أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الزمن بوصفه مشكلة إبستمولوجية
من الاستمرارية إلى التفكك في الفكر المعاصر
لا يكاد يخلو تأمل في شروط المعرفة الإنسانية من إحالة ضمنية أو صريحة إلى الزمن، ذلك البعد الذي يبدو في آنٍ بديهياً كالتنفس وأعصى على التحديد من أعقد المسائل الميتافيزيقية. وإذا كان السؤال الإبستمولوجي الكلاسيكي قد انصرف إلى بحث مصادر المعرفة وحدودها ومعايير الصدق فيها فإن الزمن ظل لأكثر من قرن ذلك الشرط الصامت الذي لا يفحص ولا ينقب عنه كما لو كان وعاءً شفافاً لا يؤثر في ما يحتويه. غير أن تحولات الفكر الغربي منذ مطلع القرن العشرين سواء في فيزياء النسبية التي فجرت فكرة الزمن المطلق أم في الظاهراتية التي أعادت طرح الزمن بصفته بنية للوعي أم في التفكيكية وما بعد الحداثة التي شرّحت الاستمرارية الزمنية إلى شظايا متباعدة، كل هذه التحولات قد أخرجت الزمن من قوقعته البديهية ووضعته في صلب النقاش الإبستمولوجي بصفته مشكلة كبرى بل ربما المشكلة الكبرى التي يتوقف عليها تصورنا للحقيقة والمعرفة والموضوعية ذاتها.
تتحدد إشكالية هذه المقالة في السؤال التالي، كيف انتقل الفكر الفلسفي من تصور الزمن بوصفه استمرارية متدفقة شرطاً لإمكان المعرفة وضماناً لاتساقها إلى تصوره بوصفه قوة تفكيكية تهدد وحدات المعرفة وتقوض إمكان الحكم على الصدق؟ وسنعمد إلى مقاربة هذه الإشكالية من خلال تتبع التحولات الجوهرية في مفهوم الزمن الإبستمولوجي بدءاً من تأسيس كانط للزمن بصفة حدساً قبلياً مستمراً يضمن إمكان الظواهر الطبيعية مروراً بالثورة النسبية والأينشتاينية التي جعلت الزمن نسبياً ومتداخلاً مع المكان، ثم انتهاءً بالتفكيكات المعاصرة التي تتبدى في فلسفات هايدغر ودولوز ودريدا وفوكو وليوتار حيث يتحول الزمن من إطار للمعرفة إلى موضوع للمعرفة المفككة ذاتها.
وإنما تكمن خطورة هذه المقاربة في أنها لا تكتفي بعرض تاريخ الأفكار بل تعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن للمعرفة أي معرفة أن تنبني على أساس زمني إذا كان هذا الأساس نفسه يظهر بالتحليل العميق هشا متقطعاً غير قابل للضبط؟ وإذا كان الزمن في أعمق طبقاته الفيزيائية والميتافيزيقية ليس خطاً مستمراً ولا سلسلة متصلة من الآنات بل هو إما دوامة التكرار أو أقصوصة نحكيها لنخدع أنفسنا أو قوة محضة للتغير والاختلاف دون هوية ثابتة، فبأي معنى يظل الحديث عن الحقيقة المعرفية ممكناً؟ هذه المقالة محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال سبر أغوار النصوص الفلسفية والعلمية التي أسست لهذا التحول متتبعةً الصدوع التي أحدثتها في صرح الإبستمولوجيا الغربية ومستخلصةً في النهاية ما يمكن أن يعنيه هذا التفكك الزمني لعلاقتنا بالمعرفة والحقيقة في عصر بات الزمن نفسه فيه أسرع من أن يُدرَك وأكثر تشظياً من أن يُروى.
