدود التاريخية وإمكان إنتاج المفاهيم الجديدة.
أولًا: مفارقة النقد عند المسكيني: حين يتحول نقد الحدود إلى حدّ جديد
يبدأ المسكيني من مطلب فلسفي وجيه: تحرير التفلسف من التبعية للمهمات الثقافية والإصلاحية الجاهزة. فهو يلاحظ أن جزءًا كبيرًا من الفكر العربي الحديث ظل منشغلًا بسؤال النهضة والتأخر، وبإشكاليات الأصالة والمعاصرة والهوية والتراث، حتى أصبحت الفلسفة مطالبة بأن تبرر وجودها من خلال قدرتها على خدمة هذه القضايا. وبذلك، لم يعد السؤال الفلسفي حرًا تمامًا في اختيار موضوعه، بل صار محكومًا بما ينتظره منه المجال الثقافي والسياسي. وهذه ملاحظة تستحق التقدير؛ لأن الدفاع عن قضية عادلة لا يضمن، بمفرده، إنتاج معرفة فلسفية، كما أن الانتماء إلى تقليد فكري لا يكفي لتبرير مفاهيمه أو إعفائها من النقد.
لكن الإشكال يبدأ حين ينتقل المسكيني من نقد هيمنة الوظيفة الإصلاحية إلى تصنيف مشروع الجابري كله داخل حدودها. فهو يقرأ مشروع نقد العقل العربي باعتباره إنجازًا تنويريًا وثقافيًا لم يتحول إلى فلسفة كونية بالقدر المطلوب، ثم يجعل هذا القصور مدخلًا لتقويم موقع الجابري من الفلسفة نفسها. هنا ينبغي أن نتوقف عند الفرق بين حكمين ليسا متطابقين: القول إن مشروع الجابري تأسس في سياق تاريخي إصلاحي، والقول إن هذا السياق يحدد القيمة الفلسفية للمشروع ويحد من إمكاناته النظرية.
فقد يكون المشروع قد نشأ استجابةً لمشكلات النهضة العربية، لكنه لا يلزم أن يبقى محصورًا في الوظيفة التي استدعته أول مرة. إن المفاهيم لا تستنفدها نيات أصحابها، والأعمال الفكرية قد تنتج إمكانات لم يقصدها مؤلفوها، وقد تتحول الأدوات التي استُخدمت لتشخيص أزمة محلية إلى أدوات تسمح بإعادة التفكير في مسائل معرفية تتجاوز سياقها الأول. وإذا كان النقد، كما يفترض المسكيني نفسه، فعلًا يفتح إمكانات جديدة للتفكير، فإن هذا المبدأ ينبغي أن ينسحب على مشروع الجابري أيضًا، لا أن يُحصر في الحكم على ما لم ينجزه.
هنا تكشف فلسفة العبور عن فارق مهم بين الحد الذي يحدد سياق المشروع والحد الذي يحكم عليه بالبقاء داخل ذلك السياق. فالخصوصية التاريخية ليست بالضرورة سجنًا، كما أن الانطلاق منها لا يعني الخضوع لها. إنها قد تكون عتبةً للعبور، شرط ألا تتحول إلى تعريف نهائي لما يمكن التفكير فيه. ومثلما لا ينبغي للجابري أن يجعل التراث إطارًا مغلقًا للعقل العربي، لا ينبغي لناقده أن يجعل منشأ المشروع الإصلاحي حكمًا نهائيًا على أفقه الفلسفي.
وعلى هذا الأساس، يمكن إعادة صياغة الاعتراض على المسكيني: ليس الخلل في أنه طالب الجابري بالكونية، بل في أنه قد يكون قد جعل الكونية معيارًا سابقًا على فحص جميع الإمكانات التي أنتجها مشروعه. فبدل أن نسأل فقط لماذا لم يصبح الجابري فيلسوفًا كونيًا بالمعنى الذي يفضله المسكيني، ينبغي أن نسأل أيضًا: ما المفاهيم التي أنتجها الجابري فعلًا؟ وما الأسئلة التي فتحها؟ وأي إمكانات فلسفية يمكن استخلاصها من عمله، حتى حين تتجاوز هذه الإمكانات حدود تصوره المعلن للعقل العربي؟
إن النقد المنتج لا يكتفي بتعيين ما غاب عن المشروع، بل يكتشف أيضًا ما يستطيع المشروع أن يصير إليه بعد أن يعبر حدوده الأولى.
ثانيًا: هل اختزل المسكيني الجابري في «نقد العقل العربي»؟
تظهر المعضلة بصورة أوضح حين ننظر إلى الطريقة التي يتعامل بها المسكيني مع الجابري. فالجابري ليس مجرد صاحب عنوان نظري هو «نقد العقل العربي»، بل هو صاحب مشروع واسع يتضمن قراءات في التراث الفلسفي، وتحليلات للعقل السياسي والأخلاقي، واشتغالًا على مفاهيم المعرفة والعقلانية، ومواقف من الديمقراطية والعدالة وإشكالات الدولة والمجتمع. وقد لا تكون هذه المجالات متساوية في العمق أو متحررة من الاعتراضات، لكن جمعها تحت وصف «المشروع الإصلاحي التنويري» لا يكفي لتحديد قيمتها الفلسفية.
المشكلة هنا ليست أن المسكيني لم يذكر هذه المجالات مطلقًا، بل أن المقال لا يمنح التعدد الداخلي لمشروع الجابري الوزن التحليلي الذي يستحقه. فهو ينطلق من العنوان المركزي، «نقد العقل العربي»، ثم يتخذ منه مدخلًا لتشخيص العلاقة بين الجابري والتراث والقومية، حتى تكاد سائر أعماله تظهر بوصفها تطبيقات لموقف واحد: الدفاع عن مشروع تنويري عربي يستعيد التراث من أجل الإصلاح. لكن أليس من الممكن أن نجد داخل هذه الأعمال توترات تتجاوز هذا الإطار؟ وهل يصح أن نقرأ جميعها باعتبارها تعبيرًا عن موقف متجانس، من دون أن نفحص اختلاف مستوياتها وأسئلتها وطرائق استدلالها؟
إن مشروع الجابري نفسه يتضمن تمييزًا بين أنظمة معرفية وطرائق في إنتاج المعرفة، ومحاولةً لتفسير شروط تشكلها التاريخي، كما يتضمن نقدًا للسلطة حين تتخفى وراء أنماط من الاستدلال أو التبرير السياسي والأخلاقي. ويمكن الاعتراض على تقسيماته، وعلى طريقة تعامله مع بعض المذاهب والتيارات، وعلى ما إذا كانت تصنيفاته تسمح فعلًا باستيعاب التداخل والتفاعل داخل التراث. غير أن هذه الاعتراضات تقتضي الدخول في تفاصيل عمله، لا الاكتفاء برده إلى الوظيفة الثقافية التي أدّاها.
والأهم أن الجابري لا يُقرأ فلسفيًا من خلال السؤال عما إذا كان قد أنتج فلسفة كونية مكتملة، بل من خلال السؤال عن المشكلات التي استطاع أن يحولها إلى موضوع للتفكير، والمفاهيم التي صاغها لمعالجتها، والحدود التي فرضتها هذه المفاهيم على تحليله، والإمكانات التي تظل مفتوحة بعد نقدها.
إن العدالة، مثلًا، ليست مجرد عنوان سياسي في أي مشروع فكري؛ إنها تثير سؤالًا عن العلاقة بين المعيار التاريخي والمعيار الكلي، وعن شروط توزيع الحقوق والواجبات، وعن الأساس الذي يجعل سلطةً ما مشروعة أو غير مشروعة. والديمقراطية ليست مجرد مطلب إصلاحي، بل تفتح مشكلات السيادة والتمثيل والاختلاف والتعدد وحدود السلطة. أما الإبستمولوجيا فلا تنحصر في تصنيف أنظمة المعرفة القديمة، بل يمكن أن تقود إلى مساءلة شروط إنتاج الحقيقة، وعلاقة المعرفة بمؤسساتها، وكيفية تحول المناهج إلى سلطات تحدد ما يجوز التفكير فيه.
هذه المسائل لا تجعل الجابري فيلسوفًا كونيًا تلقائيًا، لكنها تمنعنا من اختزال مشروعه في قراءة محلية للتراث. فالمطلوب هو أن نختبر ما إذا كانت معالجته لهذه القضايا قد أنتجت مفاهيم قابلة للنقد والتطوير والتعميم، وأن نحدد أين نجح وأين تعثر. إن الفرق كبير بين أن نقول إن الجابري لم يتجاوز الإطار القومي بما يكفي، وبين أن نفترض أن الإطار القومي قد استوعب مسبقًا كل ما في مشروعه من إمكانات فلسفية.
ومن منظور فلسفة العبور، يمكن القول إن المسكيني ركز على الحدود التي رسمها الجابري لمشروعه، لكنه لم يستكشف بما يكفي المعابر التي قد تتجاوز تلك الحدود. فالمشروع الفكري ليس وحدة مغلقة تتطابق فيها مقدماته ونتائجه، وإنما بنية قد تحتوي على إمكانات تتعارض أحيانًا مع افتراضاتها الأولى. ومن ثم فإن مهمة النقد ليست فقط كشف التناقض بين ما يعلنه المفكر وما ينجزه، بل أيضًا استخراج ما يمكن أن ينتج عن عمله حتى عندما يتجاوز مقاصده المعلنة.
ثالثًا: من الجابري إلى طه عبد الرحمن: هل تصبح الخصوصية تهمة فلسفية؟
تتعمق هذه المشكلة حين نقارن موقف المسكيني من الجابري بما يمكن أن يثيره مشروع طه عبد الرحمن من أسئلة مشابهة. فالجابري وطه يختلفان اختلافًا جوهريًا في تصورهما للعقل والتراث والعلاقة بالحداثة، لكنهما يواجهان، من موقعين مختلفين، سؤال العلاقة بين الانطلاق من الخصوصية الثقافية وإمكان المشاركة في التفكير الفلسفي العام.
