عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: مفهوم الحدث في الفلسفة المعاصرة.. من جيل دولوز إلى آلان باديو

منذ أن وجدت الفلسفة نفسها مضطرة إلى مغادرة معاقل الميتافيزيقا التقليدية التي أقامتها على أنقاض الأسئلة الأولى وهي تبحث عن لغة جديدة تليق بكينونة متغيرة لا تستقر على حال وعن مفاهيم قادرة على الإمساك بحركة الوجود من دون أن تجمده في قوالب جاهزة. كان مفهوم الحدث واحداً من أعنف تلك المحاولات وأكثرها إثارة للجدل لأنه حمل في طياته تحديا صريحاً لكل فلسفة تريد أن تفسر العالم بالعودة إلى أصول ثابتة أو غايات مرسومة. فالحدث بوصفه ذلك الخرق الذي لا يمكن اختزاله إلى سلسلة أسبابه ولا تنبؤ به من خلال قوانينه يذكر الفلسفة بحدودها ويذكرها في الوقت نفسه بمهمتها الأصيلة، ليست الفلسفة لتحكم على الوقائع من عل بل لتعي ما في الوقائع من فائض لا يخضع للحساب. وإذا كانت الفلسفة المعاصرة قد انشغلت بالحدث انشغالاً غير مسبوق فلأنها وجدت فيه مخرجاً من مأزقين مترابطين، مأزق البنيوية التي جمدت الفعل في شبكة القوانين ومأزق الهرمنيوطيقا التي أذابت الوقع في بحر التأويلات اللانهائية. بين هذين المأزقين وقف كل من جيل دولوز وآلان باديو ليقدما تصورين مختلفين بل متعارضين في كثير من الأحيان، لكنهما معاً يشكلان أغنى ما أنتجه الفكر الفرنسي في العقود الأخيرة من تفكير في مسألة الجديد والقطيعة والصدفة والإخلاص. فدولوز المتأثر بالرواقية وببرغسون وبنيچه، يرى في الحدث تعبيراً سطحياً عن اختلافات صغرى تعمل في العمق، وهو بذلك يمنح الزمن قوة الالتواء والانثناء كي لا يكون الحدث مجرد لحظة بل أسلوب حياة. أما باديو المستند إلى نظرية المجموعات والرياضيات الحديثة فيصر على أن الحدث هو انقطاع جذري وثغرة في نسيج الوضع يعلن عنها إعلاناً اسمياً ويقتفيها ولاء طويل وشاق. بين هذين القطبين يتحرك هذا المقال ليستوضح ليس فقط ما يقوله كل منهما عن الحدث، بل ما يفعله هذا المفهوم في فلسفتهما وكيف يعيد تشكيل مفاهيم الحقيقة والذات والزمن والسياسة. ولأن الحديث عن الحدث لا يليق به إلا أسلوب يتنفس من رئتي الحياة ذاتها، سنمضي في هذا المقال المتواضع متجنبين الجفاء الأكاديمي والتفلسف المنغلق، ساعين إلى أن تكون الكلمات حاملة لرهقة الأسئلة ولذة الدهشة معاً، كما يليق بمفهوم ما زال يحدث في فلسفتنا اليوم من بلبلة مباركة وقلق منتج.

ليس الحدث في الفلسفة المعاصرة ذلك الشيء الذي يقع فحسب، بل ذلك الخرق الذي يشق نسيج الزمن العادي، ذاك الانفجار الصامت الذي يعيد توزيع الممكن والمستحيل في لحظة مفاجئة لا تترك مكاناً للانتظار. حين نقترب من مفهوم الحدث عند جيل دولوز نجد أنفسنا أمام فلسفة لا تسأل عمّا هو الكائن أو الجوهر بل عمّا يحدث أو بالأحرى عمّا يحدث من جديد في الدهشة ذاتها. يستمد دولوز تصوره للحدث من قراءته العميقة للرواقيين حيث يكون الحدث معنى خالصاً لا ينتمي إلى الأجسام وأحوالها بل إلى السطح الناصع الذي يفصل بين الأعماق الجسدية والتصورات الذهنية. في كتابه "منطق المعنى"، يجعل دولوز من الحدث ذلك اللامتناهي في الصغر وهو ما يفلت دائماً من الحضور المباشر لأنه في الوقت نفسه ما تمّ وما لم يتم بعد، إنه في هذه الدهشة الزمنية حيث الماضي والمستقبل يلتقيان على حدّ الحاضر النقي. وليس الحدث عنده مجرد تغيير في وضع الأشياء بل هو ذلك "الفعل" الذي يجعل من الاختلاف مبدأ لكل خلق ومن التكرار قوة تحرر لا إكراهاً آلياً. حين يقول دولوز: "الحدث ليس ما يقع، بل هو ما في كل ما يقع من إمكان محض للطيران"، إنه يفتح الباب لتأمل كوني لا يطلب تفسير الأحوال الراهنة قدر ما يبحث عن الشروط الفارقة لظهور ما لم يكن له من قبل حضور في أفق التوقع.

