عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: التوحيد الإنساني بين وحدة المقصد واكتمال الوجود (1)

إذا كان الإنسان قد بدأ رحلته مع العمر، واكتشف في الألم هشاشة وجوده، وتعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود، ثم عرف بالمحبة أن القلب لا يستقيم إلا إذا توحد محبوبه الأعلى، واستنار بالمعرفة فأدرك أن الحقيقة أوسع من حدود ما يراه ويملك، فإن الرحلة لا تبلغ غايتها إلا حين تتجمع هذه المعاني في أصل واحد، وتتجه إلى مقصد واحد. ومن هنا يظهر التوحيد في أفق الوجود الإنساني لا باعتباره فكرة تضاف إلى ما سبقها، وإنما باعتباره الحقيقة التي تنتظم فيها خيوط الرحلة كلها، والغاية التي تتجه إليها مدارج الكمال والجمال.

فالتوحيد، في هذا الأفق، ليس مجرد أن يعرف الإنسان أن الله واحد، وإنما أن تنعكس هذه الحقيقة على بناء وجوده كله، فينتقل من التعدد المشتت في المقاصد إلى وحدة الغاية، ومن اضطراب الإرادة إلى استقامتها، ومن التعلق المتفرق بالموجودات إلى إدراك موقع كل موجود في نظام أوسع من ذاته. إنه انتقال من معرفة الوحدة إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للحياة.

فالإنسان قد يعيش حياته موزعا بين غايات كثيرة؛ يريد المال، والمكانة، والنجاح، والأمان، والحب، والمعرفة، والاعتراف الاجتماعي، وقد تتحول هذه المطالب المشروعة في أصلها إلى قوى متنافسة داخل النفس، فيصبح الإنسان ممزقا بين ما يريد وما يخشى، وبين ما يحب وما يطلب، وبين ما يعرف أنه ينبغي أن يكون عليه وما تغلبه عليه رغباته. وليس الخلل في تعدد حاجاته، فالتعدد جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما الخلل حين تتحول هذه الحاجات إلى غايات نهائية مستقلة، فيفقد الإنسان البوصلة التي تنتظم بها رغباته وأفعاله.

ومن هنا تتجلى قيمة التوحيد بوصفه وحدة للمقصد لا إلغاء للتعدد. فالإنسان الموحد لا يتوقف عن العمل، ولا يتخلى عن حاجاته الإنسانية، ولا يرفض علاقاته بالعالم، وإنما يعيد وضع كل ذلك في موضعه الصحيح. يعمل، لكنه لا يجعل العمل معبودا؛ يطلب المال، لكنه لا يجعل المال غاية وجوده؛ يحب، لكنه لا يحول المحبوب الجزئي إلى مطلق يستعبد قلبه؛ يطلب المعرفة، لكنه لا يجعل المعرفة وسيلة للغرور والاستعلاء. وهكذا لا يمحو التوحيد تعدد الأشياء، وإنما يمنعها من أن تتعدد في قلب الإنسان بوصفها غايات مطلقة.

ومن هنا يمكن القول: إن التوحيد يبدأ من تحرير الإنسان من تعدد المعبودات المعنوية قبل أن يظهر في أي صورة أخرى. فالإنسان قد لا يسجد لصنم، لكنه قد يخضع في أعماقه لسلطان المال، أو الشهرة، أو القوة، أو رضا الآخرين، أو الخوف منهم، أو التعلق المرضي بالامتلاك والسيطرة. وقد يتحول ما كان وسيلة إلى غاية، وما كان خادما للإنسان إلى سيد عليه. ولذلك فإن التوحيد، في معناه الوجودي، يعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل ما حوله، فيسترد الإنسان حريته الداخلية، لأنه لا يمنح شيئا من الموجودات قدرة مطلقة على تحديد قيمته أو مصيره أو معنى حياته.

وهنا تتضح الصلة العميقة بين التوحيد والمحبة، فالمحبة وحدت وجهة القلب، والتوحيد يمنح هذه الوحدة أصلها وغايتها. وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن يحب الله فوق كل محبوب، فإن التوحيد يكشف له أن ما عداه لا يستقل عنه في الوجود ولا في القيمة ولا في الغاية. وبذلك تتحول المحبة من مجرد انجذاب وجداني إلى رؤية تنتظم بها علاقة الإنسان بالعالم كله.