يميل الجابري إلى إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي بواسطة أدوات تحليلية وإبستمولوجية، ساعيًا إلى تمييز أنظمته المعرفية ونقد ما يراه معيقًا للعقلانية والحداثة. أما طه عبد الرحمن فينطلق من نقد بعض افتراضات الحداثة الغربية، ويعمل على بناء مشروع فلسفي يجعل الأخلاق والعمل والتجربة الائتمانية عناصر أساسية في فهم العقل والإنسان. إنه لا يكتفي بقراءة التراث بوصفه موضوعًا تاريخيًا، بل يسعى إلى استثمار موارده في تأسيس تصور فلسفي بديل.
ومع ذلك، يمكن أن يقع كلا المشروعين تحت معيار نقدي واحد إذا جرى التعامل مع خصوصيتهما باعتبارها عائقًا في ذاتها: الجابري لأنه يقرأ العقل من خلال إطار عربي تاريخي، وطه لأنه يسعى إلى بناء فلسفة تتأسس على موارد إسلامية وأخلاقية مخصوصة. وفي الحالتين قد تصبح الكونية، بدل أن تكون أفقًا يختبر فيه المشروع قدرته على إنتاج المفاهيم والحجج، شرطًا سابقًا يُطلب من المشروع تحقيقه قبل الدخول في حوار جدي مع أطروحاته.
لكن هذه المقارنة لا تعني تبرئة المشروعين من النقد. فقد تتحول الخصوصية عند الجابري إلى إطار تصنيفي يبالغ في تجانس التراث أو يعزل بعض مكوناته عن سياقاتها المتداخلة. وقد تتحول الخصوصية عند طه عبد الرحمن، إذا لم تخضع مفاهيمها لمساءلة مفتوحة، إلى مرجعية معيارية يصعب على المختلفين معها مناقشة مقدماتها المشتركة. غير أن هذه الاحتمالات ينبغي أن تُثبت بتحليل الحجج والمفاهيم، لا بمجرد الاستناد إلى مصدرها الثقافي.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في النقاش الفلسفي:
- خصوصية المنطلق: أن يبدأ المفكر من لغة أو تاريخ أو تقليد فكري محدد.
- خصوصية الحجة: أن يعتمد في تبريره على مقدمات لا يقبلها إلا المنتمون إلى ذلك التقليد.
- خصوصية الأفق: أن يحصر النتائج التي يمكن أن ينتجها التفكير في جماعة بعينها، ويمنعها من الدخول في حوار مع خبرات ومفاهيم أخرى.
ليس كل انطلاق من الخصوصية انغلاقًا، ولا كل مفهوم ذي أصل محلي عاجزًا عن اكتساب صلاحية تتجاوز سياقه. لكن الخصوصية تصبح حدًا مغلقًا حين تتحول مقدماتها إلى حقائق غير قابلة للمساءلة، أو حين يُطلب من الآخرين التسليم بها لمجرد أنها تنتمي إلى تراث بعينه.
وهذا التمييز مهم لفلسفة العبور؛ لأنها لا تتعامل مع الهوية بوصفها شيئًا يجب محوه كي يتحقق الانفتاح، بل بوصفها تشكلًا تاريخيًا وعلائقيًا يمكن أن يتغير من خلال الاحتكاك والاختلاف وإعادة التأويل. فلا الجابري مطالب بالتخلي عن التراث العربي الإسلامي كي يصبح تفكيره فلسفيًا، ولا طه مطالب بإخلاء مشروعه من موارده الإسلامية كي يدخل المجال الفلسفي العام. المطلوب هو أن تصبح هذه الموارد قابلة لإعادة التفكير، وأن تستطيع حجج المشروعين مواجهة الاعتراضات القادمة من خارج أفقهما الخاص.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الموجه إلى المسكيني هو: هل يقيس كونية المشروع بما ينتجه من إمكانات مفهومية قابلة للتداول والنقد، أم بمدى انفصاله عن التوقيع القومي أو الثقافي الذي نشأ داخله؟ إذا كان المعيار الأول هو المعتمد، فإن مشروع الجابري ومشروع طه يحتاجان إلى تحليل متمايز، لأن لكل منهما مواضع مختلفة للانفتاح والانغلاق. أما إذا صار غياب التوقيع القومي شرطًا للكونية، فإننا نكون أمام مشكلة جديدة: قد تتحول الكونية نفسها إلى هوية فلسفية خفية تستبعد المشاريع التي لا تتكلم بلغتها المفضلة.
رابعًا: فوكو ودريدا: كيف نقرأ التراث من دون أن نحوله إلى أصل مغلق؟
تساعدنا المقارنة مع ميشيل فوكو وجاك دريدا على تعميق المسألة، بشرط ألا نجعل منهما نموذجين جاهزين نضع الجابري أو طه في مقابلهما. فالأهمية هنا لا تكمن في أن فوكو ودريدا تحررا من كل خصوصية، بل في الطريقة التي أعادا بها تشكيل علاقتنا بالتاريخ والتقليد والمفاهيم الموروثة.
1. فوكو: التراث بوصفه تاريخًا لتشكل الحقيقة والذات
لا يتعامل فوكو مع تاريخ الفكر باعتباره مسارًا متصلًا لعقل ثابت يتطور من مرحلة إلى أخرى، ولا باعتباره سجلًا لهوية ثقافية ينبغي استعادتها. إنه يبحث في الشروط التاريخية التي تجعل أنماطًا معينة من المعرفة ممكنة، وفي الممارسات والمؤسسات والخطابات التي تنتج موضوعات المعرفة وتحدد ما يمكن قوله بوصفه حقيقة.
