عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: العقلانية النقدية ومعيار القابلية للدحض

في فلسفة كارل بوبر للمعرفة العلمية

ظل العلم منذ أن أصبح النموذج الأبرز للمعرفة التي يطمح الإنسان من خلالها إلى فهم العالم محاطا بمفارقة لم يفقد التفكير الفلسفي انشغاله بها، كيف يمكن لمعرفة لا تستند إلى يقين نهائي أن تنتج قوانين قادرة على تفسير الظواهر والتنبؤ بها وأن تؤسس في الوقت نفسه لتدخل تقني بالغ الدقة في الطبيعة؟ فالعلم لا يتعامل مع وقائع منفردة فحسب، وإنما يتجاوزها إلى صياغة قوانين عامة تتحدث عن ما لم يلاحظ بعد، الأمر الذي يجعل الانتقال من التجربة المحدودة إلى الحكم الكلي أحد أكثر مواطن الإحراج في نظرية المعرفة العلمية.

وقد بلغ هذا الإحراج ذروته مع ديفيد هيوم حين وضع الاستقراء أمام حدوده المنطقية حيث لا يمكن لعدد لا نهائي من الوقائع الجزئية أن يمنحنا بصورة استنباطية يقينا بقانون كلي. فكون الطبيعة قد تصرفت على نحو معين في الماضي لا يتضمن من الناحية المنطقية أنها ملزمة بأن تكرر السلوك نفسه في المستقبل. ومنذ ذلك الحين لم تعد مشكلة الاستقراء مجرد مسألة تقنية في المنهج العلمي بل أصبحت سؤالا يتعلق بمشروعية المعرفة العلمية نفسها، أي بأي معنى نستطيع أن نعد القوانين العلمية معرفة إذا كان المبدأ الذي يسمح بالانتقال من المشاهد إلى غير المشاهد لا يمكن تبريره تبريرا نهائيا؟

يظهر كارل بوبر في هذا السياق بوصفه أحد أبرز الفلاسفة الذين حاولوا إعادة صياغة المشكلة بدل البحث عن حل تقليدي لها، فهو لا يسعى إلى إنقاذ الاستقراء بإضافة مزيد من الأدلة أو بتحويل اليقين إلى مجرد احتمال، وإنما يرفض أن تكون مهمة المنهج العلمي هي إثبات صدق النظريات أصلا. فالنظرية العلمية في نظره لا تكتسب قيمتها من عدد الوقائع التي تؤيدها وإنما من قدرتها على الدخول في مواجهة حقيقية مع التجربة؛ أي من استعدادها لأن تحدد بصورة واضحة ما الذي يمكن أن يكشف خطأها. ومن هنا تتبلور فكرة القابلية للدحض باعتبارها محاولة لإقامة حد فاصل بين المعرفة العلمية وأشكال القول التي لا تسمح من حيث المبدأ بأي اختبار يمكن أن يعارضها.

غير أن هذه الفكرة على ما تنطوي عليه من قوة فلسفية ومنهجية لا تخلو من مشكلات عميقة، فهل يكفي أن تكون النظرية قابلة للدحض حتى تكون علمية؟ وهل يحدث الدحض فعلا بين نظرية منفردة وواقعة تجريبية مستقلة عنها أم أن الملاحظة نفسها مشروطة بجملة من الافتراضات والنظريات المساعدة؟ ثم ماذا يحدث لمعيار القابلية للدحض أمام تاريخ العلم الفعلي حيث لم يكن العلماء يتخلون دائما عن النظرية عند أول نتيجة مخالفة وحيث أسهمت تعديلات الفروض المساعدة أحيانا في إنقاذ نظريات كبرى وقادت في حالات أخرى إلى طرق مسدودة؟ وإذا كان بوبر قد جعل النقد أساسا للعقلانية فهل استطاع أن يمنح هذه العقلانية أساسا لا يقع بدوره في المشكلة التي حاول تجاوزها؟

