مفتتح: في الخامس عشر من أكتوبر كان ميشيل فوكو سيطفئ مئة شمعة، حيث احتفت به المكتبات الفرنسية كما لا تحتفي إلا بالكبار: نصوص لم تُنشر من قبل، وطبعات جديدة، وسرديات مصوّرة، ومعارض وملتقيات تتنقّل بين القارات، وضم هذا الاحتفاء مفارقة لا تخفى!! فالرجل الذي كره أن يُحنَّط، وقال إنه يكتب كي لا يبقى على حاله، يُحاط اليوم بما يشبه طقوس قبائل اللوندا1، وأصدق ما يُهدى إلى مفكّر كهذا ألّا نردّد مفاهيمه ترديد المتعبّدين، وإنما الأجدر أن نسأل: ماذا بقي من أداته الأغرب، الأركيولوجيا، وماذا نصنع بها في زمن لم يعشه؟
الحفر الذي يقلق الفكر
أولاً لابد أن نستعيد ما فعلته الأركيولوجيا حين ظهرت، كان السؤال المألوف أمام أي معرفة: هل هي صادقة؟ فجاء فوكو وقلب السؤال: في أي شروط أمكن لهذا الكلام أن يظهر، وأن يتداوله الناس، وأن يُصدَّق؟ ثم ذهب أبعد من ذلك، لكل عصر لدى ميشال فوكو أرضٌ خفيّة يقوم عليها، سمّاها «القبْليّ التاريخي»، وهي التي ترسم ما يمكن أن يُقال وما يمكن أن يُفكَّر فيه، بل ما يمكن أن يُتخيَّل، حيث نتحدّث عن الجنون والمرض والجنس والإنسان، ونحن في الحقيقة نتحرّك داخل إطار لا نراه، كما لا يرى السمك الماء..!!
في قبال هذا المنهج. الذي يجعل المألوف غريباً، ويعيد إلى الأشياء الراسخة هشاشتها الأولى، حين تنظر إلى فكرة «الإنسان» كما نعرفها اليوم، تكتشف أنها اختراعٌ حديث العهد، وأن الموج قد يمحوها من الرمل كما قال فوكو في خاتمة «الكلمات والأشياء»، إلا أن هذا المنهج، مهما بلغ من الجرأة، أبقى حدوداً لا يصحّ إغفالها، فهو يقطّع التاريخ إلى طبقات كبرى، ثم لا يفسّر لنا بما يكفي كيف ينتقل العالم من طبقة إلى أخرى، بل قبل ذلك كله، يحفر في أرض أوروبية في الأعم الأغلب، ويفترض أن تلك الأرض هي أرض العالم!
وقد عاد النقد في هذه الذكرى ليذكّر بأن فوكو بالغ أحياناً في تقدير مركزية الغرب، وترك مناطق عمياء في نظره، منها تجارب الاستعمار وقضايا الجنس والنوع، وإذا كان الأمر كذلك، فإعادة التفكير في الأركيولوجيا ليست ترفاً أكاديمياً، خصوصا بالنسبة لأهل الدرس الفلسفي عربيا، إنها السبيل الوحيد إلى حفظ روحها: أن نبقى قادرين على الدهشة أمام ما يبدو بديهياً.
ثقافة واحدة أم ثقافات متنوعة؟
يتجه جزء من البحث الحديث إلى وضع فوكو في حوار مع ثقافات الشعوب الأصلية والثقافة ما بعد الاستعمارية، وليس المقصود تعويض مفاهيمه بغيرها، بل أن نجعل التواريخ تتحاور بدل أن تتراكم فوق بعضها، اذا يمكننا استحضار مفاهيم لذلك، من قبيل التواريخ المتقابلة، وعلم الاجتماع المتصل، ومفهوم الاستعمار، حتى نخرج من الأسر الذي تفرضه المقولات الحداثية على نفسها، وفي هذا المنظور تغدو المقاومة تجربةً تنتج النظرية، لا مجرّد مادة تُطبَّق عليها نظرية جاهزة، كما أنه للأركيولوجيا في هذا الأفق ثلاث مهام جديدة:
1/ أن تتعدّد الثقافة، فلا يكون للحداثة قبْليٌّ تاريخي واحد، بل طبقات تتجاور وتتصارع بحسب الأمكنة.
2/ أن تلاحق حركة المعارف عبر الحدود، فالمعرفة الاستعمارية لم تُصنع في عواصم أوروبا وحدها، بل في ذهاب وإياب بين المركز والأطراف، وما يسمّونه «الأرشيف الأوروبي» يحمل في ثناياه آثار ذلك التبادل غير المتكافئ.
3/ أن تنصت إلى الأرشيفات المضادة: أصوات المهزومين والمقهورين والمعذبين، والمعارف التي أُسقطت من سلّم الاعتبار، وتقاليد في العقل لم تنشأ في الغرب.
وللقارئ عربي أن يرى في هذا دعوة مباشرة، فتراثنا ليس مخزناً للأفكار نستخرج منه ما نشاء، بل هو أيضاً نظامٌ من العبارات له شروطه وقواعده وأقنعته، وقد حاول محمد أركون والجابري وغيرهما، كلٌّ على طريقته، أن يضعوا العقل العربي الإسلامي موضع السؤال، لكن المهمة ما زالت مفتوحة، نحتاج إلى أن نقرأ تراثنا بمنطقه الداخلي، وبما يختلف عن أوروبا، لا بوصفه مرآةً لها ولا نقيضاً.
لأن الأركيولوجيا التي نبتغيها هي التي تحفر هناك بالصبر نفسه الذي تحفر به في كل مكان.
