عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مراد غريبي: الهوية بوصفها إبداع للمعنى

مفتتح: في حديثٌ عن الهوية في وعينا العربي والإسلامي المعاصر لابد من العودة إلى ما أثاره الأستاذ عماد خالد رحمة في مقاله بصحيفة «المثقف»، تحت عنوان: «الهوية بين أسر الماضي واستلاب الآخر» (04 تشرين الأول/أكتوبر 2026)1، حيث وضع الأستاذ رحمة يده على مفصلٍ دقيق، مفصل العلاقة بين الذاكرة والسلطة، بين الأصالة والانفتاح، بين ما نرثه وما نبدعه.

ولئن كان مقاله دعوةً إلى اليقظة النقدية، فإنّه كان أيضًا إيماءةً إلى أن الهوية ليست قدرًا يُورَّث، ولا شعارًا يُرفَع، بل مشروعٌ مفتوحٌ يتطلب شجاعة المراجعة، وقدرة على إنتاج المعنى من داخل التجربة التاريخية ومن خلال الحوار مع الآخر.

من هنا، تأتي هذه المقالة امتدادًا لتلك الإشارة، واستكمالًا لذلك السؤال: كيف يمكن للهوية أن تصير إبداعًا للمعنى، لا مجرد امتثالٍ للماضي أو محاكاةٍ للآخر؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على استمراريتها التاريخية دون أن تتحوّل ذاكرتها إلى سلطة مغلقة؟

من المسائل التي تفرض نفسها على الوعي العربي والإسلامي المعاصر، مسألةُ الهوية؛ لا لأنها مسألة نظرية تُطرح في دواوين الفكر وتُناقش في الحلقات الأكاديمية فحسب، بل لأنها مسألة وجودية تمسّ علاقة الذات بماضيها، وبالآخر، وبالإمكانات التي يفتحها الحاضر، فالهوية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا ذاكرة تُستدعى عند الحاجة، ولا هوية سياسية تُستنفر عند الأزمات والانتخابات؛ إنها، في جوهرها، قدرة الذات على فهم نفسها، واختيار ماضيها، والمشاركة في إبداع حاضرها ومستقبلها.

غير أنّ هذه المسألة تظل معلّقة بين تيارين متقابلين: تيار يرى في التمسك بالماضي ضمانًا للأصالة، وتيار يرى في الانفتاح على الآخر شرطًا للحداثة. وفي الحالتين، تُختزل الهوية إلى شيء أقل من كونها مشروعًا حيًا: ففي الحالة الأولى تصير ذاكرةً مغلقة، وفي الحالة الثانية تصير نسخةً من غيرها. والمطلوب، إذن، ليس الاختيار بين الماضي والآخر، بل تجاوز الثنائية التي تجعل منهما نقيضين لا يلتقيان.

-1-

كيف نعي الهوية؟

تنبثق الإشكالية من سؤال مركزي: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على استمراريتها التاريخية دون أن تتحول ذاكرتها إلى سلطة مغلقة؟ وكيف يمكنها أن تستفيد من المنجز الإنساني دون أن تفقد قدرتها على إنتاج معرفتها وسرديتها الخاصة في ظل صراع السرديات؟

بعبارة أخرى: ما الشروط الفلسفية والثقافية والمؤسسية التي تجعل من الهوية مشروعًا مبدعًا للمعنى، لا مجرد امتثالٍ للماضي أو محاكاةٍ للآخر؟

نفترض عبر هذه الإشكالية فرضيتين مترابطتين:

- الأولى: إنّ أزمة الهوية لا تنبع من الارتباط بالتراث أو الانفتاح على الآخر في ذاتهما، بل من تحوّل التراث إلى سلطة تُغلق باب السؤال، وتحوّل الآخر إلى معيار مطلق يُقاس به نقص الذات.

- الثانية: إنّ تجاوز هذه الأزمة يتطلب الانتقال من الهوية الموروثة إلى الهوية الإبداعية؛ وهي هوية تمارس التأويل النقدي للتراث، وتستوعب التجربة الإنسانية بوعي، وتنتج معرفةً وسياساتٍ وخطابًا ثقافيًا من داخل سياقها التاريخي.

-2-

حول الهوية والتراث

لا تُفهم الهوية بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل بوصفها بناءً تاريخيًا متجددًا. وقد قدّم ستيوارت هول إسهامًا حاسمًا حين انتقل من فهم الهوية بوصفها “ذاتًا حقيقية واحدة” إلى فهمها بوصفها موضعًا متحركًا داخل خطابات التاريخ والثقافة والسلطة؛ فالهوية عنده إنتاجٌ لا يكتمل، وتتحدد عبر التمثيل لا خارجَه.

ومن هنا، لا يُسأل فقط: من نحن؟ بل: كيف نتخيل أنفسنا؟ ومن يملك أدوات تسمية هذه التخيّلات؟ فالهوية ليست ما نرثه فقط، بل ما ننتجه من خلال اختياراتنا المعرفية والثقافية والسياسية.

أما التراث، فليس كتلة متجانسة، ولا حكمة جاهزة تُستدعى لإنهاء النقاش. إنه فضاء متعدد الطبقات، تشكّل في ظروف تاريخية محددة، وتداخلت فيه الاجتهادات والتناقضات والصراعات. ولذلك فإنّ إعادة تأويله لا تعني إخضاعه لأهواء الحاضر، بل التعامل معه بوصفه نتاجًا تاريخيًا قابلًا للفهم والحوار وإعادة البناء.

-3-

الماضي بوصفه سلطة

لا تكمن الأزمة في الارتباط بالماضي، بل في تحوّل الماضي إلى سلطة تُغلق باب السؤال. فالتراث، حين يُقدّس بدل أن يُفهم، يتحول من فضاء للجدل إلى مرجعية تُسقط على الحاضر أحكامًا جاهزة.

وهنا يظهر الفرق بين "الاستلهام" و"الاستنساخ"، الأول يستعيد روح التجربة التاريخية ليطوّرها، والثاني يحفظ قشرتها ويجمّدها، فقراءة ابن رشد، مثلًا، لا تعني تحويله إلى أيقونة تُستدعى للاحتفاء، ولا إلى مرجع نهائي يُستشهد به لإنهاء النقاش؛ بل تعني استعادة سؤاله عن العقل والوحي والمجتمع، واختبار شروط إنتاجه التاريخية، ثم سؤال ما يمكن أن ينتجه هذا السؤال في زمننا. بمعنى الوفاء للمفكر ليس تحنيط أفكاره، بل إحياء قدرتها على إزعاج اليقين وإعادة فتح الأسئلة.

-4-

الآخر مرآةً للنقص

أما الطرف الآخر من الأزمة، فهو التعامل مع الآخر بوصفه نموذجًا مكتملًا تُقاس به قيمة الذات، هنا لا يظهر الآخر شريكًا في الحوار، بل مرآةً يرى فيها المجتمع نقصه. وتتحول المعرفة من فعل نقدٍ واختيار إلى استهلاك للنماذج والمصطلحات والأدوات.

لكنّ الانفتاح لا يعني الذوبان. فالهوية، كما يذكر تشارلز تايلور، تتشكل عبر الحوار مع الآخرين؛ فالاعتراف ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطٌ في بناء الذات واحترامها.  غير أنّ هذا الحوار لا يكون ممكنًا إذا دخل أحد الأطراف بوصفه “نموذجًا” والآخر بوصفه “متلقيًا”.

-5-

الهوية عند الغرب

 1/ أوروبا: هابرماس وهونيث

قدم يورغن هابرماس إطارًا مهمًا لفهم الهوية بوصفها نتاج تواصلٍ حرٍ وقائم على الأدلة، لا نتاج فرضٍ أو تكرار. فالعقل التواصلي عنده ليس أداة للسيطرة أو الإنجاز، بل قدرة على بناء التفاهم المشترك عبر الحوار والجدل العقلاني.

ومن هذا المنظور، لا تُبنى الهوية الجمعية بالخطابة العاطفية أو فرض السردية الرسمية، بل عبر فضاء عام يسمح بتعدد الآراء، وبتقاضي الحجج، وبتصحيح الذات. كما أن فكرة "الوطنية الدستورية" عند هابرماس تفتح إمكانية لهوية مدنية قائمة على المشاركة والحقوق، لا على العرق أو الأصل أو الأسطورة التاريخية.

أما أكسل هونيث فيعيد الاعتراف إلى مركز نظريات الهوية والعدالة. فالذات، في نظره، لا تتشكل في عزلة، بل عبر علاقات متبادلة من الاعتراف: الحب في الفضاء الخاص، والحق في الفضاء القانوني، والتقدير الاجتماعي في فضاء التضامن.

ولهذا فإنّ الإقصاء الثقافي أو التهميش الرمزي ليس مجرد ظلم سياسي، بل اعتداء على قدرة الذات على فهم نفسها وتقدير ذاتها. ومن هنا، فإنّ الهوية المنتجة تتطلب مجتمعًا يعترف بالتنوع الداخلي، ولا يفرض صورة واحدة للهوية بوصفها الشرعية الوحيدة.

2- الولايات المتحدة الأمريكية: هول وتايلور وبابا

يرى ستيوارت هول أن الهوية الثقافية ليست حقيقة ثابتة تُستعاد من الماضي، بل عملية إنتاج مستمرة داخل التمثيلات الثقافية والسياسية.  وهذا يعني أنّ الهوية ليست ما نحفظه فقط، بل ما نعيد تأويله وإعادة توزيعه داخل خطابات الحاضر.

ويربط تشارلز تايلور بين الهوية والاعتراف والأصالة. فالهوية، عنده، تتشكل حواريًا؛ إذ لا يكتسب الإنسان فهمه لذاته إلا عبر علاقاته مع الآخرين ومعايير الاعتراف التي تمنحها له المجتمعات.  غير أنّ الأصالة عند تايلور ليست انغلاقًا على الذات، بل انفتاح على أفق المعنى يتطلب حوارًا مع الآخرين ومع التاريخ.

ويقدم هومي بابا مفهوم (الفضاء الثالث) بديلًا عن منطق الأصل والنقاء. فالثقافة، في نظره، ليست كتلة متجانسة تحفظ هويتها عبر العزل، بل مجال تفاعل وترجمة وتفاوض تنتج فيه المعاني أشكالًا جديدة لا تُختزل إلى أحد المصدرين.

وبذلك لا يعني التهجين فقدان الذات، بل التخلي عن وهم نقائها. فالعالم العربي لا يحتاج إلى اختيار بين التراث والحداثة، بل إلى إنتاج فضاء ثالث يعيد قراءة موروثه عبر مفاهيم العصر، ويقرأ مفاهيم العصر عبر تجربته التاريخية.

-6-

من الترجمة إلى إنتاج المعرفة

الترجمة ليست مجرد نقل ألفاظ من لغة إلى أخرى، بل فعل ثقافي يعيد بناء المفاهيم داخل سياق جديد. فالمجتمع الذي يترجم دون أن يناقش، ويستورد دون أن يختبر، يوسّع دائرة اطلاعه دون أن يوسّع قدرته على الإنتاج.

ولهذا فإنّ دفاع العربية عن نفسها لا يتحقق بالخطابة العاطفية، بل بقدرتها على أن تصبح لغة للفلسفة والعلوم والفنون والنقد. فاللغة التي تُستخدم في إنتاج المعرفة تكتسب حياة جديدة، بينما تتراجع حين تُحبس في الاحتفاء بماضيها.

-7-

رؤية تجديدية: الهوية الإبداعية

إنّ تجاوز أزمة الهوية يتطلب الانتقال من منطق الحفظ ومنطق المحاكاة إلى منطق "الإنتاج". فالهوية المنتجة لا تقاس بمدى تشابهها مع الماضي، ولا بمدى اقترابها من الآخر، بل بقدرتها على المبادرة، والاختيار، وإنتاج المعنى.

وتقوم هذه الرؤية على أربعة مبادئ:

1- التأويل النقدي للتراث: التعامل معه بوصفه مادة للفهم والحوار، لا صنمًا للتقديس.

2- الانفتاح الواعي على الآخر: استيعاب التجربة الإنسانية بوصفها شريكًا في المعرفة، لا معيارًا مطلقًا.

3- الاعتراف بالتنوع الداخلي: الاعتراف بأن الهوية ليست صوتًا واحدًا، بل فضاء تعددي يضم اختلافات الذكريات والتجارب والانتماءات.

4- المؤسسة المنتجة للمعنى: بناء مدرسة وجامعة وفضاء عام قادرين على تحويل الحرية الفكرية إلى ممارسة يومية.

مستخلص وتوصيات

إنّ الأزمة ليست في الماضي ولا في الآخر، بل في الطريقة التي نربط بها بينهما، فالماضي ليس قدرًا مغلقًا، والآخر ليس نموذجًا مطلقًا، والهوية ليست جوهرًا ثابتًا. إنها مشروع مفتوح، يتغذى من الذاكرة، ويتعلم من الاختلاف، ويختبر أفكاره في التجربة، ويعيد صياغة ذاته كلما اتسعت معرفته بالعالم وبنفسه.

وعليه، يمكن اقتراح التوصيات الآتية:

- إعادة بناء مناهج التعليم حول السؤال النقدي لا التلقين، بحيث يتعلم الطالب كيف يفكر، لا كيف يكرر.

- تطوير سياسات الترجمة بحيث تتحول من استهلاك النصوص إلى إنتاج المفاهيم والنقد وبناء المعرفة.

- إنشاء فضاءات عامة مستقلة تسمح بالحوار والاختلاف وتعدد القراءات للتراث.

- تشجيع البحث العلمي الذي يختبر النماذج المستوردة في ضوء السياقات المحلية، بدل تطبيقها بحذافيرها.

- إدماج مفهوم الاعتراف في السياسات الثقافية والتعليمية، بحيث يُعترف بالتنوع الداخلي للمجتمع لا بقمعه.

- إعادة تعريف الأصالة بوصفها قدرة على الإبداع من داخل التجربة التاريخية، لا استمرارية الأشكال القديمة.

- بناء شراكات ثقافية وعلمية قائمة على التبادل المتكافئ، لا على علاقة المركز والمحيط.

فالأصالة ليست أن نظل كما كنا، والحداثة ليست أن نصبح نسخة من غيرنا، الأصالة أن نمتلك شجاعة مراجعة ذاكرتنا، والحداثة أن نمتلك قدرة المشاركة في صناعة مستقبلنا. هكذا تتحول الهوية من عبء نحمله خوفًا من الفقدان، إلى طاقة ننتج بها المعنى؛ ومن سردية مكتملة تخشى الأسئلة، إلى مشروع إنساني يثق بأن الذات لا تفقد نفسها حين تتغير، بل قد تكتشف أعمق إمكاناتها حين تتحرر من الخوف من التغيير.

***

أ‌. مراد غريبي

........................

https://almothaqaf.com/aqlam-3/990230

في المثقف اليوم