ثمة سؤال يتسلل إلى وعي المفكر كظل لا يغادر خطاه، سؤال لا يهدأ ولا يرضى بالإحالة إلى البداهات المستقرة، إنه سؤال الزمن. ليس الزمن بصفته مقياساً للحركة كما أراد أرسطو ولا بصفته امتداداً كميا قابلاً للتفاضل كما في الفيزياء الغاليليّة النيوتنية بل الزمن بصفته شرطاً مسبقاً لكل معرفة، ذلك الأفق الذي تنبثق فيه الظواهر وتتلاشى وتتشكل فيه الذوات قبل أن تنهار تحت ثقل لحظاتها. لقد ظل الزمن منذ فجر التأمل الفلسفي عقدة حيرت ألمع العقول، ولكن لم تكن إشكاليته في يوم من الأيام بهذه الحدة التي بلغها في الفكر المعاصر حيث تحول من مجرد سؤال فيزيائي أو ميتافيزيقي إلى أزمة إبستمولوجية صريحة إلى جرح مفتوح في نسيج المعرفة نفسها.
ولم يكن الفكر القديم والوسيط في مجمله ليتصور قطيعة بين الزمن والمعرفة. كان الزمن وإن اعترف بغموضه يُعتبر إما محايداً بالنسبة للحقيقة كما عند أفلاطون الذي جعل المعرفة الحقيقية تتجه نحو عالم المثل الأبدي الخالد على الزمن، وإما بعداً عضواً في بنية الوجود الطبيعي كما عند أرسطو الذي عرّف الزمن بأنه "عدد الحركة في سياق التقدم والتأخر". في كلا الحالتين كان الزمن إطاراً مستقرا شبيهاً بوعاء ممدود لا يطرأ عليه من الخرق أو التمزق ما يستعصي على الإدراك. حتى القديس أوغسطينوس ذلك المفكر الذي اكتشف بعبقرية فذة البعد النفسي للزمن في اعترافاته الشهيرة - "فما الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحد عنه فإني أعرفه، وإذا أردت أن أشرحه لسائل فإني لا أعرفه" - حتى هذا القديس الأفريقي لم يغادر دائرة الثقة بمطابقة الشعور الداخلي وحركة النفس مع موضوع الزمن الخارجي، وإنما أراد تثبيت هذه المطابقة بجعل الزمن امتداداً للنفس ذاتها، "امتداداً لا يزول" على حد قوله مبقياً بذلك على استمرارية الخط الزمني بوصفه شرطاً لإمكان التوبة والمعرفة الإلهية.
ولقد بلغت هذه الثقة بالزمن المستمر أوجها على يدي إيمانويل كانط، الفيلسوف الذي قلب الإبستمولوجيا رأساً على عقب، لكنه ظل في مسألة الزمن وفياً لاستمرارية الحدس القبلي. فالزمن عند كانط في كتابه "نقد العقل الخالص" ليس مفهوماً مستمداً من التجربة بل هو صورة قبلية خالصة حدساً صرفاً، يتقدم كل ظاهرة تمثل فينا، وهو بهذا المعنى شرط ضروري لكل معرفة حسية. يصير الزمن الإطار الكلي الذي لا مفر منه لأي إدراك ممكن، خطاً ممتدداً لا يقبل التجزؤ في عمله التوفيقي بين مادة الحساسة وقوانين الفهم. لكن هذه الاستمرارية الكانطية تحمل في طياتها بذرة تفككها، ذلك أن كانط حين جعل الزمن صورة قبلية ذاتية خالصة أي شيئاً لا وجود له خارج الذات المدركة يكون قد فصل الزمن عن الوجود الخارجي المستقل وأقامه على حدود الأنا المتجاوزي، هذا الأنا الذي سيكتشف ورثته من المثاليين الألمان، بزعامة فيشته وشيلنغ وهيغل، أنه ليس كياناً ثابتاً بقدر ما هو حركة ونشاط وجدل. وهيغل بالذات يذهب بعيداً في جعل الزمن تجسيداً لجدل المفهوم نفسه، فالروح المطلقة تتجلى في الزمن لا بصفته إطاراً جامداً بل بصفته تاريخاً أي استمرارية جدلية لا تتناقض مع القطيعة بل تحتويها في حركة التجاوز الأسمى. ويكون الزمن حتى في ذروة المثالية الألمانية قابلاً للاستمرار ومفهوماً من حيث هو مبدأ تركيب لا من حيث هو قوة تفكيكية.
غير أن الخرق الحقيقي سيحدث حين ينتقل السؤال من "كيف نعرف الزمن" إلى "كيف نعرف في الزمن" بل إلى "كيف يمكن أن تقوم معرفة على الإطلاق إذا كان الزمن نفسه ليس مستمراً بل متقطعاً؟" ثمة لحظة فارقة في تاريخ الفكر الغربي يمكن إرجاعها إلى تقاطع غير معلن بين فلسفة الحياة الجديدة التي بشر بها فريدريك نيتشه وآرثر شوبنهاور وبين الفيزياء التي أحدثت ثورة في مفهوم الزمن على يد أينشتاين. نيتشه باجتراحه فكرة "العود الأبدي"، لم يكن يريد مجرد إعادة تدوير لبعض الأطروحات الهرقليطية القديمة، بل كان يمارس تفكيكاً للزمن الخطي المستمر الذي تقوم عليه اللاهوت والبيان المسيحي والحداثة معاً. الزمن عند نيتشه ليس سيراً نحو غاية ولا هو تطور عضوي نحو الأكمل بل دوامة من العود المتكرر الذي يحطم إمكانية أي معنى متعال ويكشف أن ما نسميه استمرارية ليس أكثر من تكرار فارغ لا يغادر ذاته. وتبدأ هنا معالم أزمة إبستمولوجية حادة، إذا كان الزمن عوداً أبدياً فكل معرفة تصبح إعادة اكتشاف لا أكثر، وكل حقيقة تصبح نسبية لا تستند إلى تقدم تراكمي بل إلى تكرار لا يمكن الخروج منه. لم يذهب نيتشه إلى هذا الحد في صراحة لكنه زرع الشك الذي سينمو في تربة الفكر المعاصر الغنية بالتشظي.
في الجانب الفيزيائي، كان أينشتاين يجهز لانقلاب لا يقل خطورة بنظريته النسبية التي قضت على الزمن المطلق النيوتني، ذلك الزمن المستمر المنتظم الذي تتدفق فيه الأحداث على وتيرة واحدة مستقلة عن الراصد. لقد بيّن أينشتاين أن الزمن يتمدد وينكمش وأنه متداخل مع المكان في نسيج واحد لا فكاك منه بل والأكثر إزعاجاً للحس الفلسفي المشترك أن مفهوم "الآن" ليس لحظة كونية واحدة تنطبق على جميع الموجودات بل هو شأن موضعي مرتبط بإطار المرجع. هذا يعني أن خط الزمن الواحد المتصل والمستمر، ذلك الخط الذي ظل الحدس الكانطي قائماً عليه ليس سوى وهم ناتج عن محدودية مداركنا البشرية. إنه وهم مفيد للحياة اليومية بل ضروري لها لكنه وهم في التحليل النهائي. وهنا تتسع الهوة بين الزمن كما نعيشه ونختبره انسياباً مستمراً والزمن كما يصاغ في المعادلات الفيزيائية التي تقدم لنا عالماً من النقاط الزمكانية المتباعدة، عالماً لا استمرارية فيه بالمعنى الساذج بل علاقات إيحائية لا تحدد سوى ترتيب الأحداث جزئياً.
ولم تفلت هذه المفارقة من عين إدموند هوسرل الفينومينولوجي الدقيق الذي أدرك أن المعضلة ليست في وصف الزمن الفيزيائي أو الميتافيزيقي بل في وصف الزمن كما يُعاش بالفعل في الوعي. في محاضراته الشهيرة عن "ظواهر الزمن الداخلي" حاول هوسرل إنقاذ الاستمرارية من طريق مغايرة تماماً، ليس بفرضها من الخارج بل بكشفها في بنية الإدراك الزمني نفسه. فالحاضر عند هوسرل ليس نقطة حسابية متناهية في الصغر كما في الفيزياء الكلاسيكية بل هو "حاضر ممتد" يحتوي في آن واحد على احتفاظ (أي ذكرى أولية لما كان قبل اللحظة مباشرة) وانتظار (ترقب أولي لما سيأتي). من هنا تتشكل صورة الزمن كتيار متصل أبعاده ثلاث: الآن والاحتفاظ والانتظار كلها تتصاهر في وحدة لا تتجزأ. لكن هوسرل نفسه واجه صعوبة في تبرير هذا الاتصال، كيف ينتقل الوعي من احتفاظ إلى احتفاظ آخر؟ كيف يحافظ على هويته في سيلان اللحظات المتعاقبة؟ كان جوابه بفكرة "الوعي الداخلي المطلق للزمن"، وهو وعاء من الوعي ليس زمنياً بذاته قادر على استيعاب التعاقب الزمني دون أن يغرق فيه. غير أن هوسرل بكل دقته لم يستطع إقناع خلفه خاصة مارتن هايدغر بأن هذه الاستمرارية التي يبشر بها لا تعود إلى حيلة للتغلب على حقيقة أكثر قسوة أن الزمن ليس تدفقاً سلساً بل انقطاعاً وجودياً.