في حفرياته المعرفية، كما في دراساته الجينيالوجية اللاحقة، لا يسأل فقط: ماذا قال المفكرون؟ بل يسأل أيضًا: ما الشروط التي جعلت أقوالهم ممكنة؟ وما القواعد التي نظمت ظهورها؟ وكيف ارتبطت أنماط المعرفة بممارسات السلطة؟ وكيف تشكلت الذوات التي تتعرف إلى نفسها من خلال أنظمة معينة من الحقيقة؟
من هذه الزاوية، يلتقي فوكو مع الجابري في رفض التعامل مع التراث بوصفه مجموعة نصوص منفصلة عن شروط إنتاجها. فكلاهما يسعى، بطرائق مختلفة، إلى الكشف عن البنى التي تنتظم داخلها المعرفة. لكن الاختلاف بينهما مهم: الجابري يميل إلى بناء تصنيفات كبرى لأنظمة معرفية داخل التراث العربي الإسلامي، بينما يركز فوكو على شروط تشكل الخطابات والممارسات التاريخية، ويتحفظ عن ردّ التنوع إلى عقل موحد أو بنية كلية ثابتة.
وهذا الاختلاف لا يُحسم بالقول إن فوكو أكثر كونية لأنه لا يتحدث عن «عقل فرنسي» أو «عقل أوروبي» بالمعنى الذي يتحدث به الجابري عن العقل العربي. ففوكو نفسه ينطلق من أرشيفات ومؤسسات وتواريخ محددة، وتتشكل أسئلته داخل سياقات أوروبية بعينها. لكن أهمية منهجه أنه لا يحول هذا المنطلق إلى جوهر قومي ثابت، بل يجعله موضوعًا للفحص التاريخي، ويبحث عن آليات يمكن أن تكشف عن شروط إنتاج المعرفة في سياقات أخرى، من دون افتراض أن هذه السياقات متطابقة.
وبهذا المعنى، لا تكون العبرة في التحرر من التاريخ، بل في منع التاريخ من التحول إلى ماهية مغلقة. وإذا أُعيد توجيه سؤال الجابري من خلال هذا المنظور، فلن يكون السؤال فقط: ما العقل العربي؟ بل أيضًا: ما المؤسسات والممارسات وصراعات السلطة التي جعلت بعض أنماط التفكير تُقدَّم بوصفها ممثلة للعقل العربي؟ وما العناصر التي همّشتها هذه الصورة؟ وكيف تغيرت شروط إنتاج المعرفة عبر الزمن؟ وهل تستطيع تصنيفات الجابري نفسها أن تصبح موضوعًا لحفرية نقدية؟
لكن ينبغي ألا ننسى أن فوكو لا يقدم لنا نظرية مكتملة عن العقل الكوني، ولا معيارًا أخلاقيًا شاملًا نستطيع تطبيقه مباشرة على الجابري. إن الاستفادة منه تكمن في تحويل ما يبدو وحدةً ثابتة إلى سؤال عن تاريخ تشكله، وفي نقل النقد من تعريف هوية العقل إلى فحص العمليات التي تنتج تعريفات العقل وهوياته.
2. دريدا: التراث ليس أصلًا نعود إليه، بل نصًّا نعيد فتحه
أما دريدا، فيتيح لنا مسارًا مختلفًا. فالتفكيك لا يعني تدمير التراث أو إعلان استحالة فهمه، بل قراءة المفاهيم والتقاليد من داخلها للكشف عن التوترات والتعارضات التي تمنعها من الاستقرار على معنى نهائي. فالنص لا يقول شيئًا واحدًا يمكن عزله عن آثاره وعلاقاته، والمفهوم الذي يبدو متماسكًا قد يعتمد على ما يستبعده أو يقلل من شأنه.
من هنا، يمكن توجيه سؤال دريدي إلى مشروع الجابري: هل «العقل العربي» وحدة معرفية مكتملة، أم أن هذا المفهوم نفسه يتشكل من خلال عمليات اختيار وتصنيف واستبعاد؟ وما الذي يحدث حين نضع المشرق والمغرب، والبيان والعرفان والبرهان، والفلسفة والكلام والتصوف، داخل خريطة تصنيفية واحدة؟ هل تكشف هذه الخريطة الاختلافات، أم تعيد ترتيبها وفق مركز معياري يمنح بعض الأنماط منزلةً أعلى من غيرها؟
لا يعني ذلك أن تصنيفات الجابري باطلة لمجرد أنها تصنيفات؛ فكل تحليل يحتاج إلى مفاهيم وحدود إجرائية. وإنما يعني أن الحدود التي نستخدمها في فهم التراث ينبغي ألا تتحول إلى حقائق نهائية تتجاوز الفحص. فالتفكيك يسأل عن الأثر الذي يتركه كل تصنيف في المادة التي ينظمها، وعن العناصر التي لا يستطيع استيعابها إلا بوصفها استثناءات أو هوامش.
ويمكن تطبيق السؤال نفسه على المسكيني. فعندما يقيم تقابلًا بين الفلسفة الكونية وقراءة التراث، وبين الفيلسوف والمثقف، وبين التفكير الحر والانتماء القومي، فإنه ينتج تقسيمات نقدية ذات وظيفة واضحة. لكنها تحتاج بدورها إلى التفكيك: هل الفيلسوف خارج الانتماءات فعلًا؟ وهل قراءة التراث نقيض للتفلسف، أم يمكن أن تكون ممارسة فلسفية إذا أعادت مساءلة شروط الفهم ومفاهيمه؟ وهل الالتزام السياسي والثقافي يمنع إنتاج المفاهيم بالضرورة، أم أن المشكلة تبدأ حين يصبح الالتزام محصنًا من النقد؟
إن التفكيك هنا لا يساوي بين كل المواقف، ولا يلغي الفروق بين المشاريع، بل يكشف أن التقابلات التي ننظم بها النقاش ليست بريئة أو مكتملة. فقد تكون القراءة التراثية فلسفية، وقد تكون القراءة التي تدّعي الكونية أسيرة افتراضات لم تختبرها. وقد يبدأ التفكير من قضية محلية ثم يكتشف فيها سؤالًا إنسانيًا مشتركًا، كما قد يتحدث مفكر بلغة كونية فيما تظل مقدماته مغلقة على تقليده الخاص.
3. ما الذي تضيفه المقارنة؟
يكشف فوكو ودريدا عن إمكانين مختلفين: الأول هو مساءلة الشروط التاريخية التي تنتج المعرفة والذات والحقيقة، والثاني هو تفكيك التوترات الداخلية للمفاهيم والنصوص التي تبدو مستقرة. ويمكن الاستفادة من المسارين لتطوير نقد الجابري من دون الوقوع في حكم المسكيني الإجمالي عليه.
فبدل السؤال عما إذا كان الجابري قد تجاوز التراث نحو الكونية، يمكننا أن نسأل كيف صنع مفهوم العقل العربي، وما الذي كشفه هذا المفهوم، وما الذي أخفاه، وما الذي يستبعده تصنيفه، وما إمكان إعادة استعمال أدواته في تحليل مسائل لم يتناولها مباشرة. بهذا تصبح قراءة التراث لا مجرد عودة إلى أصل، ولا مجرد مهمة إصلاحية، بل عملًا نقديًا على شروط إنتاج المعنى والمعرفة والسلطة.
والأهم أن فوكو ودريدا لا يقدمان لنا مخرجًا سهلًا من مشكلة الخصوصية. فهما لا يلغيان الموقع التاريخي للمفكر، وإنما يجعلانه جزءًا من موضوع التفكير. وهذه نقطة تلتقي بوضوح مع فلسفة العبور: ليس المطلوب أن يقف المفكر خارج كل حد، بل أن يصبح قادرًا على رؤية الحدود التي تسهم في تشكيله، ومساءلتها، وإعادة تشكيل علاقته بها.
خامسًا: فلسفة العبور - من ثنائية الخصوصية والكونية إلى إنتاج العلاقة بينهما
إذا كان المسكيني يطالب الفيلسوف العربي بأن يتحرر من هيمنة التراث والقضايا القومية، فإن فلسفة العبور تقترح تعديلًا في بنية السؤال نفسه. فبدل أن نسأل: كيف نخرج من الخصوصية إلى الكونية؟ يمكن أن نسأل: كيف تعبر الخصوصية إلى الكونية، وكيف تعود الكونية فتغير فهمنا لخصوصيتنا؟ وما الذي يتولد من هذه العلاقة ولا يمكن اختزاله في أحد طرفيها؟
ليس هذا مجرد تغيير في صياغة السؤال، بل انتقال من تصور يجعل العلاقة بين الخصوصية والكونية علاقة تناقض أو تجاوز خطي، إلى تصور يرى أن الفكر يتحرك عبر حدود متغيرة، وأن كل انتقال يعيد تشكيل الطرفين اللذين يربط بينهما. فالخصوصية ليست كتلة ثابتة تنتظر أن نتخلص منها، والكونية ليست فضاءً جاهزًا يقف خارج التاريخ. كلاهما يتشكل ويتحول من خلال التفاعل والنقد والتأويل.
وفق هذا المنظور، يمكن فهم مشروع الجابري بوصفه عبورًا معرفيًا بدأ من سؤال تاريخي عربي، لكنه لم يكن مضطرًا إلى البقاء داخل حدود هذا السؤال. لقد حاول أن يعيد تنظيم العلاقة بالتراث من خلال مفاهيم العقل والبيان والعرفان والبرهان، ومن خلال نقد أنظمة المعرفة والسلطة السياسية والأخلاقية. وقد تكون بعض هذه المفاهيم قد تحولت في استعماله إلى حدود تصنيفية صارمة، لكن هذه الحدود لا تلغي إمكان تحويل أدواته إلى أسئلة جديدة عن المعرفة والسلطة والتاريخ.
وهنا يتغير معيار التقويم. لا نسأل فقط هل أنجز الجابري الكونية التي يطالب بها المسكيني، بل نسأل أيضًا: ما الذي أصبح ممكنًا التفكير فيه بعد الجابري؟ وما الحدود التي كشفها مشروعه، وما الحدود التي أعاد إنتاجها؟ وهل يمكن تحويل تصنيفاته من أحكام نهائية على العقل العربي إلى أدوات مؤقتة لتحليل تشكل أنظمة المعرفة؟ وهل يمكن إعادة قراءة مفهوم العقل العربي باعتباره اسمًا لمسار تاريخي متنوع، لا جوهرًا ثابتًا لهوية قومية؟
إن هذا التحول هو جوهر العبور المعرفي: ألا نتعامل مع المفهوم باعتباره جوابًا أخيرًا، بل باعتباره عتبة يمكن أن نمر منها إلى سؤال أعمق. فالعبور لا يعني تجاوز المشروع وإلقاءه خلفنا، كما لا يعني التسليم بمقولاته؛ إنه يعني إعادة تشكيل العلاقة به، بحيث نحتفظ بما يفتحه من إمكانات، ونكشف ما يغلقه من مسارات، ثم ننتج من هذا التوتر مفاهيم لم تكن موجودة في صورته الأولى.
1. هل الكونية أفق أم حدّ للانتماء؟
يقتضي هذا التصور إعادة النظر في مفهوم الكونية نفسه. فالكونية التي يطالب بها المسكيني ضرورية إذا كان المقصود بها أن تكون المفاهيم والحجج قابلة للنقاش خارج الجماعة التي أنتجتها، وأن يكون التفكير مستعدًا لمراجعة مقدماته أمام اعتراضات الآخرين. لكنها تصبح إشكالية حين تُفهم باعتبارها انفصالًا عن التاريخ أو تخلصًا من كل توقيع ثقافي.
فلا يوجد مفكر يبدأ من لا مكان، ولا توجد لغة فلسفية تتشكل خارج تاريخها. وحتى المفاهيم التي تقدم نفسها بوصفها كونية تحمل آثار سياقات إنتاجها، وتحتاج إلى مساءلة تاريخها وحدود صلاحيتها. لذلك لا يكفي أن نطالب الجابري بالتخلي عن التوقيع العربي كي يصبح فيلسوفًا، بل ينبغي أن نختبر قابلية مفاهيمه للتداول والنقد وإعادة البناء.
ومن جهة أخرى، لا يكفي أن يعلن مفكر ما انتماءه إلى تقليد عربي أو إسلامي كي تصبح أطروحاته ذات قيمة فلسفية خاصة، أو كي تُعفى من النقد بحجة الدفاع عن الهوية. فالخصوصية ليست فضيلة تلقائية، مثلما أن الكونية ليست ضمانًا تلقائيًا للعمق.
تساعدنا فلسفة العبور على تجنب هذين الاختزالين: لا نجعل الانتماء شرطًا للحقيقة، ولا نجعل التخلص من الانتماء شرطًا للفلسفة. إننا نختبر ما يستطيع الفكر إنتاجه عبر علاقاته، وما إذا كان قادرًا على تحويل موارده التاريخية إلى إمكانات مشتركة، من دون محو الاختلاف الذي انطلق منه.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون مشروع الجابري فلسفيًا في بعض جوانبه، وإصلاحيًا في جوانب أخرى، ومحدودًا في بعض نتائجه، ومفتوحًا على إمكانات لم يستثمرها بما يكفي. ولا يوجد تناقض في هذا الحكم؛ لأن المشروع الفكري ليس وحدة متجانسة بالضرورة، ولأن الفلسفة لا تُقاس بمقدار ابتعادها عن التاريخ، بل بقدرتها على مساءلة شروطه وإنتاج أسئلة تتجاوز ما كان يطلبه منها في البداية.
سادسًا: الفلسفة التخيلية - ماذا لو لم تكن الكونية نقيضًا للخصوصية؟
تضيف الفلسفة التخيلية بعدًا آخر إلى هذه المقاربة؛ فهي لا تكتفي بتحليل الحدود القائمة، بل تسعى إلى إنتاج الممكنات الفكرية من خلال تغيير مواضع النظر وتعليق البداهات وبناء التجارب الافتراضية. وإذا كانت فلسفة العبور تسأل كيف نعيد تشكيل العلاقة بالحدود، فإن الفلسفة التخيلية تسأل أيضًا: ما التصورات التي يمكن أن تنشأ إذا غيرنا الحدود المفهومية التي ننطلق منها؟
لنطبق ذلك على مشكلة المسكيني والجابري من خلال تجربة فكرية بسيطة: ماذا لو لم يكن على الفيلسوف العربي أن يختار بين قراءة التراث وإنتاج الفلسفة، بل أمكنه أن يجعل قراءة التراث نفسها مختبرًا لإنتاج مفاهيم جديدة؟
في هذه الحالة، لن تكون قراءة التراث نهاية العمل الفلسفي، ولن تكون مجرد مرحلة ينبغي التخلص منها قبل الدخول إلى مجال الكونية. ستصبح فعلًا لإعادة بناء الأسئلة التي ورثناها، واختبار المفاهيم التي تشكلت من خلالها خبرتنا التاريخية، ثم ابتكار بدائل يمكن أن تدخل في حوار مع الفلسفات الأخرى.