تنبع أهمية هذه الأسئلة من أن مشروع بوبر لا يقتصر على اقتراح معيار تقني للتمييز بين العلم واللاعلم، بل يعكس تصورا أوسع لطبيعة العقلانية والمعرفة. فالعقل وفق هذا التصور لا يكون عقلانيا لأنه يمتلك حقيقة نهائية أو أساسا يستحيل الشك فيه، وإنما لأنه يقبل بإمكان الخطأ ويجعل من النقد عنصرا بنيويا في إنتاج المعرفة. ولذلك فإن فحص معيار القابلية للدحض لا ينبغي أن ينتهي بمجرد إثبات قصوره بل يقتضي التساؤل عما إذا كان هذا القصور يهدم العقلانية النقدية أم يكشف على العكس عن عمقها الحقيقي.

وعليه، يسعى هذا المقال إلى قراءة مشروع بوبر قراءة نقدية تتجاوز اختزال فلسفته في شعار «القابلية للدحض»، من خلال تتبع الجذور الإبستمولوجية للمشكلة والوقوف عند محاولة بوبر تجاوز معضلة الاستقراء ثم فحص المعيار في ضوء الاعتراضات التي أثارتها فلسفة العلم المعاصرة ولا سيما مشكلات القضايا القاعدية وشبكة الفروض المساعدة وتاريخية الممارسة العلمية. والغاية من ذلك ليست إصدار حكم متسرع على مشروع بوبر، وإنما التمييز بين ما لم يصمد في بنائه المنطقي وما ظل محتفظا بقيمته الفلسفية، أي ذلك الإصرار على أن المعرفة لا تتقدم بحماية معتقداتها من النقد وإنما بإبقائها مفتوحة على احتمال الخطأ والتصحيح.

ولم تأتِ مشكلة الاستقراء إلى بوبر من كتب المنطق وحدها، فقد جاءته من حادثة في تاريخ العلم هزت ما كان يُظن راسخا. إذ ظلت فيزياء نيوتن قرابة قرنين ونصف تبدو أنجح ما بلغه العقل البشري حتى توهم كثيرون أنها لم تعد نظرية تقبل المراجعة وأنها صارت وصفا نهائيا للعالم. وبلغ هذا الوهم من الرسوخ أن كانط وهو الفيلسوف الذي أخذ كلام هيوم مأخذ الجد كما لم يأخذه أحد، ذهب إلى أن المبادئ التي تقوم عليها هذه الفيزياء ليست مستخلصة من التجربة بل هي بنى قبلية في الذهن تجعل التجربة ممكنة قبل أن نتلقاها ومن ثم فهي ضرورية وكلية. فلما أُعلن في خريف عام 1919 أن بعثة إدنغتون التي رصدت كسوف الشمس في مايو من تلك السنة وجدت الضوء القادم من النجوم يميل قرب قرص الشمس على نحو يوافق النسبية العامة ويخالف حساب نيوتن، لم يسقط بذلك قانون من قوانين الفيزياء وحده وإنما اهتزت معه صورة كاملة للمعرفة اليقينية. فإن كان أقوى ما صاغه العقل من قوانين قد تبين أنه قابل للخطأ فبأي حق نسمي ما بقي بعده معرفة؟

وقد تعددت الأجوبة عن هذا الموقف الجديد، لكنها تقاربت في افتراض واحد. فالوضعيون المناطقة في حلقة فيينا وكان بوبر قد عاصرهم وخالفهم، جعلوا معنى القضية رهنا بإمكان التحقق منها بالخبرة، فلما تبين لهم أن القوانين الكلية لا تتحقق تحققا تاما خففوا المطلب، وتحدثوا عن درجات التثبيت والاحتمال، وهي الوجهة التي سار فيها كارناب. وظل الفريقان على ما بينهما من تباعد يعتقدان أن مهمة المنهج العلمي أن يمنح النظرية سندا يبرر قبولها يقينا كان ذلك السند أو احتمالا. وهذا الافتراض الصامت هو الذي سيتجه إليه بوبر.

