عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر عبد زيد: من مركزية الدين إلى تمركز الإنسان

سؤال الكرامة عند عبد الجبار الرفاعي

ليست المشكلة دائمًا في المركز الذي نرفضه، وإنما في المركز الذي نحمله معنا ونحن نغادره.. قد نغادر مركزية الدين، ونقاوم احتكار النص للحقيقة، ونرفض أن تتحول العقيدة إلى سلطة على الإنسان، ثم نكتشف، بعد مسافة من السير، أننا لم نغادر منطق المركز أصلًا؛ كل ما فعلناه أننا نقلناه من موضع إلى موضع، ومن لغة إلى لغة، ومن سلطة تتكلم باسم المقدس إلى سلطة تتكلم باسم الإنسان. وهنا تبدأ المفارقة التي أظن أنها تستحق أن تُفتح داخل مشروع عبد الجبار الرفاعي في «الدين والكرامة الإنسانية»: هل يكفي أن نغيّر صاحب المركز لكي نتجاوز المركز، أم أن المطلوب أعمق من ذلك، أي أن نغيّر الطريقة التي يصير بها شيء ما مركزًا؟

هذا السؤال لا يأتي من رغبة في محاكمة مشروع الرفاعي من خارجه، ولا من رغبة في التقليل من القيمة الأخلاقية لنقل الإنسان من الهامش إلى دائرة الاعتبار، وإنما يأتي، على العكس، من أخذ هذا المشروع على محمل الجد؛ لأن المشروع الذي يطالب بتحرير الإنسان من سلطة الحقيقة المغلقة ينبغي أن يكون قادرًا، بالقدر نفسه، على تحرير نفسه من احتمال أن يتحول إلى حقيقة مغلقة. وهنا تكمن أهمية السؤال.

فالإنسان الذي أُهين باسم الدين، وقُمعت حريته باسم العقيدة، وصُودرت فرديته باسم الجماعة، واستُخدمت روحه مادةً لإعادة إنتاج السلطة، يحتاج بالفعل إلى أن يستعيد كرامته، لا بوصفها منحة تمنحها له مؤسسة أو عقيدة أو دولة، وإنما بوصفها قيمة ملازمة لوجوده الإنساني. وهذه من أقوى النقاط الأخلاقية التي يمكن أن يبدأ منها أي تفكير معاصر في الدين؛ أن يصبح الإنسان سابقًا على المؤسسة في الكرامة، وأن تصبح المؤسسة مطالبة بأن تبرر علاقتها بالإنسان بدل أن يكون الإنسان هو المطالب دائمًا بتبرير وجوده أمامها. لكن الفلسفة لا تتوقف عند قوة المبدأ الأخلاقية.

إنها تسأل عما يحدث عندما يتحول المبدأ الذي بدأ بوصفه أداة لتحرير الإنسان إلى معيار شامل يحاكم العالم كله.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: إذا كانت الكرامة هي المعيار الذي نختبر به إنسانية الدين، فمن الذي يختبر المعيار نفسه؟

ليس المقصود بالطبع التشكيك في قيمة الكرامة، ولا فتح الباب أمام إهانة الإنسان باسم نسبية القيم؛ وإنما المقصود اختبار البنية التي تتحول فيها قيمة ضرورية إلى مركز معياري، والمركز المعياري إلى سلطة، والسلطة إلى معيار يحدد ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون. فالمركز، في ذاته، ليس شرًا.

نحن نحتاج إلى مراكز في المعرفة والحياة؛ نحتاج إلى نقاط انتظام تساعدنا على الفهم، وقيم نعود إليها عندما تضطرب الأشياء، ومبادئ تمنح المجال الأخلاقي شيئًا من التماسك. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المركز إلى تمركز؛ أي حين لا يعود مجرد نقطة ننظر منها إلى العالم، بل يصبح النقطة التي تدعي أنها قادرة على تحديد العالم كله، وحين ينسى موقعه التاريخي والإنساني ويقدم نفسه باعتباره الموقع الطبيعي والمحايد والنهائي. وهذا هو الفارق الذي يبدو لي حاسمًا: المركز موضع، أما التمركز فهو ادعاء امتياز.

قد يكون الدين مركزًا في تجربة المؤمن، لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا المركز الوجودي إلى امتياز معرفي وأخلاقي يمنحه حق إخضاع الآخرين لمعياره.

وقد يكون الإنسان مركزًا في الأخلاق الحديثة، لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا المركز الأخلاقي إلى امتياز أنطولوجي يجعل العالم كله مجرد مادة لخدمة الإنسان.

وقد تكون الكرامة قيمة عليا، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى سلطة معيارية مكتملة تحدد وحدها صورة الإنسان الصحيح، والتدين الصحيح، والعلاقة الصحيحة بالعالم.

لهذا فإن الانتقال من مركزية الدين إلى مركزية الإنسان قد يكون تحررًا من مركز، لكنه لا يكون بالضرورة تحررًا من منطق المركز. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء أكثر حساسية.371 alrefaie

حين ينتقد الفكر الديني القديم لأنه جعل الإنسان تابعًا لحقيقة مكتملة قبله، فإنه يمارس فعلًا نقديًا مشروعًا؛ لكن الناقد نفسه قد يجد نفسه، من حيث لا يقصد، في موقع آخر: موقع من يمتلك معيار الحكم على ما هو «إنساني» وما هو «غير إنساني»، وعلى أي تدين يستحق أن يبقى وأي تدين ينبغي أن يغادر.

وهذا لا يعني أن كل حكم أخلاقي هو استبداد، ولا أن التمييز بين ما يحفظ كرامة الإنسان وما يهدرها تمييز غير مشروع. إنما يعني أن علينا أن ننتبه إلى موقع المتكلم؛ لأن المشكلة ليست فقط في مضمون الحقيقة، وإنما في الوضع الذي يتخذه صاحبها تجاهها. وهنا أستعيد سؤالًا كنت قد طرحته في سياق آخر: متى تصنع الحقيقة هوية؟ حين تكون الحقيقة سؤالًا، تظل الذات قادرة على مراجعتها.

أما حين تصبح الحقيقة هوية، فإن الدفاع عنها يصبح دفاعًا عن الذات، ويصبح الاختلاف معها تهديدًا للانتماء، ويبدأ صاحب الحقيقة في التحول من طالب لها إلى حارس على أبوابها. لكن المفارقة أن هذه الآلية لا تخص المحافظ أو المتدين وحده.

إنها يمكن أن تصيب الناقد أيضًا. فالناقد الذي بدأ بمقاومة احتكار الحقيقة قد ينتهي إلى احتكار شروط قبولها، والكاتب الذي قاوم السلطة التي كانت تتحدث باسم الإنسان قد يجد نفسه يتحدث باسم الإنسان ضد المختلف، والمشروع الذي أراد أن يحرر الدين من مركزيته قد يتحول إلى مشروع يحدد للدين صورته المقبولة مسبقًا.

مرة أخرى، لا أقول إن هذا هو ما يدعيه الرفاعي بصورة صريحة؛ وإنما أقول إن البنية الفكرية التي تنتقل من مركز إلى مركز تستحق أن تُختبر حتى لو كان صاحبها نفسه أكثر وعيًا من البنية التي نحاول اكتشافها. وهنا تصبح المسألة فلسفية بحق. لأن اللامركزية نفسها تواجه سؤالًا لا تستطيع الإفلات منه: إذا كنت تنزع الامتياز عن كل مركز، فمن أي موقع تمارس هذا النزع؟ وإذا قلت إن لا مركز يملك حق الادعاء بأنه الحقيقة النهائية، فهل تستثني هذه القاعدة نفسها من النقد؟

إننا نصل هنا إلى مفارقة تشبه المرآة: حين نحطم المرآة التي كانت تعكس مركزًا واحدًا، قد لا نكتشف أننا خرجنا من منطق الصورة، بل أننا أصبحنا نملك مرآة جديدة. ولهذا لا يكفي أن نسأل: من المركز الآن؟ ينبغي أن نسأل: كيف صار مركزًا؟ وما الذي منحه حق أن يكون معيارًا؟ وما الذي يمنعه من التحول من قيمة إلى سلطة؟

تزداد المسألة تعقيدًا حين ننتقل من الدين إلى الإنسان نفسه. فإذا كانت الكرامة الإنسانية قيمة لا يجوز انتهاكها، فإن السؤال التالي لا يتعلق بقيمتها وإنما بحدودها: هل الكرامة تحمي الإنسان من أن يتحول إلى شيء، أم تمنحه أيضًا حق تحويل الأشياء الأخرى إلى وسائل؟ هنا تدخل الطبيعة إلى الحوار.

فالحداثة التي حررت الإنسان من كثير من أشكال السلطة الموروثة رفعت الإنسان، في المقابل، إلى موقع شديد المركزية في العالم؛ وأصبح الإنسان هو الذي يمنح الطبيعة معناها، ويقيس قيمتها بمنفعته، ويعيد ترتيب الكائنات وفق حاجاته. ومن هذه الزاوية، فإن نقد مركزية الدين لا ينبغي أن ينتهي تلقائيًا إلى مركزية الإنسان.

يمكن للإنسان أن يتحرر من سلطة السماء ثم يمارس سلطته على الأرض. يمكنه أن يرفض أن يكون العالم خاضعًا لتفسير ديني مغلق، ثم يتعامل معه بوصفه مادة مفتوحة للاستهلاك. يمكنه أن يرفض احتكار الحقيقة باسم النص، ثم يمارس احتكارًا آخر باسم العقل أو الحرية أو الإنسان.

وهذا لا يعني أن علينا أن نستبدل مركزية الإنسان بمركزية الطبيعة؛ لأن استبدال مركز بمركز لا يحل المشكلة، بل يعيد إنتاجها بصورة معكوسة. السؤال الأعمق هو: هل نستطيع أن نفكر في الوجود من غير أن نحتاج إلى مركز واحد يمنح بقية الموجودات قيمتها؟ وهذا السؤال يجعل البيئة أكثر من قضية أخلاقية معاصرة؛ يجعلها اختبارًا فلسفيًا لفكرة المركز نفسها.

فالطبيعة ليست مهمة فقط لأن تدميرها يهدد الإنسان، وإن كان ذلك صحيحًا؛ وإنما ينبغي أن نصل إلى لحظة لا تكون فيها حماية الطبيعة مجرد دفاع مؤجل عن مصالح الإنسان. لأننا إذا قلنا إن علينا ألا ندمر العالم فقط كي يبقى صالحًا لنا، فإننا لم نتجاوز مركزية الإنسان، بل منحناها لغة بيئية جديدة. المشكلة هنا ليست في الإنسان. المشكلة في أن يصبح الإنسان مقياس كل شيء.

ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من الدرس الذي قدمته تيارات ما بعد الحداثة، لا بوصفها سلطة بديلة، وإنما بوصفها أداة لسؤال السلطة نفسها: لماذا نحتاج دائمًا إلى معيار كلي؟ ولماذا نطمئن إلى قيمة حين نمنحها صفة الكونية؟ وهل يمكن أن تكون لدينا قيم إنسانية مشتركة من دون أن تتحول هذه القيم إلى خطاب كلي يمحو الاختلافات التي نشأت داخلها؟ السؤال ليس: هل توجد قيم مشتركة؟ بل كيف نمارس المشترك دون أن نحوله إلى آلة لمحو المختلف؟

فالتعددية لا تعني أن كل شيء متساوٍ أخلاقيًا، كما أن الكونية لا تعني أن معيارًا واحدًا يستطيع أن يلغي تاريخ الاختلاف وتجارب البشر المتعددة. وهنا يظهر خطر آخر، أن يتحول الدفاع عن «الإنسان» إلى تعريف واحد للإنسان.