وماذا لو افترضنا أن التراث ليس مجموعة أجوبة مكتملة، بل أرشيفًا من الإمكانات المتعارضة وغير المستنفدة؟ عندئذ لن نبحث فيه عن عقل عربي واحد، ولا عن هوية فكرية نهائية، بل عن مسارات متعددة، بعضها تعزز وبعضها تهمش، وبعضها لم تتح له الشروط التاريخية أن يتطور. وستصبح مهمة الفيلسوف إعادة فتح هذه المسارات، لا بغرض استعادة ماضٍ مثالي، وإنما لاكتشاف ما يمكن أن تقدمه للراهن والمستقبل.
وماذا لو كانت الكونية نفسها ليست فضاءً مكتملًا، بل نتيجةً مؤقتة لحوار متواصل بين تجارب بشرية مختلفة؟ عندئذ لن يكون على الفكر العربي أن ينتظر الاعتراف به من خارج تاريخه، ولا أن يفرض خصوصيته على الآخرين، بل أن يشارك في إنتاج المفاهيم المشتركة من خلال عرض حججه للنقد، واستعداده لتعديلها، وقدرته على تعلم شيء من اختلاف التجارب.
هذه التجارب التخيلية لا تقدم أجوبة تاريخية جاهزة، لكنها تغير طريقة طرح المشكلة. فبدل السؤال: هل الجابري فيلسوف كوني أم مثقف محلي؟ يصبح السؤال: ما الشروط التي تسمح لمشروع نشأ داخل إشكالية محلية بأن ينتج مفاهيم قابلة للتجاوز، وما الذي يمنعه من ذلك؟ وبدل السؤال: هل طه عبد الرحمن أسير الخصوصية الإسلامية أم متجاوز لها؟ نسأل: كيف تتحول المفاهيم المستمدة من تقليد ديني إلى حجج قابلة للحوار خارج ذلك التقليد، وما الحدود التي ينبغي إعادة بنائها لتحقيق هذا التحول؟
هنا لا تعمل الفلسفة التخيلية بوصفها بديلًا عن التحليل التاريخي أو النقد المفهومي، بل بوصفها قوةً لفتح احتمالات لم يختبرها النقاش بعد. إنها تمنعنا من حصر المستقبل في البدائل التي ورثناها، وتسمح لنا بتصور أشكال أخرى للعلاقة بين التراث والفلسفة، وبين الهوية والحرية، وبين الخصوصية والكونية.
سابعًا: التناسل الفلسفي المنتج - كيف ننتقد الجابري والمسكيني معًا؟
تعود بنا هذه المقاربة إلى العبارة التي بدأنا منها: النقد ضرورة في خلق تناسل فلسفي منتج. ومعنى التناسل هنا ليس تكرار المفاهيم أو نقلها من مفكر إلى آخر، بل إنتاج إمكان فكري جديد من خلال الاشتباك النقدي مع مشروع سابق. فالفكرة لا تصبح منتجة لأنها نجت من الاعتراض، بل لأنها تستطيع أن تدخل في علاقات جديدة، وتتحمل إعادة التفسير، وتفتح أسئلة لم تكن ظاهرة في صيغتها الأولى.
من هذه الزاوية، لا ينبغي أن ينتهي الحوار مع المسكيني إلى رفض نقده للجابري، بل إلى تجاوز محدودية محتملة في طريقة بنائه لهذا النقد. فقد أصاب حين نبّه إلى خطر تحول المثقف إلى مدافع عن قضايا مقررة سلفًا، وحين طالب الفلسفة بألا تختزل نفسها في خدمة الهوية أو إعادة بناء التراث. لكنه يظل مطالبًا، مثل الجابري، بأن يتيح لمعياره الخاص أن يخضع للمساءلة، وأن يوضح كيف يمكن للفيلسوف أن يكون متجذرًا تاريخيًا ومنفتحًا كونيًا في الوقت نفسه.
كما أن نقد الجابري لا ينبغي أن يتوقف عند تعيين قصور تصوره للعقل العربي، بل يجب أن يفحص أعماله في مجالات المعرفة والسياسة والأخلاق والديمقراطية، ويختبر حججه ومفاهيمه في كل مجال على حدة. فقد تكون بعض تصنيفاته محدودة، لكن تحليلاته قد تتيح أدوات لمناقشة أسئلة تتجاوز غرضه الإصلاحي الأصلي. وقد تكون بعض أحكامه متأثرة بتصور مخصوص للتراث، فيما تظل مشكلاته المعرفية والسياسية قابلة لإعادة الصياغة ضمن أفق فلسفي أوسع.
أما المقارنة مع فوكو ودريدا فتساعدنا على تحويل التراث من موضوع لاستعادة الهوية إلى مجال لفحص تشكل المعرفة والسلطة والمعنى. وتساعدنا الفلسفة التخيلية على تصور علاقات جديدة بين الماضي والمستقبل، فيما تمنحنا فلسفة العبور إطارًا لفهم انتقال المفاهيم من سياق إلى آخر، وما يصاحب هذا الانتقال من تغير في دلالاتها ووظائفها وحدودها.
ويمكن تلخيص هذا المسار في أربع عمليات مترابطة:
1. الكشف: تحديد الافتراضات والحدود التي ينطلق منها المشروع، بدل الاكتفاء بتصنيفه ضمن مدرسة أو هوية.