هايدغر في تحفته "الوجود والزمان"، دفع السؤال الإبستمولوجي إلى منحى مغاير تماماً. لم يعد يرى في الزمن مشكلة معرفية في معنى كيف ندركه أو نقيسه بل أصبح يراه مشكلة وجودية، الزمن هو أفق فهم الوجود نفسه. الكينونة البشرية التي سماها "الدازاين"، هي وجودها الخاص باعتبارها زمانية أصيلة. لكن هذه الزمانية عند هايدغر لا تعني الاستمرارية ولا التدفق السلس، بل تعني البنية الثلاثية، المستقبل بصفته الأسبق في الأهمية والماضي بصفته ما تم استعادته في شكل "كائناً ما قد كان"، والحاضر بصفته تفعيلاً للعلاقة مع الموجودات. وهذا هو موضع الدهشة، الزمانية الحقيقية عند هايدغر هي اتحاد مأساوي بين الأبعاد الثلاثة لكن هذا الاتحاد ليس استمرارية هوسرلية سلمية بل هو "تمزق" أو "انخراط في العدم" يظهر في تجربة القلق التي تهدم كل المحمولات المستقرة. فالزمن في التحليل النهائي ليس خطا ولا حلقة بل هو حركة "الطرح" التي ترمي بالدازاين في وجوده المحدود والمتجه نحو الموت. هنا يبدأ الانهيار الكبير للاستمرارية إذ مع هايدغر يصبح الزمن هشاً معلقاً بين الإمكان والاستحالة معرضاً لخطر اللاوجود في كل لحظة. وفي هذا المنعرج يتحول الزمن من إبستمولوجيا للاستمرار إلى إبستمولوجيا للتفكك.
إن ما بعد هايدغر وتحت وطأة التحولات العارمة في الفكر الفرنسي المعاصر سيتحول الزمن إلى شبح متقطع وإلى ركام من اللحظات المنفلتة وإلى زمن بلا حاضر وبلا ماض وبلا مستقبل بالمعاني المستقرة. وستكون القراءة التي قدمها جاك دريدا لهوسرل في كتابه "الصوت والظاهرة" إيذاناً بانفراط عقدة الزمن الكبرى حيث بيّن دريدا أن الاحتفاظ الهوسرلي لا يمكن أن يكون حاضراً بذاته ولا يمكن أن يضمن نقلاً متصلاً من الآن إلى الآن دون أن يخلف أثراً للغياب داخل الحضور. هنا يولد مفهوم "الأثر" الذي ليس حاضراً ولا غائباً والذي يجعل كل حضور زمنياً مشوباً بالزوال من الداخل. الزمن في هذا المنظور لا يمكن تثبيته في أي استمرارية حقيقية لأنه كلما حاولنا القبض عليه كان قد فلت وكلما حاولنا تسطيره كان قد تمزق إلى شظايا. ونحن إذ نقترب من هذا الهاوية نجد أنفسنا في حاجة ماسة لمراجعة كل ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن المعرفة ذاتها. هل يمكن للمعرفة أن تقوم على مرجع زمني غير مستقر؟ هل يمكن للحقيقة أن تصمد إذا كان الزمن الذي يؤطرها لا يصمد؟ هذه الأسئلة ستقودنا إلى استكشاف التحولات المتطرفة في إبستمولوجيا الزمن المعاصر، من التفكك الدرامي عند دولوز وليوتار إلى تشظي الزمن في عصر وسائل التواصل مروراً بمحاولات يائسة لإعادة بناء استمرارية جديدة على أنقاض القديمة.
هكذا نقف على أعتاب ذلك التحول الجذري الذي حوّل الزمن من سَعة كونية مطمئنة إلى شرخ في صميم الوعي الحديث. وإذا كان دريدا قد أعلن في تفكيكه لهوسرل أن أي حضور زمني لا يمكن أن يكون مكتملاً بذاته لأنه يحمل في داخله أثر غيره وماضيه ومستقبله، فإن جيل دولوز وليوتار وفوكو سيمضي إلى ما هو أبعد، أي إلى إعلان موت الزمن الاستمراري بوصفه وهم المعرفة الغربية بأسرها. ففي فلسفة جيل دولوز وبخاصة في كتابيه "الاختلاف والتكرار" و"منطق المعنى"، لا يكون الزمن إطاراً أرسطيًّا يحتوي الحركة ولا سلسلة هوسرلية من الاحتفاظات والانتظارات بل يصبح قوة منفلتة من كل مركز، تكراراً فارقاً، إعادة إنتاج للاختلاف لا للهوية. دولوز يستلهم نيتشه لكنه يسبح عكس تياره، العود الأبدي ليس تكرار نفسه بل تكرار الاختلاف المحض أي أن الزمن ليس دوامة تعيد الأمور إلى مكانها بل هو قوة تمزق كل هوية وتجعل من التشظي شرطاً لكل وجود. ومن هنا قوله الشهير بأن الزمن هو "الشكل الخالص لكل ما يتغير"، أي أنه لا يوجد زمن بمعزل عن التغير والتغير نفسه لا يستند إلى شيء ثابت يتغير عنه بل هو سراب التغير فقط. وهذه معضلة إبستمولوجية كبرى، إذا كان كل ما هو موجود مجرد تيار متحول لا أصل له ولا ثبات فكيف يمكن للمعرفة أن تقبض على أي شيء؟ كيف للحقيقة أن تظهر إذا لم تكن هناك استمرارية تسمح بتثبيت الموضوع تحت أنظار العارف؟
لكن دولوز لا يرى في ذلك كارثة بل يرى فيه تحرراً من الأوهام الأفلاطونية والأرسطية التي جعلت المعرفة تستند إلى مطابقة الذهن مع موضوع ثابت. المعرفة عنده ليست محاكاة لشيء سابق بل هي إبداع ونتاج لتفاعلات زمنية لا تنتهي. والزمن في هذا السياق هو "الكرونوس" الذي يلتهم أبناءه، قوة هدامة وخلاقة معاً، لا يمكن فصل معرفتنا عنها لأن معرفتنا هي جزء من هذا التدفق. ويكمن هنا عمق الأزمة، إذا كانت المعرفة نفسها زمانية بمعنى أنها تولد وتتحول وتضمحل مع الزمن فإننا نفقد إمكان الحكم على صحة معرفة ما من خارج الزمن. لم يعد لدينا معيار متعالٍ ولا حقيقة أبدية تقاس بها ظواهرنا الزمنية بل أصبحنا في فكر دولوز غرقى في نهر الزمن لا نملك قارباً ولا شطئان. هذا هو التفكك بعينه.
في موازاة ذلك كان جان فرانسوا ليوتار يمهد الطريق لنظرته الشهيرة إلى "تفكك الروايات الكبرى"، لكن ثمة بعداً زمنياً في هذه النظرة لا يقل أهمية عن بعدها الاجتماعي السياسي. الروايات الكبرى التي تفككت حسب ليوتار، هي تلك الحكايات التي كانت تمنح الزمن اتجاهاً ومعنى، رواية التقدم الخطي للعقل، رواية تحرر الإنسانية عبر التاريخ ورواية تراكم المعرفة وصولاً إلى حقيقة نهائية. كل هذه الروايات كانت تستمد قوتها من تصور زمني مستمر، متجه إلى الأمام وقابل للقياس والتقييم. فلما انهارت هذه الروايات - بعد الحربين العالميتين، بعد الهولوكوست، بعد انكشاف عجز المشاريع التحررية الكبرى - انهار معها الإطار الزمني الذي كانت تقوم عليه. لم يعد الزمن خطا من الماضي إلى المستقبل بل صار مجرد "آنات" متفرقة ولحظات منفصلة لا رابط بينها إلا الآلية الباردة للتبادل أو العشوائية الخالية من المعنى. يصف ليوتار ذلك بأننا انتقلنا من "العصر الحديث" الذي كان يؤمن بالزمن الهادف إلى "ما بعد الحداثة" حيث الزمن هو مجرد تشتت. وفي هذا العالم الجديد كل معرفة تصبح محلية آنية مرتبطة بسياقها الزمني الضيق ولا يمكنها أن تدعي أي عمومية أو ديمومة. ويتحول السؤال الإبستمولوجي من "كيف نعرف الحقيقة" إلى "كيف نعرف في غياب أي ضمان لاستمرار الزمن" بل إلى "كيف نعرف إذا كان الزمن نفسه لا يضمن لنا حتى اتصال هذه اللحظة بالتي تليها".
ولم يغب عن ميشيل فوكو هذا التشظي الزمني بل جعله أساساً لمشروعه الأركيولوجي وجينالوجيا المعرفة. فوكو يرى أن ما نسميه تاريخ الأفكار ليس سلسلة متصلة بل هو انقطاعات جذرية، قطائع ابستمولوجية تفصل بين "تشكلات معرفية" لا تواصل بينها. في كتابه "الكلمات والأشياء" يتحدث عن "التوزيعات الزمنية" للمعرفة وكيف أن عصر النهضة والعصر الكلاسيكي والحداثة ليست مراحل متدرجة في خط الزمن بل عوالم مغايرة تماماً لكل منها نظامه الخاص في ربط الزمان والمكان وبناء الموضوعات. من هنا تهافت فكرة الاستمرارية الزمنية للمعرفة؛ فما نسميه تقدماً أو تطوراً ليس سوى تراكماً لانقطاعات لا يمكن إصلاحها. الكيفية التي عرف بها الإنسان نفسه في القرن السابع عشر تختلف جوهرياً عن الكيفية التي عرف بها نفسه في القرن التاسع عشر وليس هناك جسر زمني يصل بينهما إلا الجسر الذي نبنيه بعد فوات الأوان بأوهام الرجعيين. ومع فوكو نصل إلى ذروة التفكك الزمني، الزمن ليس مجرد إشكالي بل هو عائق للمعرفة إن تصورناه استمراراً لأن كل لحظة من لحظات المعرفة منعزلة في نظامها الخاص لا يمكن تجاوزها إلى أخرى بمجرد التراكم أو التطور. هذا يعني أننا لا نتعلم من الماضي لأن الماضي ليس ماضينا بالمعنى المتصل بل هو عالم مختلف لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الهوة.
هذا الطريق المسدود الذي بلغته فلسفة الزمن المعاصر - حيث لا استمرارية ولا اتصال ولا أفق مستقبلي يضمن اتساق المعرفة - قاد بعض المفكرين إلى محاولات يائسة لإعادة بناء شكل ما من الاستمرارية على أنقاض التفكك. بول ريكور الفيلسوف الذي وقف في منتصف الطريق بين الظاهراتية والتأويلية، حاول في كتابه "الزمن والحكي" بناء جسر بين الزمن الفيزيائي المفكك والزمن الإنساني المتدفق من خلال فكرة "المؤامرة" (أي الحبكة السردية). فروايته أن الزمن يصبح إنسانياً بمقدار ما يصبح حكائياً وأن الحكي هو الذي يمنح الماضي والحاضر والمستقبل شكلاً من الاتصال لا يمحو الانقطاعات بل يحتويها. لكن ريكور نفسه كان يعترف بأن هذا الحل هو "حل شعري" أكثر منه حل إبستمولوجي وأن الهاوية بين الأحداث المتفرقة والحكاية المنظمة تظل هاوية لا تردم بالكامل. قوة الحكي أنها تعطي معنى مؤقتاً لكن ضعفها أنها لا تستطيع إثبات أن المعنى الذي تقدمه هو معنى موضوعي في الزمن نفسه وليس مجرد إسقاط لرغبتنا في النظام.