فالإنسان ليس شيئًا مكتملًا ينتظر أن نكتشف تعريفه النهائي، وإنما هو كائن يعيد اكتشاف نفسه باستمرار. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الكرامة لا ينبغي أن تكون فقط حماية لما هو قائم، بل حماية لإمكان أن يتغير ما هو قائم. وهذه النقطة بالذات تسمح لنا بالعودة إلى الرفاعي من داخل مشروعه لا من خارجه.

فإذا كان الإنسان صيرورة وتشكّلًا مستمرًا، فإن هذه الفكرة تهز، من الداخل، أي محاولة لتحويل «الإنسان» إلى ماهية مكتملة. الإنسان الذي يتشكل باستمرار لا يمكن أن يكون مركزًا ثابتًا بالمعنى الصلب للكلمة؛ لأنه هو نفسه في حركة دائمة بين ما كان عليه وما يمكن أن يصير إليه. وهنا يمكن أن يحدث التحول الذي أبحث عنه في هذا المقال. ربما لا ينبغي أن تكون الكرامة مركزًا. ربما ينبغي أن تكون شرطًا لعدم انغلاق المركز. وهذا فرق ليس صغيرًا. حين نقول إن الإنسان هو المركز، فإننا نمنحه موقعًا. أما حين نقول إن الكرامة هي قدرة الإنسان على أن يظل مفتوحًا على إمكان التشكل، فإننا لا نمنحه موقعًا بقدر ما نحمي حركته. في الحالة الأولى تصبح الكرامة امتيازًا. وفي الثانية تصبح الكرامة إمكانًا. في الأولى نحرس الإنسان من الخارج. وفي الثانية نحرس قدرته على ألا يتحول إلى قفص مغلق من الداخل.

وهنا أظن أن السؤال عن الدين نفسه يمكن أن يعود بصورة مختلفة. ليست القضية أن نضع الدين خارج المركز ونضع الإنسان مكانه. القضية أن نعيد بناء العلاقة بينهما بحيث لا يتحول أي منهما إلى سلطة مغلقة على الآخر. الدين الذي يهين الإنسان يحتاج إلى نقد. لكن الإنسان الذي يحتكر العالم يحتاج إلى نقد أيضًا. والحقيقة التي تتحول إلى هوية تحتاج إلى نقد. لكن الناقد الذي يحول نقده إلى هوية يحتاج إلى نقد.

والمركز الذي يدعي امتلاك الحقيقة يحتاج إلى تفكيك. لكن تفكيك المركز إذا تحول إلى امتلاك للحقيقة حول المركز يحتاج هو الآخر إلى تفكيك. هنا يصبح النقد أكثر من عملية هدم. إنه يصبح قدرة على إبقاء الذات قابلة للعبور من صورتها عن نفسها. وهذا هو الفارق بين الانتقال من مركز إلى مركز، والعبور من منطق المركز. في الانتقال الأول يتغير صاحب الامتياز. أما في الثاني فتتغير علاقتنا بالامتياز نفسه. في الأول نخلع التاج عن رأس ونضعه على رأس آخر. وفي الثاني نسأل: لماذا نحتاج إلى تاج أصلًا؟

لهذا لا أقرأ مشروع الرفاعي بوصفه مشروعًا ينبغي إسقاطه بمجرد اكتشاف هذه المفارقة، بل بوصفه مشروعًا يمكن أن يُدفع إلى منطقة أعمق من مقدماته نفسها. فالدفاع عن الكرامة يمكن أن يتجاوز مركزية الإنسان. والإيمان بالإنسان يمكن أن يتجاوز صورة الإنسان المكتمل. ونقد مركزية الدين يمكن أن يتحول إلى نقد أشمل لكل تمركز. والتعددية يمكن أن تتحول من مجرد اعتراف بحق المختلف في الوجود إلى اعتراف بأن الذات نفسها لا تكتمل إلا عبر قدرتها على استقبال ما يخرج عن صورتها.