2. المساءلة: اختبار حججه ومفاهيمه، بما في ذلك المفاهيم التي يستخدمها الناقد نفسه لتحديد معنى الفلسفة والكونية.
3. العبور: إعادة وضع المفاهيم داخل علاقات جديدة تسمح بنقلها من سياقها الأول إلى مشكلات أخرى، مع الاحتفاظ بما يميزها من فروق تاريخية.
4. التخييل والإنتاج: بناء إمكانات نظرية جديدة لا تكتفي بإصلاح المفاهيم الموروثة، بل تعيد تصور العلاقات التي تنظمها.
بهذا المعنى، لا تصبح فلسفة العبور اسمًا جديدًا لمصالحة سهلة بين الجابري والمسكيني، ولا تصبح الفلسفة التخيلية دعوةً إلى تجاوز الوقائع التاريخية بالافتراض. إنهما يقدمان، في هذه المقاربة، أداتين متكاملتين: الأولى لتحليل الحدود والتحولات التي تعيد تشكيل المفاهيم، والثانية لتصور إمكانات جديدة تتجاوز البدائل التي فرضها النقاش السابق.
خاتمة: ليست المشكلة أن الجابري لم يعبر، بل كيف نقرأ عبوره وحدوده
إن أهم ما يكشفه مقال المسكيني ليس فقط أزمة مشروع الجابري، بل أزمة المعيار الذي نستخدمه للحكم على المشروعات الفلسفية العربية. فعندما نطالب الفكر العربي بتجاوز خصوصيته من أجل بلوغ الكونية، قد نعيد إنتاج التقابل الذي نريد نقده، ونفترض أن الخصوصية والكونية مجالان منفصلان، وأن على الفيلسوف أن يغادر الأول حتى يدخل الثاني. لكن التجربة التاريخية للفلسفة توحي بأن المسألة أكثر تعقيدًا: فالمفاهيم تنشأ داخل لغات وتقاليد محددة، ثم تتغير من خلال الاحتكاك والنقد وإعادة الاستخدام، ولا تكتسب صلاحيتها المشتركة بمجرد إعلان استقلالها عن سياقها.
ومن هنا، فإن نقد الجابري لا يكتمل بوصفه مشروعًا إصلاحيًا لم يحقق الكونية، بل ينبغي أن يتحول إلى فحص لما أنتجه من مفاهيم، وما أخفق في تفسيره، وما يمكن إعادة بنائه انطلاقًا منه. وبالمثل، فإن نقد المسكيني لا يكتمل بالاعتراض على معياره للكونية، بل يتطلب الكشف عن إمكانات مشروعه نفسه وحدوده، وعن الطريقة التي يمكن بها أن يظل مطلب التفكير الكوني منفتحًا على اختلاف التجارب التي تسهم في إنتاجه.
أما طه عبد الرحمن، فلا ينبغي اختزاله في خصوصيته الإسلامية، مثلما لا ينبغي اختزال الجابري في خصوصيته العربية. ينبغي اختبار قدرة كل مشروع على تحويل منطلقاته إلى حجج قابلة للنقاش، ومفاهيم قابلة لإعادة التشكيل، وأفق لا يحصر الإنسان داخل تعريف نهائي لذاته. وهنا نستفيد من فوكو في مساءلة الشروط التاريخية التي تنتج المعرفة والذات، ومن دريدا في تفكيك الحدود التي تبدو ثابتة داخل النصوص والمفاهيم، ومن الفلسفة التخيلية في بناء إمكانات لم تفرضها علينا ثنائيات الماضي، ومن فلسفة العبور في فهم الفكر بوصفه حركةً تتغير من خلالها الحدود والهويات والعلاقات.
الأطروحة التي تقترحها هذه المقاربة هي أن الكونية لا تتحقق بمحو الخصوصية، بل بتحويلها من حدّ مغلق إلى مورد قابل للنقد وإعادة التشكيل؛ وأن التراث لا يصبح فلسفيًا بمجرد استعادته، ولا يفقد قيمته الفلسفية لمجرد الانطلاق منه، بل يتحدد ذلك بما نستطيع إنتاجه من أسئلة ومفاهيم جديدة عبر الاشتباك معه.
وعند هذه النقطة يتغير السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على مستقبل الفلسفة العربية. فلا يعود السؤال: كيف نتخلص من التراث كي نتفلسف؟ ولا: كيف نحافظ على التراث كي نحمي هويتنا؟ بل يصبح: كيف نعيد تشكيل علاقتنا بالتراث بحيث لا يكون ماضينا مصيرًا نهائيًا، ولا تكون الكونية هويةً بديلة نرتديها، بل أفقًا مشتركًا نشارك في إنتاجه من خلال النقد والتخييل والعبور؟
ذلك هو التناسل الفلسفي المنتج: ألا يكون المفكر نسخةً من سلفه، وألا يكون نقده مجرد نفي له، بل أن يصبح الاختلاف بينهما شرطًا لولادة سؤال جديد، وأن يغدو كل مشروع عتبةً لمشروع آخر، من دون أن يمتلك أيّ منهما الحق في إغلاق الطريق بعده.
***
ا. د. عامر عبد يد الوائلي