يرتبط الحدث الدولوزي بصورة جوهرية بفلسفة الاختلاف والتكرار إذ لا يمكن حصر شيء باسم كينونة ثابتة بل كل كينونة تتحقق عبر سلسلة من الاختلافات الممتدة. فالحدث هو ذاك المتصالب مع السلسلة الزمنية بوصفه نقطة انحراف دائمة لا يمكن اختزالها إلى أصل أو غاية. إنه مثل المقطع الناقص في لحن لا يُعزف مرة واحدة بل يُعاد اجتراحه في كل مرة من خلال إعادة توزيع اللاحق والسابق. ويأخذ الزمن في فلسفة دولوز هنا طابعاً أيونياً صرفاً حيث "الأيون" ليس لحظة ثابتة بل هو هذا التشظي الذي لا يكف عن تكسير الزمن الخطي المتجانس. وإذا كان الحدث في التاريخ التقليدي يُفهم على أنه لحظة مفصلية يمكن تثبيتها وتأريخها، فإن الحدث الدولوزي يهرب من كل تأريخ لأنه يحمل في طيّاته قوة التجدد المستمر مثلما يحمل حرف العلة في اللغة طاقة النطق التي لا تنضب.

على النقيض من ذلك يقف آلان باديو الذي يقدم مفهوماً مغايراً للحدث لكنه يظل موصولاً بجذور العمق الفلسفي نفسه. في عمله الضخم "الوجود والحدث"، يحاول باديو تأسيس فهم للحدث من خلال عدسة نظرية المجموعات والرياضيات الحديثة، لكنه يفعل ذلك بطريقة تضع الحدث في موقع المفارقة المحضة. فالحدث عند باديو هو ذاك المستثنى من الوضع القائم، ذلك الفائض غير القابل للقياس في إطار المعرفة الراسخة. إنه ليس وليد نظام الأسباب والعوامل بل هو تلك البُقعة الفارغة التي تظهر فجأة في نسيج الوضع وتُحدث انقلاباً في قوانين الرؤية المشتركة. يرتبط الحدث عند باديو بالمفهوم الرياضي لـ"المجموعة الفارغة"، أي ذلك العنصر الذي ليس عنصراً ولكنه شرط إمكان كل مجموعة. هكذا يكتسب الحدث طابع العدم المؤسس حيث يكون "الحدث هو ذلك الشيء الذي ليس موجوداً في الوضع ولكنه مع ذلك يحدث". ومن هنا تنبثق فكرة "إجراء الحقيقة"، فالحقيقة لا تُكتشف بل تُبتكر جواباً على صدمة الحدث وفي التزام لا يتراجع نحو ما أعلنه هذا الحدث من استثناء.

يتقاطع دولوز وباديو في رفضهما لفلسفات التمثّل والتماثل التي تسعى إلى احتواء الحدث داخل شبكات سببية جاهزة لكنهما يختلفان جذرياً في طريقة التعامل مع هذا الرفض. فبينما يرى دولوز أن الحدث هو دائماً ضمن عالم الاختلاف المحض بحيث لا يمكن الفصل بينه وبين آلياته الظرفية الدقيقة، يصر باديو على أن الحدث هو كسر جذري يحدث "من لا شيء" ولا يمكن إرجاعه إلى أي استمرارية سببية. هذا الخلاف العميق حول ما إذا كان الحدث متصلاً بالوضع أم منقطعاً عنه هو ما يعيد إنتاج إشكالية كلاسيكية في الفلسفة أي إشكالية الاستمرارية والانقطاع. دولوز بقراءته لبرغسون يظل وفياً لفكرة أن الجديد يأتي من امتداد الاختلاف الداخلي للزمن نفسه وأن أي انقطاع هو في الحقيقة صورة عن الاختلاف المتزايد لتوترات ضمنية. بينما باديو المتأثر بنظريات القطيعة الإبستمولوجية لدى باشلار وكافيل يرى أن الحدث هو ثغرة في نسيج المعرفة لا يمكن تصورها إلا من موقع أخلاقي وسياسي يحتمل المخاطرة واللايقين.

غير أن هذا الاختلاف لا يحجب تقارباً أعمق، يتجلى في إصرارهما معاً على أن الفلسفة ليست تأملاً في ما هو كائن بل هي فعل منقطع بواسطة الحدث، وهي مسؤولية اتخاذ موقف إزاء ما لا يمكن التنبؤ به. في حضرة الحدث تتحول الفلسفة إلى ممارسة مفارَقة، عليها أن تصمت عن الحدث نفسه لأنه لا ينتمي إلى المجال المفهومي القابل للتصريح وفي الوقت نفسه عليها أن تنطق باسمه لتخلق إمكانيات جديدة للنظر والعمل. دولوز سيبحث عن هذا التعبير لدى كبار الروائيين والشعراء، إذ الحدث عنده هو قدرة اللغة على قول ما ليس بمقول، عبر التواءات المعنى والأسلوب والتصدعات السطحية للعبارة. باديو سيبحث عنه في حالات نادرة من التاريخ كالثورة البلشفية أو الحب العابث في شعر مالارميه أو في التزام سان بول الصوفي. الحدث إذن ليس قضية نظرية بل قضية إخلاص إنه يستدعي من يقبل أن يتغير بسببه، من يقبل أن تُهدم صورة ذاته القديمة على مذبح ما هو قادم وغير معروف.

تحضر هنا علاقة الحدث بالزمن بصفة خاصة. فإذا كان الزمن عند هايدغر هو أفق فهم الوجود فإن الحدث عند كل من دولوز و باديو يمثل نقيض الزمن الكرونولوجي أي الزمن الذي يُقاس بالساعات والتواريخ. فوليد الحدث هو زمن الأيون الدولوزي، ذلك الزمن السطحي المتشظي الذي يعبر فيه المستقبل والماضي بعضهما بلا توقف أو زمن الثورة عند باديو الذي قطَّع أوصال الزمن الخطي لصالح لحظة قرار لا تُحسب ضمن الحسابات المتوقعة. الحدث هو ذاك الآن الذي ينفلت من سلسلة الآنات المتتابعة ليشكّل نقطة تحول مفاجئة تعيد تأسيس إيقاع التاريخ نفسه. لذا فالتاريخ في منظورهما ليس تراكماً بل هو سلسلة من الأحداث المتقطعة كل منها يحمل قوة تشريع حاضرة تتجاوز لحظة وقوعه. وهنا نلمس صدى واضحاً لنظرية بنيامين في "أطروحات حول مفهوم التاريخ" إذ يعيد كل حدث ترتيب الزمن بأسره من حوله.

والسؤال الذي يظل أكثر إلحاحاً من يعترف بالحدث؟ وكيف نميز الحدث الحقيقي من مجرد واقعة عابرة أو حادثة سطحية؟ بالنسبة لدولوز الاعتراف بالحدث يتطلب فلسفة للاختلاف تجعلنا حساسين لتداعيات اللاوعي واللامتناهي الصغر. نحن لا نعيش الحدث كحدث حقيقة إلا بقدر ما نتحرر من عادة تصنيف الأشياء بلحاظ منافعنا أو توقعاتنا الضيقة. الحدث غالباً ما يمر دون أن يُسمع مثلما يمر لمس فنان ما على أوتار كمان دون أن يحفل به السامعون العاديون لكنه بذرة الانقلاب الوشيك. أما عند باديو فالحدث لا يظهر إلا لمن يقرر ولاءه له أي لمن يدخل في مسار حقيقة طويلة بتكرار اسم الحدث وتأويله. هذا الولاء ليس انقياداً أعمى بل هو إجراءات صارمة من الفحص و التفريق بين المظاهر الوهمية والآثار الحقة. فالحدث عند باديو لا يكتسب قوته من ذاته فحسب بل من الإخلاص الذي يولده بعدئذ حيث يقوم أتباعه بمسح الوضع القديم وإعادة بناء الرؤية وفق شعارات الحدث.