وفي تراثنا موضع يشبه هذا السؤال شبها يغري بالمقارنة ويستحق أن يقابَل بالحذر. فالغزالي في المسألة السابعة عشرة من «تهافت الفلاسفة» يعرض احتراق القطن عند ملاقاة النار ويقرر أن الاقتران بين ما يُظن سببا وما يظن مسببا ليس لازما عقلا وأن ما نشاهده لا يدل إلا على الاقتران، أما كونه منه فلا دليل عليه وهو بذلك يفتح الباب لجواز خرق العادة. ويرد ابن رشد في «تهافت التهافت» بأن إنكار الأسباب الفاعلة إبطال للعلم نفسه إذ لا تحصل المعرفة بالشيء إلا بمعرفة سببه. غير أن المقصد عند الغزالي كلامي في الأصل يصون به القدرة الإلهية المطلقة ولا يمتحن الاستدلال التجريبي والمنزع عند ابن رشد أرسطي يجعل السببية شرطا للمعرفة فلا يصح أن نسمي هذا الجدل سلفا مباشرا لمشكلة هيوم. ما يستفاد منه أن الحيرة بين الانتظام المشاهد وضمانه سؤال قديم لم يبتكره هيوم وإنما غيّر موضعه في الفلسفة وأن بوبر لا يقف في هذا الجدل مع أحد الطرفين: فهو لا يقبل من ابن رشد أن العلم معرفة بالضرورات ولا ينتهي مع الغزالي إلى العادة وإنما يغير ما نطلبه من العلم أصلا.

وقد بدأ هذا التحول من ملاحظة منطقية بسيطة في ظاهرها. فالقضية الكلية مثل «كل البجع أبيض»، لا تنتج من أي عدد من الحالات المؤيدة، لأن ما لم نفحصه يظل أكثر مما فحصناه مهما بلغ الأخير، لكنها تسقط بحالة واحدة مناقضة. وهذا التفاوت بين عجز الإثبات وقدرة النقض ليس عادة نفسية ولا عرفا من أعراف الباحثين بل علاقة استنباطية صرفة. فرأى بوبر أن العلم يستطيع أن يسير على هذا الجانب الوحيد المأمون من المنطق فيقترح القانون اقتراحا جريئا ثم يبحث عما يسقطه فلا يحتاج إلى مبدأ استقرائي يفتقر بدوره إلى تبرير. فالنظرية في تصوره تخمين والتجربة ليست مصدرها وإنما محكمة تُعرض عليها بعد نشأتها. أما التعود على التكرار الذي يسميه علماء النفس استقراء فشأن من شؤون النفس لا يمس مسألة المنطق.

ومن هذه النقطة صاغ بوبر معيار التمييز وقد كان أول ما أقلقه في شبابه أن بعض المذاهب التي افتُتن بها معاصروه كماركس وفرويد وأدلر لا تعجز عن تفسير واقعة، فإن أحسن الرجل إلى جاره فسرها الفرويدي بوجه وإن أساء إليه فسرها بوجه آخر وفي الحالين تبدو النظرية مؤيدة. وفي مقابل ذلك وضع آينشتاين نظريته على حافة الخطر، فكان يكفي أن تأتي ملاحظة واحدة بخلاف تنبؤه لتسقط. فما بدا ميزة في المذاهب الأولى وهو أنها تفسر كل شيء رآه بوبر عيبا قاتلا لأن ما لا يحظر شيئا لا يخبر بشيء. وكلما حظرت النظرية عددا أكبر من الوقائع الممكنة زاد مضمونها التجريبي وزادت مخاطرتها، وتلازمت عنده الجرأة والقيمة المعرفية. وإذا نجت النظرية الجريئة من محاولات صادقة لإسقاطها فلا يقول إنها ثبتت بل يقول إنها تعززت أي إنها صمدت حتى الآن حيث ربما لم تصمد منافساتها. فهو لم يستبدل يقين الاستقراء بيقين الدحض لأن غاية ما يفيدنا الدحض أن ما ظنناه صحيحا لم يعد صالحا للاعتماد عليه.