كما تتصل المعرفة بالتوحيد اتصالا لا يقل عمقا. فقد قادت المعرفة الإنسان من ظواهر الأشياء إلى معانيها، ومن الكثرة إلى البحث عن الوحدة، ومن الجمال المتفرق إلى السؤال عن مصدر الجمال، ومن الكمالات الجزئية إلى التطلع إلى الكمال المطلق. فإذا بلغت المعرفة هذا الأفق، لم تعد غايتها أن تزيد عدد الأشياء التي يعرفها الإنسان، وإنما أن تكشف له وحدة الأصل والغاية، وأن تجعل وعيه بالوجود أكثر قدرة على رؤية المعنى الذي ينتظم تعدده.

وهنا يصبح التوحيد اكتمالا لمسار المعرفة، لا بمعنى أن الإنسان يحيط بالحقيقة إحاطة تامة، فهذا يتجاوز حدود الوجود الإنساني، وإنما بمعنى أن المعرفة تقوده إلى إدراك موقعه أمام الحقيقة، وإلى الاعتراف بحدوده، وإلى تجاوز وهم امتلاك الحقيقة إلى السعي الدائم في طلبها. ومن هنا كان التواضع ثمرة مشتركة للمعرفة والتوحيد؛ فكلما اتسعت بصيرة الإنسان، ازداد إدراكه لمحدوديته، وكلما ازداد إدراكه لعظمة الحقيقة، قل تعلقه بوهم الاكتفاء بذاته.

وإذا كان الصبر قد هذب الإرادة، والتوكل قد حررها من وهم السيطرة المطلقة، والرضا قد منحها السكينة، والمحبة قد وحدت وجهتها، والمعرفة قد أنارت بصيرتها، فإن التوحيد يجمع هذه الآثار كلها في بناء واحد. فهو لا يلغي الإرادة، وإنما يجعلها أكثر استقامة؛ ولا يلغي العقل، وإنما يحرره من الغرور؛ ولا يلغي القلب، وإنما يخلصه من التعلق بما يستعبد؛ ولا يلغي العالم، وإنما يعيد الإنسان إلى العالم وهو أكثر قدرة على التعامل معه دون أن يصبح أسيرا له.

فبهذا المعنى تتكشف وحدة الرحلة كلها، فما بدا في البداية فضائل متفرقة، يتبين في النهاية أنها كانت تعمل في اتجاه واحد؛ وهو تحرير الإنسان من التشتت الداخلي، وبناء وحدة متماسكة بين قلبه وعقله وإرادته ومقصده.

ومن هنا لا ينبغي أن يفهم التوحيد على أنه إلغاء للكثرة، لأن الكثرة جزء من نسيج الوجود الإنساني والعالم الذي يعيش فيه. فالإنسان واحد في مقصده، لكنه متعدد في أدواره؛ يحب ويعمل ويتعلم ويعطي ويأخذ، وله حاجات جسدية وعقلية وروحية، ويعيش في شبكة واسعة من العلاقات والمسؤوليات. ولا يتناقض ذلك مع التوحيد ما دامت هذه الكثرة لا تتحول إلى مراكز مستقلة تتنازع قلبه، وما دامت كلها تنتظم في غاية أعلى تمنحها معناها.

ومن هنا يمكن صياغة إحدى أهم نتائج الرحلة كلها، وهي أن التوحيد لا يمحو الكثرة، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

وهذه الوحدة لا تعني أن الأشياء تصبح شيئا واحدا، ولا أن الفروق بين الموجودات تزول، وإنما تعني أن الإنسان يتعلم أن يرى التعدد في ضوء الأصل الذي يمنحه دلالته، وأن يرى الكثرة دون أن يفقد الوحدة، وأن يتعامل مع الجزئيات دون أن ينسى الكلي، وأن يعيش التفاصيل دون أن يغيب عنه المعنى الأكبر.

ولذلك فإن الإنسان الموحد لا يكون أقل اتصالا بالعالم، وإنما يكون أكثر وعيا بموقعه فيه. فهو يرى في الإنسان قيمة لا لأنه يملك ما يحتاج إليه، وإنما لأنه إنسان؛ ويرى في العلم وسيلة إلى كشف الحقيقة لا وسيلة إلى الاستعلاء؛ ويرى في المال أداة للعمران لا معيارا للقيمة؛ ويرى في القوة مسؤولية لا امتيازا مطلقا؛ ويرى في الجمال دعوة إلى التأمل لا ذريعة للامتلاك؛ ويرى في الحياة نفسها أمانة لا ملكية مطلقة.