أما في رحاب الفكر العلمي المعاصر فإن التطورات في فيزياء الكم ونظريات الحلقات الزمنية والثقوب السوداء قد فاقمت الإشكال بدلاً من حله. إن اكتشاف أن الزمن على المستوى الكمي قد يتصرف بشكل متقطع وليس مستمراً كما في بعض نماذج الجاذبية الكمية الحلقية، يضرب عمقاً جديداً في أزمة الإبستمولوجيا. إذا كان الزمن نفسه على المستوى الأكثر أساسية للوجود المادي يتألف من "كمات" زمنية أي من وحدات غير قابلة للتجزئة ولكنها أيضاً غير متصلة ببعضها اتصالاً سلساً فإن كل تصوراتنا للمعرفة بوصفها تراكماً مستمراً للخبرات تصبح أوهاماً نشأت عن مستوى ماكروسكوبي من الواقع لا يتطابق مع الحقيقة العميقة. وهذا يقودنا إلى سؤال محرج، ألا تكون كل معرفتنا بالعالم بما فيها قوانين الفيزياء ذاتها مجرد تبسيط نفعي لزمن حقيقي لا يمكن تمثله؟ ألا تكون الحقيقة ذاتها زمنية إلى درجة أنها تضمحل قبل أن نقبض عليها؟
من الاستمرارية الكانطية الأرسطية إلى التفكك الدرامي في ما بعد الحداثة ثم إلى محاولات الحكي عند ريكور والتساؤلات الكمية المعاصرة، يظل الزمن هو العقدة الأعمى التي لا تنحل. فالزمن بوصفه مشكلة إبستمولوجية ليس مجرد صعوبة نظرية قابلة للحل بمزيد من البحث والتأمل، بل هو انعكاس لشرطنا المحدود ككائنات زمانية تحاول أن تدرك زمانيتها ذاتها. نحن أشبه بمن يحاول رؤية عينيه دون مرآة أو بمن يحاول الإمساك بظله وهو يركض. كل محاولة لتحويل الزمن إلى موضوع للمعرفة تبوء بالفشل لأننا لا نستطيع الخروج من الزمن لكي ننظر إليه من الخارج. هذا هو الدرس العميق الذي يخرج به الفكر المعاصر من مغامرته الطويلة مع الزمن، الإبستمولوجيا التي تتجاهل زمنية العارف نفسه هي إبستمولوجيا ناقصة لا بل واهمة. وكل بناء معرفي يستند إلى استمرارية زمنية مفترضة هو بناء معلق في الهواء لأن الاستمرارية نفسها هي التي يحتاج إلى إثباتها.
أما التفكك الذي يبدو مخيفاً والذي يصور الزمن على أنه مجرد شظايا متطايرة لا رابط بينها فإنه قد يكون في المفارقة الأعمق أقرب إلى الحقيقة من كل محاولات الربط والتجميع. ليس لأن الزمن فعلاً متقطع - فهذا حكم لا نملك أدوات لإثباته أو نفيه - بل لأن شرط المعرفة ذاتها أن تعترف بعجزها عن القبض على الزمن ككل. ربما كان الحكيم القديم الذي اكتفى بالسكوت عن الزمن أصدق من كل الفلاسفة الذين تكلموا فيه. ربما كان العارف الحقيقي هو من يعرف أنه لا يعرف الزمن وأن كل يقين زمني هو وهم ضروري للحياة اليومية لكنه سم قاتل للإبستمولوجيا الجادة.
ونقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعتنق التفكك بكل ما يحمله من رعب معرفي ونقرر أن المعرفة نفسها هي لعبة زمنية لا تستند إلى أرض صلبة أو نبحث عن استمرارية جديدة من نوع مختلف، استمرارية لا تقوم على الخط الزمني ولا على الحلقة النيتشوية ولا على الكمات المنفصلة بل على شيء آخر لم نفكر فيه بعد. ربما كان الزمن في حقيقته ليس بعداً من أبعاد الوجود بل هو الوجود نفسه في صيرورته وكل كلام عن استمرارية أو تفكك هو كلام عن أوهامنا نحن لا عن حقيقة الزمن. وهذا الاعتراف في تواضعه الصارم قد يكون أكثر الفلسفات عمقاً، أن نعترف بأننا لا نستطيع أن نعرف الزمن لأننا نعيش فيه وأن كل معرفة بالزمن هي معرفة ناقصة ومشروطة لا محالة. لعله في هذا الاعتراف وحده نجد بعض السلام مع عقدة الزمن الأبدية.
***
د. حمزة مولخنيف