ويمكن العودة هنا إلى دولوز للمقارنة من جديد بينما باديو يبني فلسفة الحدث على ثنائية صارمة بين الوضع والحدث وبين المعرفة والحقيقة فإن دولوز يميل إلى حل هذه الثنائيات من خلال فلسفة السطح حيث لا يوجد تمفصل مفاجئ بل تطويع متواصل للمعنى بتلقائية غير واعية. لكن كليهما يرى في الحدث أفقاً للفلسفة قادراً على إنقاذها من الوقوع في مأزق التمثيل أو النسبوية. الحدث هو ما لا يمكن قياسه بلغة القوانين أو التفسيرات الشاملة ولكنه بالتالي ما يبعث الفلسفة من جديد كفكرة، أي كتفكير في ما لا يمكن التفكير فيه إلا إذا تجاوزنا حدود الممكن. بذلك يُصبح مفهوم الحدث درساً في التواضع الفلسفي بقدر ما هو درس في الجرأة، الفلسفة لا تخلق الأحداث بل تتلقفها بعد وقوعها ولكنها تتلقفها بوصفها منجلاً يقطع جذور الماضي الوهمي ويفتح أرضاً مجهولة لا خرائط لها.

هذا التوتر الخصب بين دولوز و باديو يشبه ذلك التوتر بين الفلاسفة الذين يقرؤون الفلسفة بوصفها فن المفهوم في تشابكه بتجربة الحياة المعاشة وأولئك الذين يقرؤونها بوصفها رياضيات الماهيات في تجردها النبيل. فلسفة الحدث لدى دولوز هي فلسفة المسكوت عنه، ذلك الهمس الذي يدوي في جسد اللغة ولا يظهر إلا كصدع في مرآة العالم. فلسفة الحدث لدى باديو هي فلسفة القطيعة المتعمدة، الصرخة التي لا تسمعها الحشود إلا بعد أن صدرت من فراغ محض. معاً يشكلان ثنائية لا يمكن تجاوزها بسهولة، ثنائية تدفع كل مفكر معاصر إلى أن يسأل نفسه إن كان الحدث الذي يشهده الآن هو تكثيف بطيء لاختلافات كامنة أم طلقة رصاص انطلقت من ماضٍ مشروخ ولم تصل بعد إلى مستقبلها.

وبوسعنا القول إن سر قيمة مفهوم الحدث في الفلسفة المعاصرة يكمن بالضبط في هذه المفارقة، الحدث هو ذاك الشيء الذي لا نملك نظرية فيه ولكن كل نظرية لا بد أن تحدد موقفها منه. دولوز يمنحنا نظرية بلا قطع؛ باديو يمنحنا قطعاً بلا نظرية كاملة. كلاهما ينتهي إلى أن الفلسفة الحقة هي تلك التي تقع في حب حدث لم يقع بعد أو تقع تحت سطوة حدث وقع بالكاد مثل تلك العتمة الأولى التي انفجرت منها النجوم. في حضرة الحدث لا قيمة للدقة التاريخية بمقدار قيمة القدرة على إعادة ابتكار ما يعنيه أن نكون في زماننا هذا. ليس المطلوب فهم الحدث بقدر ما هو مطلوب أن نتخذ موقفاً منه، أن نسمح له بأن يغيرنا وأن نراهن على المجهول برغم كل مؤشرات الإخفاق الممكنة. وهنا ينقلنا الحدث من جبروت السببية إلى فضاء الحرية ومن حساب الاحتمالات إلى لعبة الإخلاص ومن تاريخ المغلوبين إلى تاريخ اللحظة التي يتحدى فيها الإنسان حدود بشريته.

ويصير الحديث عن الحدث حديثاً عن إمكانية التغيير الجذري في عالم باتت فيه كل التغييرات تبدو محسوبة ومتوقعة. فلسفة الحدث سواء في صيغتها الدولوزية أو البادوية هي احتجاج صارم على كل فلسفة ترى في التاريخ مجرد امتداد للضرورة أو في الوجود مجرد تكرار للهوية. غير أننا لو تعمقنا أكثر في فوارق هذين التيارين لوجدنا أنفسنا أمام معضلة أخلاقية كبرى، كيف نتصرف بعد الحدث؟ وما هي طبيعة المسؤولية التي يفرضها علينا ذلك الخرق في نسيج الممكن؟ دولوز في قراءته لكافكا وبروست يذهب إلى أن الحدث لا يفرض علينا واجب الطاعة أو حتى واجب المقاومة بل يفرض علينا واجب التعبير، أي أن نخلق لغة جديدة قادرة على حمل ما لا يطاق في الواقع وما لا يتحقق في الرغبة. فالحدث عنده هو ما يجعلنا نصرخ بطريقة لم نعتد الصراخ بها أو نكتب بطريقة لم نكن نعرف أن للكتابة تلك القدرة على الالتواء حول الأشياء. هذا المنحى الأدبي الخالص في فلسفة دولوز يمنح الحدث بعداً جمالياً قبل أن يكون بعداً سياسياً أو وجودياً، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل دولوز أقرب إلى الفنانين والكتاب منه إلى الثوار والمناضلين، فهو يرى أن الثورة الحقيقية ليست تغيير المؤسسات بل تغيير نظام الرؤية نفسها وذلك لا يتم إلا عبر عمل فني يتجاوز حدود الفن المعروف إلى ما يشبه حدثاً في اللغة ذاتها.

على الضفة الأخرى يقف باديو بثقله الرياضياتي والسياسي ليقول لنا إن الحدث لا يكتمل إلا ببناء ذات جماعية جديدة تعلن ولاءها لاسم الحدث وتخوض غمار إجراءات الحقيقة دون تردد. هذا الولاء يتخذ أشكالاً سياسية واضحة مثل تشكيل منظمة ثورية أو حزب طليعي أو أشكالاً عاطفية كما في الحب الذي يمثل حدثاً يغير حياة اثنين تماماً أو أشكالاً فنية كما في الشعر الذي يختبر إمكانيات جديدة للغة. لكن باديو يحذرنا من مأزقين: الأول هو "الولاء المزيف" الذي يكتفي بتكرار شعارات الحدث دون أن يخوض معركة فهمه وتجسيده في الوضع القائم. والثاني هو "الكشف العدمي" الذي يسلم بأن الحدث كان مجرد وهم أو انزلاق عابر فيعود بالذات إلى سباتها اليومي. بين هذين المأزقين يتحرك الفاعل المخلص للحدث في توتر دائم بين ما أعلنه الحدث من إمكانيات غير محدودة وما يسمح به الوضع الفقير من قيود وشروط.

لكننا لا نستطيع أن نغفل هنا عن صوت ثالث، ربما كان أكثر هدوءاً لكنه لا يقل عمقاً، أعني صوت جاك دريدا الذي تناول الحدث من زاوية المفارقة والمستحيل. في دريدا الحدث هو ما لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن ترحيبه بشكل كامل بل هو دائماً يأتي من الخارج المطلق، مفاجئاً لنا ومربكاً لقوانين الضيافة. يكتب دريدا في "حدث الضيافة" أن الضيافة الحقة لا تتحقق إلا عندما نرحب بمن لا نتوقع قدومه وبمن ليس له دعوة ولا هوية معلنة وبمن يكسر نظام التوقع ذاته. والحدث عنده يشبه هذا الضيف المجهول الذي يطرق الباب دون سابق إنذار ولا يمكننا أن نعرف إن كان سيحمل لنا الخلاص أم الخراب، لكن واجب الفلسفة هو أن تترك الباب موارباً على الأقل. ولعل دريدا هنا يقدم مقاربة مختلفة عن كل من دولوز و باديو، فهو لا يبحث عن شروط إمكان الحدث بل عن شروط استحالته الضرورية أي إن الحدث الحقيقي هو ذلك الذي ينجح في أن يكون مستحيلاً وفق شروط الوضع القائم ثم يأتي ويتحقق مع ذلك كمفارقة محضة. هذه الرؤية الدرامية للحدث تحمل في طياتها أخلاقية قصوى، على الفيلسوف ألا يزعم أنه يفهم الحدث لأنه فور فهمه له يتوقف عن كونه حدثاً ليتحول إلى مجرد حالة خاصة من قانون عام. هكذا يظل الحدث دريدياً ملتصقاً باللاقرار وبالرهان وبالمخاطرة. وهو قريب هنا من باديو في رفض التفسير السببي لكنه يختلف عنه في التردد بخصوص إمكانية إجراء حقيقة واحدة للحدث، لأن الحقيقة ذاتها عند دريدا منقسمة على نفسها ومُرجأة إلى ما لا نهاية.

كل هذه المقاربات تتفق على أن الحدث لا يمكن اختزاله إلى تفسير واحد وأن التعامل معه يتطلب منا ليس فقط شجاعة النظر بل شجاعة الفعل أيضاً. الفيلسوف المعاصر في حضرة الحدث كالحادي عشر من سبتمبر أو الربيع العربي أو جائحة كورونا، لا يمكنه أن يظل برجاً عاجياً يراقب من بعيد بل هو منخرط بالضرورة في السؤال الموجع، هل هذا الحدث حقا حدث؟ أم مجرد تكبير إعلامي لموقف عابر؟ وكيف نميز بين الحدث والكارثة؟ أو بين الحدث والانقلاب التدريجي الذي لا ينتبه إليه أحد؟ هذه الأسئلة تعيدنا إلى أصل مفهوم الحدث لدى الفلاسفة القدماء حيث كان الحدث يُفهم على أنه ظاهرة استثنائية تكشف عن تدخل الآلهة أو العناية الإلهية في مجرى الطبيعة. لكن الحدث الحديث بفعل فلسفات التنوير والعلم أصبح مرادفاً للصدفة أو الاحتمال الشاذ، ثم صار مع نيتشه وهيدغر ضرباً من قدَر الوجود وتجليه. وفي الفلسفة المعاصرة استعاد نضارته الثورية بوصفه أداة لمقاومة التصورات البنيوية والوظيفية التي اختزلت الإنسان في موقعه داخل النظام.

لعل المثال الأكثر تعقيداً للحدث في الفلسفة المعاصرة هو مثال الحب ذاته. فالحب عند باديو هو حدث بامتياز لأنه يصدر من لا شيء لا من مصلحة ولا من نقص ولا من إسقاط نفسي بل هو ذلك اللقاء العابر الذي يغير حياة اثنين تماماً ويجبرهما على بناء عالم جديد لا يقاس بمقاييس الراحة أو المنفعة. في الحب نعلن ولاءً لحدث حصل في لحظة لا يمكن إرجاعها إلى أسباب كافية، وهو ولاء يتطلب العمل اليومي والمستمر، ليس لتفسير لماذا وقع الحب بل لبناء ما يسميه باديو "مشهد الحقيقة الثاني". وإذا كان باديو يرى في الحب نموذجاً للحدث بفضل شروطه السياسية الأخلاقية، فإن دولوز ربما رأى فيه نموذجاً آخر، أقرب إلى إعادة إنتاج الاختلاف في إطار زمن الأيون حيث كل لقاء هو لقاء أول وكل وداع هو وداع بلا عودة. وفي كليهما يظل الحب هو الشهادة الحية على أن الإنسان ليس كائناً مبرمجاً على التكرار بل هو كائن يمكنه أن ينفتح على المجهول وعلى الخطر وعلى التجديد الذاتي العميق.

لقد رأينا أن دولوز قدّم حدثاً مائياً سائلاً يتدفق في شقوق اللغة والرغبة واللاوعي، حدثاً لا يمكن تثبيته لأنه هو حركة التثبيت ذاتها. ورأينا أن باديو قدّم حدثاً رياضياً صارماً كالقطيعة الحادة التي تفصل بين عهدين، حدثاً يتطلب إخلاصاً شبه ديني يقيم الحقائق على أطلال الأوضاع البالية. وبين هذا وذاك تحضر مقاربات أخرى كالمقاربة الدرامية لدريدا التي ترى الحدث بوصفه ضيفاً غير متوقع أو مقاربة جان لوك نانسي التي ترى الحدث بوصفه فائضاً عن المعنى في صميم الجماعة أو مقاربة جورجو أغامبن الذي يرى الحدث بوصفه تلك اللحظة التي يتوقف فيها القانون عن العمل ليفسح المجال للحياة العارية كحدث أخلاقي خالص. كل هذه المقاربات تعكس حاجة فلسفية معاصرة ملحة، الحاجة إلى التفكير في ما هو خارج السيطرة، في ما لا يمكن حسابه أو التنبؤ به، في ما يذكرنا بأن العالم ليس آلة منتظمة ولا فوضى عبثية بل هو بالأحرى ذلك النسيج الممزق الذي تظهر فيه بين الفينة والأخرى ثغرات مضيئة.

غير أن أخطر ما في مفهوم الحدث هو قدرته على أن يصبح أيديولوجيا في حد ذاته، أي أن يتحول إلى شعار يُبرر به أي فوضى أو أي عنف باسم الجدة. كثيراً ما يستغل دعاة التغيير الأعمى لغة الحدث ليعلنوا أن كل ما هو جديد هو بالضرورة حدث، وأن كل حدث هو بالضرورة خير مطلق. وهذا بالضبط ما حاربته فلسفة دولوز من خلال إصرارها على أن الحدث لا قيمة له ما لم يرافقه تحول في أسلوب الحياة والتفكير وما حاربته فلسفة باديو من خلال اشتراطها لولاء طويل وشاق ومؤلم. فالحدث ليس هبة مجانية بل هو امتحان لصدقيتنا كبشر واختبار لقدرتنا على تحمل ألم التغيير ووحدة القرار في زمن اختلطت فيه الأصوات وتبخرت اليقينيات. وربما كان هذا هو الدرس الأخير الذي تقدمه لنا الفلسفة المعاصرة في شأن الحدث، أن نكون مستعدين لاستقباله من دون أن نعرف ما يحمل وأن نكون أقوياء بما يكفي لنبقى أوفياء له حتى بعد أن تهدأ الضجة الإعلامية، وحتى بعد أن يتخلى عنه ضعفاء النفوس. فالحدث في العمق ليس مجرد لحظة زمنية استثنائية بل هو أسلوب وجود كامل، طريقة للحياة والحب والكتابة والحرب والسلام، تتطلب منا أن نكون أكثر مما كنا وأقل مما سوف نصير.

ونجد أنفسنا أمام مفهوم لا يفسر العالم فحسب بل يعيد تشكيله من أساسه، ليس بوصفه نظرية باردة بل بوصفه نداءً مباشراً للروح والفعل. فلسفة الحدث في عصرنا تبدو وكأنها النبض الحي لفلسفة ترفض أن تموت في متاحف الأفكار أو في زوايا التخصص الأكاديمي الضيق. إنها فلسفة سائلة، خطيرة، مفتوحة، تكتبها الحياة قبل أن يكتبها الفلاسفة وتعيشها المدن والحشود والعشاق والحالمون قبل أن تصطادها الكتب في شراك الصفحات. الحدث هو دائماً ذلك الشيء الذي يسبقنا، الذي يكون هناك في انتظارنا ثم يمر بنا في لحظة لا نكاد نلتقط فيها أنفاسنا ويتركنا بعده مذهولين من دون أن نستطيع العودة إلى ما كنا عليه ومن دون أن نعرف تماماً ما الذي صرنا إليه. هذه الهشاشة المنتصرة وهذا التوتر الإبداعي بين الانهيار والنهوض، هو جوهر كل حدث وهو في الوقت نفسه جوهر الفلسفة المعاصرة حين تكون صادقة مع نفسها. فالفلسفة الحية لا تقول لنا احذروا، الحدث قادم. بل تقول لنا انظروا، لقد وقع بالفعل وطنطنة أجراسه ما زالت تمزق صمت العادة، فمن يملك الشجاعة لكي يسمعها ومن يملك الرغبة لكي يجيب؟.

***

د. حمزة مولخنيف