عند هذه النقطة لا يعود الإنسان سيدًا على الوجود، ولا تابعًا لمركز سابق، ولا مالكًا للحقيقة، وإنما يصبح كائنًا يعيش على الحد الفاصل بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين ما صار إليه وما يمكن أن يصير إليه.

ولعل هذه هي النقلة التي تجعل الكرامة أكثر اتساعًا من مجرد شعار أخلاقي. فالكرامة ليست فقط ألا يُهان الإنسان. الكرامة أيضًا ألا يُختزل. ألا يُختزل في دين. ألا يُختزل في طائفة. ألا يُختزل في هوية. ألا يُختزل في ماضيه. ألا يُختزل في تعريف جاهز للإنسان. وألا يُختزل، حتى باسم الكرامة نفسها، في صورة واحدة لما ينبغي أن يكونه.

ومن هنا يصبح السؤال الأخير أكثر إرباكًا من كل ما سبقه: هل نحتاج إلى مركز يحمي الإنسان، أم نحتاج إلى عالم لا يستطيع فيه أي مركز أن يغلق الإنسان؟

ربما كان الانتقال الحقيقي لا يحدث حين نغادر مركزية الدين إلى مركزية الإنسان، بل حين نكتشف أن الإنسان نفسه لا ينبغي أن يكون مركزًا مغلقًا؛ لأنه، قبل أن يكون مركزًا، هو كائن عابر، يتشكل في اللغة، ويتغير في التاريخ، ويتعرف إلى نفسه عبر الآخر، ويعيد صياغة علاقته بالطبيعة، ويختبر إيمانه في الحرية، وحريته في المسؤولية، ومسؤوليته في الاعتراف بأن العالم أكبر من صورته عنه.

وعندها لا تصبح الكرامة سلطة جديدة فوق العالم، وإنما تصبح شرطًا كي يظل الإنسان قادرًا على أن يتغير دون أن يُسحق، وأن يختلف دون أن يُقصى، وأن يؤمن دون أن يستعبد، وأن ينقد دون أن يتحول إلى مالك للحقيقة، وأن يعيش في العالم دون أن يضطر إلى امتلاكه.

ربما لا تكون المهمة الفلسفية إذن أن نعثر على مركز أكثر عدلًا. ربما تكون المهمة أن نتعلم كيف نعيش دون أن نحول ما نؤمن به إلى مركز نهائي. أن ننتقل من سؤال: من يملك الحقيقة؟

إلى سؤال أصعب: كيف تظل الحقيقة قابلة للمراجعة دون أن تفقد معناها؟

ومن سؤال: من هو الإنسان؟ إلى سؤال أكثر انفتاحًا: كيف يبقى الإنسان قادرًا على أن يصير؟

ومن سؤال: هل الكرامة هي المعيار الكلي؟ إلى سؤال أعمق: كيف تحمي الكرامة الإنسان من كل معيار يريد أن يغلق عليه إمكانه؟ هناك، عند هذه النقطة تحديدًا، تتغير صورة المسألة كلها.

فالمركز يريد أن يقول لنا أين نقف.  أما العتبة فتذكرنا بأننا لسنا مكتملين في الوقوف. المركز يمنحنا هوية. أما العتبة فتمنحنا إمكان التحول. المركز يبحث عن النهاية. أما العتبة فتعيش في المسافة بين نهايتين.

ولذلك ربما لا يكون الإنسان مركز الوجود، ولا هامشه، ولا غايته الوحيدة؛ ربما يكون عتبته الأكثر قلقًا، الكائن الذي لا تكمن كرامته في أنه بلغ صورة نهائية عن نفسه، وإنما في أن يظل قادرًا على تجاوز الصورة التي ظن، في لحظة من لحظات اليقين، أنها صورته الأخيرة.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم