أقلام فكرية
علاء جواد كاظم: العزوف عن القراءة بين الثقافتين الشفوية والمعرفية
قراءة تحليلية
واحدة من أهم الاشكاليات الحالية في المجتمع العربي، لماذا لا يقبل الناس على القراءة؟ بلا شك أن للقراءة اهمية عظيمة لا يمكن لاحد انكارها. لذا وجد نص مكتوب على جدار أول مكتبة للفراعنة العبارة التالية "هذا غذاء النفوس وطب العقول". الدلالة واضحة وقوية، القراءة غذاء وعلاج في نفس الوقت؛ بل هي اساس الحرية الفكرية والثقافية والسياسية والدينية. لان من غير الممكن بناء فرد حر من دون تمكينه من القراءة وسبل الوصول الى المعرفة والعلم، وكما يتعذر بغيرها صناعة حاضر المجتمع ومستقبله (1)،(3).
تعد القراءة الذاكرة الحضارية ضد النسيان، والسد المنيع ضد التبعية والاستغلال، والرهان الناجح لاخذ موقع مشرف بين الامم. بالحقيقية أن القراءة لا تنفصل عن عملية الكتابة، بل هي كتابة جديدة. فالعلاقة بينهما متصلة ومتلازمة، وأن مشكلة القراءة في مجتمعاتنا هي مشكلة الكتابة ايضا، هل نحن مجتمع نقرأ ونكتب؟ لمن؟ ولماذا؟ وقبل اي تشخيص محايد لمشكلة القراءة وربطها بثقافة مجتمعنا. نطرح سوالا، هل هي ظاهرة عابرة ام مستوطنة؟ طارئة ام متجذرة في الزمن؟ نحن امام قضية معقدة لا تهم بلد عربيا واحدا، بل انها قضية المجتمع العربي برمته، فهي ليست مشكلة المؤسسة التعليمية والتربوية وحدها، بل المطلوب من الجميع ان يقرأ (2).
تعتبر القراءة احد أهم ركائز الثقافة لاي مجتمع، ونعني بالثقافة نظام معرفي واجتماعي تعتمد فيه المجتمعات على الكلام والسرد الشفهي والذاكرة الاجتماعية والاداء الاحتفالي والحكمة الموروثة من الاباء والاجداد كقنوات رئيسية لنقل المعرفة والقيم. وهذا لا يعني غياب الكتابة تماما، بل أن الاسلوب الشفهي يهيمن على اساليب التفكير الاجتماعي والخطاب العام لذلك المجتمع.
الثقافة الشفوية تعني مجموعة من الافكار والاراء والحوارات اليومية والمبادئ والقصص والامثال الشعبية والخطب والمجالس التي يستخدمها الناس في اي مجتمع من المجتمعات بشكل يومي وقد تتضمن هذه مواقف ايجابية او سلبية تجاه علاقة الانسان بنفسه والمجتمع (10). احد أهم خصائص الثقافة الشفوية، أن المعرفة تنتقل عبر الكلام من شخص الى اخر، والذاكرة أهم اداة لحفظ المعلومات، والمصدر أهم من المحتوى المعرفي (من قال، وليس ماذا قال). بالتالي انتجت مجتمع يجيد السرد الكلامي والبلاغي، وسرعة انتشار المعلومة سواء صحيحة ام خاطئة، وثقة عالية بالمحيط الاجتماعي وقليل الثقة بالنص المكتوب.
الادلة التاريخية والثقافية تشير الى أن التراث العربي قبل الاسلام وبعده حافظ على مكانة كبيرة للسرد الشفهي مثل الاحاديث والقصص والروايات والخ. هذه تمثل ادلة قوية على قوة انماط النقل الشفوية واعتماد الذاكرة الجماعية، وهذا ما توكده بعض الدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية وتاثيره على الخطاب الاجتماعي (1)،(2)،(10).
الثقافة المعرفية اسلوب يستخدمه المجتمع في نقل الافكار والمعارف عبر انظمة مكتوبة ومنهجية مثل الكتب والمقالات العلمية والبحوث والوثائق الدينية والتاريخية وقواعد البيانات والموسسات التعليمية. نجد أهم ما يميز خصائص الثقافة المعرفية ان المعلومة موثقة جيدا ويمكن الرجوع اليها، والعقل التحليلي - المنطقي اهم من الذاكرة، وتعتمد المنهج العلمي - التجريبي طريقة لانتاج المعرفة، والمحتوى أهم من المصدر (ما الدليل، وليس من قال)، وتبنى المعرفة تراكميا، اي كل جيل يبني على ما كتب قبله. هذا بدوره انتج تطور علمي متراكم وموسسات تعليمية قوية واكتشافات واختراعات غير مجرى التاريخ المعرفي والفكري والعلمي، ومعرفة قابلة للقياس والاختبار والنقد (6)،(8).
كيف تؤثر الثقافة الشفوية على سلوك القراء وتلقيهم للمعرفة؟ اولا: الشفوية تعطي قيمة للعلاقة الاجتماعية اكثر من النص المكتوب، يعني ان المجتمع الشفوي يركز على "من قال، وكيف قدمه" اكثر من "ما الذي كتب". لذلك الخبر المنقول شفويا من شخص موثوق ينتصر احيانا على بحث او مقال علمي مكتوب بعيد عن المحيط الاجتماعي المحلي. ثانيا: الخطاب الشفوي اداءي وله صدى عاطفي مباشر، وهذا يعني أن الاداء سردا كان ام تكرار يحفز الذاكرة ويقنع الجماعة بسرعة. اما النص المكتوب يحتاج ادوات تحويل وتبسيط وترجمة للاداء ليصل لنفس التاثير العاطفي للخطاب الشفوي. ثالثا: الاعتماد على الذاكرة الجمعية (الخبرة المحلية) يقلل الميول لقبول التجريدات المعرفية او النظم التفسيرية البعيدة عن التجربة المباشرة مثل الابحاث الاكاديمية. رابعا: نمط التعليم القائم على الحفظ يقلل من مهارات القراءة النقدية التفسيرية، لان الانظمة التربوية التي تعتمد على الاختبار والحفظ تنتج متعلمين اقل مهارة ومعرفة في القراءة النقدية والتحليلية. بالتالي نجد أن القراءة الشفوية ترفع من شأن الشخص والاداء والذاكرة الجمعية، بينما القراءة المعرفية تحتاج مهارات تحليلية وتفسيرية (5).
ثقافة (القراءة الشفوية) اقوى من ثقافة (القراءة المعرفية-المكتوبة) بحكم أن المجتمعات العربية تعتمد بشكل تقليدي على الرواية والحكمة الشعبية والعادات والتقاليد القبلية. هذا بدوره جعل الشخص صعب أن يصدق المكتوب خصوصا اذا خالف ما اعتادو عليه في حياته اليومية. من تبعات ازمة التلقي الشفوي تباطؤ في تبني سياسات قائمة على الادلة المعرفية والمنطقية. عندما لا يفهم العلم او لا يصدق يزيد من عزلة الكتاب والعلماء وهروب الناس الى سرديات بديلة وانتشار اسرع للمعلومة الزائفة عبر القنوات الشفوية، وفجوة بين النخب الاكاديمية والجمهور.
هل العرب حقا لا يقرؤون؟ لو تاملنا قليلا في واقع مجتمعنا العربي، نلمس سيطرة ثقافة الاذن والمشافهة على ثقافة النص من حيث هي ثقافة العين والنقد، ولعلها مفارقة حقيقية ان مجتمعنا "اقرأ" لا تقرأ. كانت اول سورة في القران الكريم هي "اقرأ" بصيغة الامر، فالواضح انه الامر الذي لا يتم الامتثال له. في وضع يسائل "قيمة القارئ" ومكانته في مجتمع يمثل فيه. فمن يقرأ يجد نفسه احيانا محاصرا بنظرات غير مشجعة وملاحظات منكرة. ما يفاقم محنة كل قارئ مفترض غياب الاماكن الخاصة بالقراءة، مما يشعره بالاحراج والعزلة. هكذا تحفل ثقافة مجتمعنا بمن يقرأ، بل تغازل بالعكس قيما وذكاءات بعيدة كل البعد عن القراءة والمعرفة. وبذلك مشجعة ذكاء الحلية والسعي والانجرار وراء الشهرة الزائفة في عصر التفاهة (14).
تغيب عادة القراءة في المنزل قبل الوصول الى المدرسة، لينتهي عمل القراءة بانتهاء مرحلة التمدرس، وربما اننا لا نعلم اولادنا حب القراءة منذ الطفولة، وهي المهمة التي اخفقت فيها المؤسسة التربوية نفسها. لتختزل في احسن الاحول الى انشطة موجهة بحافز الحصول على درجات مدرسية او الاعداد لوظائف حكومية، والبرامج المدرسية لا تشجع على تنمية عادة القراءة كفعل تربوي واعي - ذاتي، ونقدي - معرفي.
ليست كل ازمة القراءة غيابا للقراءة، بل بعض القراء يمارسون القراءة بعقل شفوي، اي انهم يقراءون النص المكتوب لكنهم يتعاملون معه بمنطق الرواية لا بمنطق التحليل (5)،(6). لذا نجد في دول العالم العربي لا تقدم القراءة للاطفال كمتعة، بل كمادة للتلقين المدرسي والتربوي، فبدل أن يرى الاطفال الكتاب كنافذة على الخيال والمعرفة، يراه واجبا ثقيلا. نجد أن انظمة التعليم التقليدية تعتمد الحفظ والتلقين لا التفكير النقدي. وهذا نجده واضحا في نظامنا التربوي، حيث يدرب الطالب على الحفظ وليس على الفهم والتحليل (11)،(16). بالنتيجة من يعتاد على الحفظ والتلقين لا يشعر بحاجة الى قراءة معرفية للكتاب او حتى مقال قصير. هناك ايضا غياب واضح للمساحات التي تشجع على القراءة والمطالعة مثل المكتبات العامة، وعدم توفر الكتب الحديثة، وقلة الفعاليات الثقافية والدينية.
يعد عمل القراءة مفتاحا حيويا لعالم المعرفة، وازمتها ترتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة المعرفة. فالقراءة سابقة للمعرفة وممهدة لها، لكنها ليس شرطا اساسيا لتحقيق المعرفة التي تزدهر بها المجتمعات المتحضرة. لتفكيك معظلة القراءة المتفاقمة في المجتمعات العربية، يعود الامر الى عدة عوامل متجذرة وسياقات راسخة منها: انتشار "امية القراءة المعرفية" لدى الكثير من افراد مجتمعنا، النظام التربوي والتعليمي والارث الثقافي وقلة الاهتمام بالتفكير النقدي والتحليلي، وقلة العناية بالمكتبة المدرسية، وضعف حضور مادة القراءة النقدية في المناهج الدراسية. بالمقابل نجد هناك اهتمام واسع بالتحول الرقمي للصور المتحركة او الثابتة من خلال استخدام أدوات التواصل الاجتماعي. والعامل الاكثر اهمية غياب دور الاسرة كمؤسسة تربوية، لم تغرس عادة القراءة، فبيوتنا تفتقر للمكتبات، باستثناء ما هو موجه منها للديكور (12)،(13).