وقد جاوز بوبر بهذا المعيار الغاية المنهجية إلى ما هو أعمق، فالفلسفة التقليدية كما نبه كانت تبحث عن نقطة تتوقف عندها سلسلة التبريرات، فإن طُلب الدليل على اعتقاد وقعنا بين ثلاث: تراجع لا ينتهي في الأسباب أو دور في حلقة مغلقة أو وقوف عند نقطة تُفرض فرضا وتُمنح حصانة لا تستحقها وهي المعضلة التي سماها هانز ألبرت لاحقا ثلاثية مونخهاوزن وكان بوبر قد ناقش صورتها عند فريس. فكان الجواب القديم يختار المخرج الثالث متنكرا في ثوب اليقين الحسي أو الحدس العقلي. أما بوبر فرفض أن تكون العقلانية رهن أساس أخير وجعلها استعدادا دائما لعرض كل موقف على النقد فلا يكون العقل عقلانيا لأنه يملك حقيقة لا تقبل الشك بل لأنه يقبل إمكان الخطأ ويجعل النقد جزءا من بنيانه.

لكن المعيار ما إن يغادر أمثلة المنطق إلى المختبر حتى يفقد بساطته وأول ما يعترضه ما يتعلق بالقضايا القاعدية، وهي الأقوال الجزئية التي نقر بها لنقول إن نظرية قد خولفت كقولنا إن هذا الطائر الذي أمامنا بجعة وإنه أسود. فبوبر يقيم الدحض على هذه القضايا لكنه يعترف بأنها لا تثبت ثبوتا مطلقا لأن كل ملاحظة تجري في ضوء نظرية ولأن فهم القول الجزئي يستدعي لغة كلية وافتراضات في الأجهزة وظروف القياس. فهو يقبلها بقرار يتخذه الباحثون بعد نظر في قابليتها للفحص ويبقى هذا القرار مفتوحا لمراجعة لاحقة إن طُعن فيه. وقد شبه بنيان العلم بعمارة تقوم فوق مستنقع تُدق أعمدتها في الأرض حتى تصلح لحمل البناء لا حتى تبلغ صخرا يستند إليه. والتشبيه بليغ غير أنه يكشف عما يترتب عليه، فالدحض الذي أريد له أن يكون ضربة منطقية حاسمة ينتهي إلى أن يتوقف على اتفاق بشري لا يستطيع المنطق وحده أن يفرضه وبذلك يعود عدم اليقين الذي طُرد من باب النظرية من باب الملاحظة.

ويتضاعف الإشكال حين نذكر ما نبه إليه دوهيم في مطلع القرن العشرين وعممه كواين بعد منتصفه، وهو أن التجربة لا تواجه نظرية منفردة وإنما تواجه شبكة تتصل فيها النظرية بفروض مساعدة تتعلق بالأجهزة والشروط الأولية والنظريات المجاورة. فإن جاءت النتيجة بخلاف المتوقع فلا يدلنا المنطق على الحلقة التي ينبغي أن تُكسر. وقد عرض تاريخ الفلك هذا الغموض في مثالين متقابلين. فحين اضطرب مدار أورانوس لم يتخلَّ الفلكيون عن ميكانيكا نيوتن، بل افترضوا جرما مجهولا يجذبه فأفضى الحساب إلى اكتشاف نبتون عام 1846 وكان الفرض المساعد هنا ثمرة لقدرة النظرية على التنبؤ. وحين ظهر شذوذ في حركة عطارد سلك لوفريي الطريق نفسه وافترض كوكبا سمي فولكان فلم يُعثر عليه وبقي الشذوذ حتى فسرته النسبية العامة تفسيرا مغايرا. فلم يكن السؤال إذن هل تُعدَّل النظرية عند اصطدامها بالواقع فهي تُعدَّل قطعا وإنما كيف يكون التعديل مقبولا.

وقد أدرك بوبر هذه العقبة فحذر مما سماه الحيل التواضعية أي التعديلات التي لا غرض لها إلا أن تصرف الدحض عن النظرية واشترط في الفرض المساعد أن يزيد النظرية قابلية للاختبار لا أن ينقصها. وهو شرط وجيه لكنه يحيلنا إلى حكم لا تحسمه القاعدة الصورية، متى يكون التعديل قد فتح للنظرية مجالا جديدا ومتى اكتفى بترميمها؟ إن الجواب يقتضي معرفة بالنظرية وسياقها وما أنتجته من تنبؤات أي نظرا علميا وتاريخيا يقوم فيه الاجتهاد مقام ما أراد المنطق أن يقوم به، وبذلك ينتقل المعيار من ميزان آلي إلى مبدأ يهدي الحكم.

ومن هذا الانتقال تتفرع المشكلة الثالثة وهي علاقة المعيار بالممارسة العلمية كما جرت في التاريخ، فتوماس كون رأى أن العلماء في أغلب أيامهم يعملون داخل نموذج إرشادي مستقر ويحلون ألغازا يعترف بها مجتمعهم العلمي ولا يعدون كل شذوذ إسقاطا للأصول التي يعملون بها بل يعالجونه ويؤجلونه ولا يتزعزع النموذج إلا حين تتراكم الشذوذات وتتوافر بدائل مقنعة. وقد ردّ بوبر بأن العالم الذي يقيم في نموذج لا ينقده يخون روح العلم وبأن العلم الذي يتحول إلى مؤسسة يطمئن فيها الباحثون إلى المسلّمات يفقد ما يميزه. وبين الرجلين خلاف في الغاية قبل أن يكون خلافا في الوقائع، فبوبر يريد معيارا لما ينبغي أن يكون عليه العقل العلمي وكون يصف ما يجري فعلا. وجاء لاكاتوش فحاول أن يحفظ جوهر الفكرة البوبرية ويستوعب درس التاريخ فجعل وحدة التقويم برنامج بحث له نواة صلبة وحزام من الفروض القابلة للتعديل وحكم على البرنامج بأنه تقدمي إن أفضت تعديلاته إلى تنبؤات جديدة تأيدت وبأنه متراجع إن اقتصرت على تدارك ما انهار فلم يعد العالم محاسبا عند لحظة الاختبار وصار المسار كله هو الذي يُحاسَب على مدى زمني. وأما فيرابند فتجاوز الجميع حين أنكر أن في العلم منهجا يصلح لكل مقام. ويمكن أن يُقرأ هذا المسار على أنه تضييق متوالٍ على ثقة العقل بقواعده ويمكن أن يُقرأ على أنه امتداد لبوبر نفسه إذ طُبّق فيه النقد على معيار النقد.

وإذا عدنا إلى السؤال الذي بدأنا به هل يكفي أن تكون النظرية قابلة للدحض حتى تكون علمية تبين أنه لا يتحمل جوابا واحدا. فالقابلية للدحض شرط لازم لكنها غير كافية. إذ يقدم التنجيم أحيانا تنبؤات محددة، فهو قابل للدحض وقد دُحض فعلا ومع ذلك لا يُعد علما لأن أصحابه لم يتخلوا عنه حين دُحض. فالمعيار لا يسأل عن شكل النظرية وحدها وإنما عن موقف أصحابها منها أيضا. ومن جهة أخرى لا يصلح المعيار حدا مانعا من غير حرج فالقضية الوجودية مثل «يوجد كوكب لم نكتشفه»، لا تُدحض بإخفاق بحث محدود وهي مع ذلك عمدة في اكتشافات عدة. وقد دل بوبر نفسه على هذا الحرج حين وصف الداروينية في إحدى مراحل تفكيره بأنها برنامج بحث ميتافيزيقي لعسر تحديد ما يكذبها ثم عدل عن ذلك وأقر بأن الانتخاب الطبيعي قابل للاختبار وإن كان اختباره أدق من الأمثلة المدرسية. وهو رجوع لا يضعف موقفه بقدر ما يبين أن الاحتكام إلى المعيار عمل يحتاج إلى فقه بالنظرية المفحوصة لا خوارزمية تعطي جوابا آليا.

ويبقى إشكال أخير هو الأكثر خفاء، فإذا كان العلم لا يثبت صدق نظرياته فبأي حق نقول إنه يتقدم؟ أراد بوبر أن يتجنب القول بأن تاريخ العلم مجرد تعاقب أخطاء، فاقترح مفهوم الاقتراب من الحقيقة ليقول إن نظرية آينشتاين أقرب إليها من نظرية نيوتن، ثم بيّن ديفيد ميلر وبافل تيشي عام 1974 أن الصياغة المنطقية التي قدمها لهذا المفهوم لا تصح إذا كانت النظريتان المقارنتان خاطئتين معا وهي الحالة التي تهمنا. فبقيت فكرة التقدم وهي ضرورية لفهم العلم بلا تحديد صوري يطمئن إليه وإن بقيت لدينا أسباب تاريخية وعلمية قوية للاعتقاد بأن نظرية لاحقة أفضل من سابقتها.

فهل يعني هذا كله أن العقلانية النقدية قد هُدمت؟ لا أحسب ذلك. فقد رأى وليم بارتلي أن العقلانية النقدية إن اختيرت بقرار لا يسنده نقد ثبّتت في العقل موضعا محصنا يناقض مبدأها وكان جوابه أن يُوسَّع النقد حتى يشمل العقلانية ذاتها فلا يبقى شيء محصنا حتى هذا المبدأ، وهكذا لا تضمن العقلانية نفسها من خارجها وإنما تقوم على استعداد لاحتمال الخطأ وتأمل الاعتراضات التي مرت بنا يبين أن كلا منها نقد أي مثال حي على ما أراده بوبر وأن مشروعه انتُقد بالطريقة التي رسمها لنفسه فلم تنقضه الاعتراضات وإنما أثبتته. وربما كان في الخلق العلمي الذي وصفه ابن الهيثم في «الشكوك على بطلميوس» ما يشبه هذه الروح حين قرر أن طالب الحق لا يحسن الظن بكتب المتقدمين بل يجعل نفسه خصما لما ينظر فيه ويتهم ظنه عند الفحص ويحتكم إلى الحجة والتجربة. وليس هذا قولا بالقابلية للدحض فلا نجد عند ابن الهيثم تمييزا للعلم بهذا الشرط لكن الصرامة مع ما يحب الباحث من أفكار هي الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه العقلانية النقدية ولا تستغني عنه.

ولم يبق بوبر حبيس نظرية المعرفة ففي «المجتمع المفتوح وأعداؤه» نقل المبدأ نفسه إلى السياسة، إذا كان البشر عرضة للخطأ فخير المؤسسات ما أتاح تصحيح الأخطاء دون إراقة دماء ومكن من إزاحة الحاكم السيئ بغير ثورة. والصلة بين الميدانين ليست تشبيها بل وحدة في الرؤية، أي أن الحقيقة لا يملكها فرد ولا جماعة وأن ما يقبل الاختبار والمراجعة أحق بالثقة مما يحتمي بالسلطة.

فماذا بقي إذن؟ بقي أن المعيار بوصفه قانونا منطقيا مكتفيا بذاته يفصل العلم عن غيره فصلا حادا لم يصمد، فالقضايا القاعدية قرارية والدحض لا يصيب نظرية بمفردها والتقدم لا يقبل التعريف الذي أراده له. لكن ما عاش من مشروع بوبر ليس من جنس ما سقط، فالأول يدعي صرامة صورية والثاني موقف من المعرفة فحواه أن العلم ينمو بما يتيحه من اعتراض الواقع عليه وأن اليقين ليس شرط العقلانية وأن الخطأ إذا اكتُشف لا يهدم المعرفة بل يغذيها. ومن بوبر يمكن أن نأخذ درسا لا يتخذ صورة القاعدة بل صورة العادة الذهنية، وهي أن نسأل أنفسنا كلما اطمأننا إلى رأي عن الواقعة التي كان يمكن أن تقنعنا بخلافه وأن نرتاب في كل فكرة بلغ من إحكامها أنها لا تترك للتجربة مدخلا. وقد أخفق بوبر في أن يجعل هذه العادة قانونا لكنه نجح في أن يجعلها معيارا للأمانة العقلية. وفي ذلك ما يكفي لأن يبقى في قلب فلسفة العلم لا لأنه حسم المسألة بل لأنه جعل عدم حسمها جزءا من المعرفة.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم