أقلام فكرية
غالب المسعودي: اغتيالُ الذات وسَدنةُ الميتافيزيقيا
تعد العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والبنية الاجتماعية للدولة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الفكر الفلسفي المعاصر؛ حيث يبرز التساؤل الجوهري حول ماهية المواطنة الحقيقية في مواجهة آليات الهيمنة الحديثة. إن الأطروحة التي تذهب إلى أن "المواطن الذي لا يملك وعياً نقدياً وفلسفة مواطنة حقيقية هو مجرد صبي صنعة تحت إمرة المستثمرين في رأس المال المعنوي والميتافيزيقي"، لا تعكس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تعلن عن وقوع "جناية وجودية" كبرى. إنها عملية "اغتيال للذات" يتم فيها إفراغ الإنسان من ماهيته ككائن حر، مختار، ومسؤول، ليتحول إلى مجرد أداة طيعة، أو "صبي" في ورشة استهلاكية ضخمة تدار بسلطة الرموز والغيبيات.
من الدهشة السقراطية إلى تيه "الوجود الزائف"
يمثل الوعي النقدي حجر الزاوية الذي تُبنى عليه الذات الحرة. هذه العملية لا تبدأ من الرفض العبثي أو الفوضى الفكرية، بل تنبع من "الدهشة" الفلسفية الأولى؛ تلك الدهشة التي تفتح ثغرة في جدار المألوف والاعتياد. الوجودي الحقيقي هو من يرفض "الوجود الجاهز" الذي يُقدم له على طبق من التلقين. أما المواطن الذي يفتقر إلى هذا الوعي، فإنه يظل حبيس "الأوهام اللغوية الموروثة"، حيث تصبح قناعاته مجرد أصداء لسرديات كبرى لم يشارك في صياغة حرف واحد منها.
هنا يتم اغتيال الذات عبر استبدال صوتها الداخلي بأصوات القوى المهيمنة. يتحول المواطن إلى "صبي" في ورشة لإنتاج الوعي الزائف، ينفذ المهام الموكلة إليه، ويردد الشعارات التي تُلقى في روعه دون إدراك لغاياتها الكبرى أو مآلاتها النهائية. إنها حالة من "الغيبوبة الواعية" التي يُسلب فيها الفرد حقه في التساؤل، ليصبح مجرد رقم في معادلة القوة التي يديرها الآخرون.
تفكيك "الوعي المستعار": نقد الكوجيتو المستلب
في الفلسفة التقليدية، كان يُنظر إلى العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" بوصفها ركيزة اليقين والوجود الإنساني. لكن القراءة التفكيكية والنقدية المعاصرة لهذه العبارة تكشف عن مأزق وجودي خطير في سياق المجتمعات التابعة؛ فالتفكير ليس دائماً فعلاً ذاتياً حراً. في واقع المواطنة المستلبة، تصبح العبارة الحقيقية هي: "أنا أُفكَّرُ بي، إذن أنا أداة".
هنا، يتم تفكيك مركزية الذات؛ فالمواطن الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره وتفكيك مصادره يفقد جوهر وجوده السياسي. الوجود الحقيقي لا يتحقق بمجرد التفكير، بل بالقدرة على نقد "آلة التفكير" ذاتها. فالوعي الذي لا يراجع يقينياته هو وعي مستعار، والوجود الذي يقوم على التلقين هو وجود بالنيابة. عندما يتوقف المواطن عن إطلاق تساؤلاته الوجودية والسياسية (لماذا؟ وكيف؟ ولصالح من؟)، فإنه يدخل في حالة من "الموت الرمزي"، حيث يتم ملء فراغه الوجودي بإرادة "المستثمرين" في الوعي الجمعي. إن الوجود الحقيقي هو "قلق السؤال"، بينما الامتثال المطلق هو طمأنينة العدم.
استعارة "صبي الصنعة": الوجود كحرفة مستلبة
إن وصف المواطن بـ "صبي الصنعة" يحمل دلالات فلسفية واقتصادية مرعبة. في النظام الحرفي التقليدي، كان الصبي يمحو شخصيته تماماً ليذوب في شخصية "المعلم"، ويتعلم الصنعة عبر التقليد الأعمى دون أن يمتلك حق الابتكار أو فهم "السر الكلي" للعملية الإنتاجية. وبالمثل، فإن المواطن المستلب هو الذي يعيش "وجوداً بالنيابة"، يقلد الشعارات السياسية، ويتبنى المعارك التي لا تمثله، محولاً المواطنة من كينونة أخلاقية وكرامة إنسانية إلى مجرد "حرفة" أو دور وظيفي يؤديه للحصول على أمان موهوم أو مكاسب رمزية بسيطة.
في الإدارة الحديثة ونظم السيطرة المعاصرة، يتم "تسليع الإنسان"، حيث يُختزل المواطن في مجموعة مهارات تقنية أو ولاءات قطيعية تخدم النظام القائم، بدلاً من كونه "ذاتاً فاعلة" تساهم في صياغة الغايات الكبرى للمجتمع. هذا التشيؤ يسلب الإنسان "فرادة كينونته" ويحوله من "سيد لمصيره" إلى "ترس" في آلة ضخمة لا يملك السيطرة على حركتها ولا يعرف أين تتجه به. المواطن "الصبي" هو الذي يقبل بأن يكون "مورداً بشرياً" يُستهلك، بدلاً من أن يكون "قيمة إنسانية" تُحترم.
سدنة الميتافيزيقيا والاستثمار في "العدم"
يعد مفهوم "رأس المال الميتافيزيقي" الأداة الأكثر فتكاً في عملية اغتيال الذات. إذا كان رأس المال المادي يتمثل في العقارات والمصانع، فإن رأس المال الميتافيزيقي يتمثل في رصيد قداسة رموز السرديات التاريخية، والوعود الغيبية التي تحتكرها السلطة أو القوى الاجتماعية المهيمنة. المستثمرون في هذا المجال لا يبيعون سلعاً ملموسة، بل يبيعون "أوهاماً مقدسة" ويتاجرون بخوف الإنسان الوجودي من الفناء أو التهميش.
إنهم يديرون ما يمكن تسميته "اقتصاديات المقدس"، حيث يتم استبدال الحقوق المادية والكرامة الواقعية بوعود معنوية غيبية. تصبح "التعويذة السياسية" أو "الشعار " وسيلة لاستهلاك الطاقة الوجودية للمواطنين؛ حيث يُطلب من هؤلاء "الصبيان" التضحية بحاضرهم الملموس، ومعاناتهم الحقيقية، وحرياتهم الأساسية، من أجل مستقبل موهوم ترسمه مخيلة المستثمر الذي يجلس في برجه العاجي. هنا تظهر "المادية المتلبسة بالروحانية" كأقصى درجات الاغتراب؛ حيث يُقنع المواطن بأن فقره أو استلابه هو "قدر روحي" أو "اختبار إلهي"، مما يمنعه من رؤية آليات الاستغلال الحقيقية الكامنة في علاقات السلطة والإنتاج.
الرأسمالية كدين والممارسات الطقسية لـ "صبيان الصنعة"
إن الرأسمالية في صورتها المتوحشة لم تعد مجرد نظام اقتصادي، بل تحولت إلى "ظاهرة دينية عبادية" لا تمتلك لاهوتاً واضحاً، بل تعتمد كلياً على ممارسة "الطقس" المتمثل في الاستهلاك والتبادل والانقياد. في هذه الورشة الكبرى، يتحول "المستثمرون" إلى كهنة جدد، ويتحول "صبيان الصنعة" إلى مريدين يطاردون سراب الازدهار الذي يبتعد كلما اقتربوا منه.
يتم تسييس الرموز والحروب الرمزية لشرعنة مواقف المستثمرين، وإقصاء الخصوم عبر ثنائيات حدية مدمرة، هذا التسييس يفرغ الصراعات الحقيقية على الموارد والحقوق من مضمونها النقدي، ويحولها إلى "حروب هوية" تشتعل في وعي المواطن الصبي، بينما يجني المستثمرون ثمار هذا الحريق من أرصدة القوة والمال. إن غياب الفلسفة النقدية يجعل من المواطن وقوداً لهذه الحروب الرمزية، دون أن يدرك أنه يقاتل دفاعاً عن السلاسل التي تكبله.
استعادة الذات: نحو ثورة وجودية ومواطنة نقدية
إن الخروج من حالة "صبي الصنعة" لا يتحقق عبر تغييرات قانونية سطحية فحسب، بل يتطلب "ثورة وعي" شاملة تعيد للذات الإنسانية مركزيتها وقدرتها على الفعل. هذا التحول يبدأ برفض "الوجود المستعار" وشجاعة السؤال عن الجدوى والمعنى. الوعي النقدي هو الفعل التحرري الذي يكسر طوق "الاستلاب الميتافيزيقي"؛ حيث يبدأ الفرد في إدراك أن كرامته ليست منحة من "سادن الرموز" بل هي حق أصيل نابع من وجوده الحر.
بناء "رأس المال الاجتماعي" القائم على العلاقات الأفقية والثقة المتبادلة بين المواطنين هو البديل الحقيقي لرؤوس الأموال الميتافيزيقية التي تفرضها السلطة من أعلى. عندما يتحول الأفراد من "صبيان" متفرقين في ورشات الهيمنة إلى مواطنين فاعلين في مؤسسات المجتمع المدني، فإنهم يخلقون "فضاءً عمومياً" يحميهم من الاغتراب، ويمنحهم القدرة على التفاوض مع "المستثمرين" في السلطة والمال من موقع الند للند.
المواطنة الحقيقية هي ممارسة يومية للحرية في "الشأن العام"، وهي اعتراف بأن "الإنسان هو صاحب السيادة" على نفسه وعلى مصير وطنه. إن الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تسعى إليه المجتمعات التي تنشد النهضة هو الاستثمار في "العقل النقدي" وتعميق الرؤية الوجودية للكرامة. فالعقل الحر هو الثروة الوحيدة التي لا يمكن للمستثمرين الميتافيزيقيين أو سدنة الأيديولوجيات مصادرتها أو التلاعب بها.
اخيرا، يظهر الوعي النقدي كفعل تحرري يكسر طوق التبعية. إن المواطن الذي يدرك آليات استغلال "رأس المال المعنوي" هو وحده القادر على الانتقال من مرتبة "الصبي" الذي ينفذ الأوامر تحت وطأة الشعور بالذنب أو الولاء المزيف، إلى مرتبة "المواطن السيد" الذي يرفض أن يُغتال وعيه، ويصر على أن يكون هو الكاتب الوحيد لسيرة وجوده، والفاعل الحقيقي في بناء مستقبل وطنه القائم على قيم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية الخالصة.
***
غالب المسعودي