تتداول تقارير اعلامية منشورة في مجلات عربية منسوبة الى منظمة اليونسكو موشرات حول قلة القراءة في الوطن العربي (17). ان معظلة العزوف عن القراءة في مجتمعنا ليست مجرد ظاهرة ثقافية عابرة، بل اصبحت ازمة بنيوية ترتبط بشكل او بأخر بخيوط ازمة من نوع اخر اكثر عمقا وتاثيرا، وهي ازمة المعرفة التي تخترق هذا المجتمع. الارقام التي يصفها البعض صادمة، تلك التي تقييس معدلات القراءة لدى الفرد العربي، وخصوصا ما يقرائه الطفل العربي، بأعتبار أن الاطفال هم "قادة المستقبل". ما ينذر بتشكيل جيل لا يقرأ حتى لو كان مسلحا باحدث ادوات التكنولوجيا الرقمية. نجد أن معدل القراءة التي تتداولها هذه التقارير، ورغم اختلاف الباحثين حول دقتها، لكن تعكس تصورا عاما عن عمق ازمة القراءة لدى المجتمع العربي.
أن ظاهرة قلة القراءة اثارت انتباه كثير من الباحثين العرب والمهتمين في المجال المعرفي والثقافي. ما دفعهم للبحث عن الاسباب الحقيقية لها، والتي تتجلى اساسا في العزوف عن قراءة المولفات والكتب والجرائد والمجلات. يتداول الاعلام العربي تقارير منظمة (اليونسكو) في سنة 2013، وحسب مؤشر القراءة العربي، التي قامت به مؤسسة محمد بن راشد، أن معدل ما يقراءه الفرد العربي خلال العام الواحد لا يتجاوز 35 ساعة سنويا. كما ينشر من كتب لا يتعدى 1650 كتابا سنويا، وهذا عددا قليل مقارنة ما يقرأ وينشر في دولة اوربية وامريكية. بالرغم من دقة هذه المعلومات او عدمها، تؤكد تفاقم ازمة القراءة الموجهة ام الحرة لدى الشخص العربي، وهذه بدوره موشر على زيادة ازمة القراءة في مجتمعنا (17).
لماذا يشك الناس في الكتاب والباحثين؟ ببساطة أن فجوة التواصل العلمي بين وسائل الاعلام والباحثين كبيرة. حيث لا يتم ترجمة النتائج الفكرية والمعرفية بلغة بسيطة ومفهومة خصوصا من قبل وسائل الاعلام، ما يترك بابا لبدائل اسهل. تشير بعض من التقارير الى اهمية تبسيط الافكار العلمية اعلاميا لزيادة الثقة لدى الافراد. اما ضعف موسسات التثقيف العامة، حيث لم تكن هذه الموسسات كالتعليم والاعلام بدرجة عالية من الموثوقية تاريخيا لدى بعض من الجمهور العربي، مما جعل اي رسالة علمية ستشكك تلقائيا. نجد أن الطابع الشفوي ورواة الخبرة المباشرة لشهادة الناس محل ثقة عالية لدى كثير من الجمهور العربي. اما الباحثون والعلماء الذين يقدمون ادلة مجردة ومكتوبة بلا اداء اجتماعي موثوق لا يملكون نفس التاثير(15).
التجارب السياسية ايضا تركت طابعا سلبيا في نفوس كثير من افراد المجتمعات العربية. التاريخ الطويل من عدم الثقة في الموسسات الاعلامية المسيسة جعلت الشخص لا يصدق الكتاب والباحثين وربما حتى العلماء. اصبح الفرد يشكك في كل ما يكتب في الاعلام والمواقع الحكومية والرسمية، وهذا الشك احيانا قد امتد تلقائيا الى بعض المثقفين والباحثين والخبراء. انتشار المعلومات الزائفة اسرع من صوت المعرفة والحقيقة، كثيرا من مواقع التواصل الاجتماعي تنشر معلومات مزيفة لا صحة لها تنتشر بسرعة البرق بين الناس البسطاء لعدم قدرتهم على تمييز المحتوى الصحيح من الخطا. بمعنى اخر، أن الشخص البسيط (محدود المعرفة) لا يستطيع ان يميز بين المحتوى السهل والمثير والمحتوى العلمي والدقيق. الابعاد الدينية والعقائدية كذلك عززت ثقافة القراءة الشفوية، حفظ ونقل الاحاديث والروايات شكلت نمطا من احترام الصوت والتكرار والحفظ الجماعي، وهذا يعتبر عامل ثقافي مهم يبقي ويحافظ على الشفوية في الصدارة (5)،(8).
وسائل الترفيه والاعلام السريع تنافس الكتاب والجرائط وحتى الدوريات العلمية. اليوم غالبية الناس منغمسون بالمحتوى القصير المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وانستغرام وغيرها. بينما قراءة الكتاب تحتاج تركيزا اكثر من مكافئة سريعة للدماغ يقدمها المحتوى الرقمي القصير. اما الظروف النفسية والاقتصادية تلعب دورا مهما في حياة الناس، لذا نجد الشخص منهك من ضغط العمل والمال والقلق الاجتماعي ويميل للترفيه السريع والخفيف اكثر من القراءة الجادة والمعرفية وهذا يحتاج الى اجواء هادئة (14).
المعلومات السلوكية المعاصرة تضع مقاييس مختلفة للقراءة. بعض الدراسات التي اجريت على متحدثي العربية، وجدت معدلات القراءة اقل من بعض الدول الغربية وهذا لايعني صفرا. المشكلة مركبة وهي ليست مجرد رفض للكتاب، بل مشكلة بنيوية في الارث والتعليم والاقتصاد والسياسة. احصائيات منظمة اليونسكو ومنظمات عربية اخرى تظهر اختلافا في معدلات الاهتمام بالقراءة، والقراءة المنتظمة بين افراد الدول العربية مع تاثير واضح للاختلاف بين الرجال والنساء والمستوى المعيشي والاقتصادي والثقافي والبيئة التعليمية (17).
نفهم أن شخصية الفرد العربي من خلال القراءة النفسية والاجتماعية. وأكد اولا، أن هذا لا يعمم على كل فرد عربي، لكن يمكن أن نفهم انماطا وسطية تظهر في بعض الدراسات الاجتماعية والثقافية. أن الفرد العربي يميل في سياقات كثيرة الى تقدير الثقافة الشفوية والجمعية اكثر من النصوص المكتوبة. بمعنى أن هذا يجعل التوصيات والاراء التي تأتي من خلال المجموعة والتي تنتقبل عبر الشبكات الاجتماعية اكثر اهمية وتاثير من الافكار والتوصيات المكتوبة في المنشورات العلمية، وتقدير اعلى للكلام المسرحي والبلاغي. الفرد العربي غالبا ما ينصاع للغة ذات ايقاع بلاغي وهي ميزة تطابق الشفوية، وموقفه الحذر من الموسسات العلمية نتجية التجارب السياسية والاجتماعية والدينية واختلاف الجودة في هذه الموسسات من تضارب بالخطابات الرسمية. بالتالي طور هولاء الاشخاص سلوكا انتقاديا او متشككا تجاه تصريحات العلوم الرسمية ويفضلون الخبرة القربية منهم محليا او رواية الجوار.
في محاولة لقراءة المنهج المعرفي الكامن خلف كلام النبي محمد واهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) وربطه بمفهوم الثقافة الشفوية والثقافة المعرفية. هناك منهج دقيق يوضح أن كلام النبي واهل بيته، ليس شفوي بالمعنى الساذج، بل يؤسس مبكرا لثقافة القراءة المعرفية النقدية المتقدمة جدا. نطرح سوالا بسيطا، كيف نتحقق من صحة المعرفة المنقولة شفهيا؟ وهنا تظهر عبقرية المنهج النبوي واهل بيته، لماذا كان خطر الثقافة الشفوية عاليا في عصر النبي؟ ببساطة لان المجتمع العربي كان شفويا بامتياز ويعتمد على نقل الرواية والحفظ، وتنقل الاخبار بسرعة، وتختلط الروايات الصحيحة بالمكذوبة (7)،(9). لو تركت المعرفة الدينية للسلطة الشفوية المطلقة لتحولت رسالة الاسلام الى اقوال منسوبة للنبي بلا معيار، وسلطة رواة بدل سلطة نص مكتوب، وفوضى معرفية. لذلك كان لابد من ايجاد ميزان معرفي ثابت، والميزان المعرفي الثابت هو القران (النص الاعلى). عندما يقول النبي محمد (ص) في حديثه "ما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فدعوه"، يتضح لنا انه لا ينكر السنة النبوية ولا ينكر النقل الشفوي، بل يخضعه لمرجعية معرفية مكتوبة وثابتة (9). جوهر الثقافة المعرفية وهو النص الثابت يحاكم الرواية المتغيرة، والقران هنا ليس مجرد كتاب تعبدي، بل هو معيار ومرجع ومقياس صحة واداة نقد معرفية، وهذا بدوره يعتبر نقلة نوعية ضخمة من القراءة الشفوية الى القراءة المعرفية. كلام النبي تأسيس مبكر جدا للتحقيق المعرفي، كيف؟ نلاحظ البنية المنطقية في قوله "ما جائكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما يخالف كتاب الله فلم اقوله". أن النبي نفسه يسقط العصمة عن الروايات الشفهية المنقولة بأسمه ما يلم يتم التحقق منها في مطابقة كتاب الله، اذ أن النبي لا يمنح اي راو حصانة، بل بشترط التحقق العقلي والنصي واجبا وشرطا اساسيا. هذا قريب جدا مما نطلق عليه اصطلاحيا في البحوث والدراسات "التحقق" او "المراجعة المتبادلة" او " التحقق المعرفي"، بمعنى اخر، لا تأخذ المعلومة لمجرد نسبتها لشخص مقدس (7).
قول الامام الصادق (عليه السلام)، يذهب ابعد نحو نظام معرفي متكامل، عندما يقول، "كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف" وكلمة الزخرف مهمة جدا، لانها تعني شيء جميل ظاهريا، لكنه بلا قيمة معرفية (9). يشبه الامام اليوم، خطاب موثر بلا دليل منطقي او معرفي، لذا نجد الامام الصادق لا يهاجم الحديث، بل يهاجم الحديث المنفصل عن المنهج المنطقي والمعرفي، ويرفض المعرفة الشفوية غير المحكومة بنص ومعيار مكتوب وثابت.
أن الربط المباشر بين هذه النصوص والثقافتين، يكمن في الثقافة الشفوية، ان الثقة في الناقل، والتلقي العاطفي، وسلطة الرواية، وغياب الية التحقق المنهجية الصارمة. اما في منهج النبي واهل بيته (ع)، يشدد على، أن لا ثقة مطلقة في الناقل، واخضاع الرواية لنص اعلى مكتوب وثابت وهو القرأن، ورفض اي خطاب ديني بلا مرجعية، وتدريب المجتمع على النقد لا التلقي الشفوي (7).
مقارنة القراءة الشفوية بالقراءة المعرفية، نجد أن الشفوية، تسمع الحديث او الرواية، وتتاثر بها، وبالتالي تقبله لان الراوي محط ثقة. بينما نجد في القراءة المعرفية المكتوبة كما أسسها النبي واهل بيته، تسمع الرواية او الحديث، ثم تحاكمه للقرأن، وبعدها تدرسه منطقيا وتقارنه، وبالتالي ترفضه أن خالف النص المكتوب، وهذا ليس ايمانا اعمى، بل ايمان نقدي ومعرفي.
يتيح لنا قراءة منهج النبي واهل بيته، منهج متقدم جدا تاريخيا، بدليل أن اوربا نفسها لم تصل الى تحكيم النص ونقد الرواية ورفض السلطة الشفوية، الا بعد قرون طويلة من الاصلاح الديني، ونقد الكنيسة، واستخدام المنهج العلمي. بينما الاسلام المتمثل بالنبي واهل بيته، وضعوا هذا المعيار منذ القرن الاول الهجري.
اذن اين المشكلة؟ هي لم تكن في التراث والنص ذاته، بل في عودة المجتمع العربي الى ثقافة القراءة الشفوية، وتقديس الرواة، واهمال المنهج العلمي الصحيح، وفصل الحديث عن النص المكتوب (القرأن). بالتالي تحول الدين الى خطابة شفوية لا قراءة معرفية مكتوبة. نفهم أن كلام النبي واهل بيته، ليس كلاما شفويا تقليديا، بل هو ثورة معرفية ضد فوضى القراءة الشفوية. والقرأن هو المرجع الاعلى، والحديث او الرواية، تقبل او ترفض بناء على الميزان، وهذا تأسيس مبكرا جدا لثقافة المعرفة النقدية. اذن المشكلة ليست في التراث والنص الديني، بل في تعطيل منهجه المعرفي العلمي.
العرب تاريخيا قبل الاسلام وبعده حضارة قوية شفويا (الشعر، الخطابة، الامثال الشعبية، الحكم). لكن مع ظهور الاسلام وقيام دولة مركزية، بدأ التحول نحو الثقافة المعرفية من خلال تدوين القرأن والحديث، ومدارس الفقه، والترجمة، والعلماء الكبار مثل ابن سينا، والرازي، والخوارزمي وغيرهم. عندما تراجعت الدولة وضعفت الموسسات العربية، عاد المجتمع تدريجيا الى اسلوبه الشفوي. وعليه، أن ثقافة القراءة الشفوية هي جزء طبيعي من التاريخ العربي، لكن غياب موسسات المعرفة الحديثة جعلتها تصبح النمط السائد من جديد. وختاما، اذ كنا نعيش في زمن وفرة النصوص والادلة، فلماذا ما زال الصوت اعلى من النص؟ وهل مشكلتنا مع القراءة، ام مع ما نريده من المعرفة اصلا؟
***
علاء جواد كاظم
....................
المصادر العربية والاجنبية
1-الجابري، محمد عابد. (1982). تكوين العقل العربي. بيروت، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية.
2-الجابري، محمد، عابد. (1986). بنية العقل العربي. بيروت، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية.
3-العروي، عبد الله. (1983). مفهوم العقل. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.
4-العروي، عبد الله. (1992). مفهوم الثقافة. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.
5-أبو زيد، نصر، حامد. (1990). مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. القاهرة، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
6-جدعان، فهمي. (1979). أسس التقدم عند مفكري الإسلام. بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
7-الصدر، محمد، باقر. (1971). الأسس المنطقية للاستقراء. النجف، العراق: مطبعة الآداب.
8-طه عبد الرحمن. (1985). تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.
9-الكليني، محمد بن يعقوب. (ت 329هـ). الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب. طهران: دار الكتب الإسلامية.
10-Ong, W. J. (1982). Orality and literacy: The technologizing of the word. London, UK: Routledge.
11-Goody, J. (1977). The domestication of the savage mind. Cambridge, UK: Cambridge University Press.
12-Havelock, E. A. (1963). Preface to Plato. Cambridge, MA: Harvard University Press.
13-Postman, N. (1985). Amusing ourselves to death: Public discourse in the age of show business. New York, NY: Penguin Books.
14-Carr, N. (2010). The shallows: What the Internet is doing to our brains. New York, NY: W. W. Norton & Company.
15-Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power (G. Raymond & M. Adamson, Trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press.
16-Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. New York, NY: Continuum.
17-UNESCO. (2013). Arab knowledge report. Paris, France: UNESCO Publishing.