وليس هذا كله تقليلاً من فوكو، بل هو وفاء لروح عمله، فقد كان يردّد أن كتبه صناديق أدوات: خذوا منها ما ينفع، واتركوا ما سواه..
الصلح بين الحفريات والنسبية
اعتاد الدرس الجامعي أن يقسم فوكو إلى فوكويين: فوكو الأركيولوجي البنيوي، وفوكو النسبي صاحب السلطة، كأن الثاني جاء ليحجر الأول، بينما النصوص التي ظهرت في السنوات الأخيرة تجعل هذا الفصل صعب الاحتمال، ربما درس تونس الذي ألقاه فوكو في أواخر الستينيات عن مكان الإنسان في الفكر الغربي الحديث يُظهر أنه كان يعمل على نقد النزعة الإنسانية قبل أن يستقر كتابه «الكلمات والأشياء» في أذهان القرّاء، أما «اعترافات الجسد»، آخر الأجزاء الصادرة بعد موته، فتبحث في تشكّل الذات المسيحية، وتجمع في صفحاتها طريقتي التحليل معاً دون حاجز بينهما، هذا يعني أن الأركيولوجيا ليست مرحلةً سبقتنا ثم طُويت، إنها النحو الذي تتحدث به النسبية، فهي تصف القواعد التي تجعل قولاً ما يُحسب حقيقةً، وتسأل النسبية بعدها: أي علاقات قوة تسند هذه القواعد، وأي مقاومات تتربّص بها؟ بينما نظام الحقيقة، حين نمعن النظر فيه، هو في آن واحد قواعدُ لغة وميدانُ معركة، ومن عزل أحد الوجهين عن الآخر خسر الاثنين.
خوارزمية الأرشيف
عرّف فوكو الأرشيف بأنه النظام الذي يحكم ظهور العبارات، أي القانون الذي يقرّر ما يُقال وما لا يُقال، ونحن كعرب إذا قرأنا هذا التعريف اليوم، لم نستطع ألّا نفكّر في نماذج اللغة الكبرى التي تملأ حياتنا. إنها، بالمعنى الدقيق، منظومات من المصفوفات الكلامية: تحدّد المقول قبل أن يتكلّم أحد، فما أقرب فكرة الأرشيف الفوكوي من هذه الآلات، وما أشد حاجتنا إلى أركيولوجيا جديدة تفحص «بنى المقول التحتية»، وهذه أسئلة من طراز جديد، من قبيل: ما البيانات التي تغذّي هذه النماذج، ومن اختارها؟ وأي استبعاد يعيد التصنيف الآلي إنتاجه بهدوء؟ ومتى تحلّ الاحتمالية الإحصائية محلّ حقيقة تُناقَش وتُحاجَج؟ كما لا يكفينا أن نسأل عن الخطاب وحده، إذ للمعرفة اليوم جسدٌ مادي: مراكز بيانات ضخمة، وطاقة تُستهلك، ومعادن تُستخرج من باطن الأرض (السيليكون، زجاج السيليكون التقي، البورون، الكوبالت، الليثيوم، النحاس والغاليوم) وماهنالك من تصنيف للصور والنصوص. وبهذا تكتسب الأركيولوجيا بعداً بيئياً ومادياً لم يتوقعه فوكو، لكن منهجه قادر على استيعابه، لأنه منذ البداية يسأل عمّا تقوم عليه الأشياء قبل أن يسأل عمّا تقوله.
من يحفر في المعرفة؟
آخر المسارات هو الأكثر حميمية. فالقراءات المعاصرة تلحّ على أن فوكو لم يترك نظريةً مكتملة، بل ترك «صندوق أدوات» ينبغي اختباره في ميادين جديدة: القانون، والطب، والهجرة، والسجن والاقتصاد والتعليم والاعلام والحروب، بل حتى الاحتفالات الرسمية في هذه الذكرى تتحدث عن حيوية الإرث وقدرته على مساءلة الحاضر، ولا تكتفي بالتبجيل، ما يعني أن الأركيولوجي لا يقف فوق أراضي المعارف التي يفحصها، فلغته ومؤسسته وجنسه وانتماؤه كلها جزء من الأرشيف الذي يدرسه.
وبالتالي ترتكز الأركيولوجيا المتجدّدة على ثلاثة مرتكزات:
1) أن يُفصح الباحث عن موقعه، فيقول من أين يتكلّم،
2) أخلاقية الوصف: ألّا نتكلّم بإسم من ندرسهم، وألّا نحوّل صمتهم إلى مادة لبلاغتنا،
3) استعمال نقدي للحاضر؛ فنحن لا نفتح الماضي حباً في الغبار، بل لنعرف ما الذي في زمننا يمكن ألّا يبقى على ما هو عليه.
ما بعد منهج فوكو
لعلّ أنفع ما نفعله بعد مئة عام أن نناقش فوكو بمنهج جديد، عبر تجاوز نظرته مع الصبر أمام شروط إمكان الحقيقة، وزحزحة أفقها، بحيث لن تصبح الأركيولوجيا المعرفية علماً بالطبقات، بل ستصير ممارسة انتباه: طريقة في مساءلة الأرشيف حتى يكفّ الحاضر عن اعتبار نفسه بديهيةً. والأكيد أننا لن ننتصر على البداهة مرةً واحدة، فهي تعود في كل جيل بوجه جديد، لكن يمكننا أن نتعلّم كيف نتعرّف إليها ساعة تعود. وهذا، فيما أظن، أنفع ما تركه لنا ذلك الفيلسوف الأصلع الذي كان يضحك كثيراً، ويحفر طويلاً، ولا يحبّ أن يقف حيث ينتظره الناس..!!
***
مراد غريبي
.....................
1- أكثر ممالك افريقيا الوسطى التي لديها طقوس الملوك المقدسين