ومن هذا المنطلق يصبح التوحيد قوة تحرير أخلاقية ووجودية في آن واحد؛ إذ يعيد الإنسان إلى مركز مسؤوليته، ويمنحه معيارا يتجاوز تقلبات الأهواء والمصالح. فالإنسان الذي تتوحد غايته يستطيع أن يقول: "لا" لما يخالف هذه الغاية، حتى لو كان مغريا، وأن يقول: "نعم" لما ينسجم معها، حتى لو كان شاقا. وهنا تتحول الحرية من مجرد قدرة على الاختيار إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن يختار.

وفي التجربة الروحية، تتخذ هذه المعاني أفقا أعمق، لأن التوحيد لا يبقى مجرد فكرة يتأملها العقل، وإنما يصبح حضورا للمعنى في القلب والسلوك، بحيث لا يعود الإنسان موزعا بين إرادات متصارعة.

وقد عبر المتصوفة، كل بحسب لغته ومصطلحاته، عن هذا الانتقال من تعدد الالتفاتات إلى وحدة المقصد، ومن التعلق بالأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب، ومن تشتت القلب إلى جمعه على الله.

غير أن الغاية من استحضار هذا الأفق الروحي ليست تحويل الحديث إلى تاريخ للمصطلح الصوفي، ولا الدخول في الجدل الطويل حول العبارات التي ارتبطت بمفهوم الوحدة في بعض الكتابات الصوفية؛ فالمقصود هنا هو الكشف عن الأثر الذي يتركه التوحيد في الإنسان حين يتحول من قضية يعرفها العقل إلى حقيقة تستقيم بها الحياة.

وهنا تحديدا يظهر الفارق بين أن يعرف الإنسان التوحيد وأن يعيش مقتضى التوحيد. فقد يعرف الإنسان الحقيقة ثم يبقى أسيرا لهواه، وقد يحفظ كثيرا من الكلام عن التوحيد ثم يظل قلبه معلقا بالمخلوقين، وقد يتحدث عن الحرية وهو خاضع لسلطان المال أو الشهرة أو الخوف. أما حين يستقر التوحيد في الوجود الإنساني، فإنه يبدأ بإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، فيتوحد المقصد، وتستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحرر النفس من الاستعباد لما سوى الله.

وعند هذه النقطة نكتشف أن التوحيد ليس نهاية الرحلة بمعنى توقف الإنسان عن السير، وإنما هو اكتمال الاتجاه. فالمسافر قد يظل سائرا، لكنه لم يعد تائها؛ وقد يظل يبحث، لكنه لم يعد يبحث في كل اتجاه؛ وقد يظل يعيش في عالم متغير، لكنه لم يعد يجعل تغير العالم معيارا ثابتا لمعنى وجوده.

وهكذا يصل الإنسان إلى عتبة جديدة من الوجود؛ عتبة لا يتخلى فيها عن الدنيا، وإنما يتحرر من أن تكون الدنيا غايته؛ ولا يتوقف عن المحبة، وإنما تتطهر محبته من الاستعباد؛ ولا يتوقف عن المعرفة، وإنما تتحول المعرفة إلى بصيرة؛ ولا يتخلى عن الإرادة، وإنما تصبح إرادته أكثر انسجاما مع الغاية التي اختارها لوجوده.

ومن هنا يظهر السؤال الذي يقود إلى تمام الصورة؛ ماذا يفعل التوحيد بالإنسان حين يصبح حقيقة حية في وعيه ووجدانه وسلوكه؟ وكيف تتحول وحدة المقصد إلى سكينة القلب، وتحرير الإرادة إلى حرية الروح، ووضوح الغاية إلى اكتمال الإنسان في مدارج الكمال والجمال؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الأفق الذي تتجلى فيه ثمار التوحيد في الحياة الإنسانية، وتكشف كيف يعود الإنسان إلى العالم بعد أن استرد وحدته الداخلية؛ عودة لا تعني الانفصال عن الحياة، وإنما الدخول إليها بوعي أعمق، وإرادة أكثر حرية، ومحبة أكثر صفاء، ومعرفة أكثر بصيرة....... وهذا ماسيكون موضع حديثنا القادم في الجزء الثاني للمقال إن شاء الله.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم