عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

منير محقق: عبد الله العروي وسؤال الأيديولوجيا

قراءة في تشكّل المفهوم ونقده في الفكر العربي الحديث

مقدمة: يشكّل الفكر العربي الحديث فضاءً إشكاليًا معقدًا تداخلت فيه رهانات التاريخ والسياسة والثقافة، الأمر الذي جعل سؤال النهضة والتحديث يحتل موقعًا مركزيًا داخل الإنتاج الفكري المعاصر. وفي هذا السياق يبرز اسم المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تشخيص إشكالية الوعي العربي من خلال تحليل البنيات الفكرية التي تحكم إدراك الواقع والتاريخ.

لقد أسّس العروي مشروعه الفكري على مساءلة المفاهيم المؤسسة للحداثة، وفي مقدمتها مفهوم الأيديولوجيا، الذي اعتبره مفتاحًا لفهم تعثر التحول التاريخي في المجتمعات العربية. فكتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة لم يكن مجرد دراسة فكرية، بل محاولة نقدية لإعادة بناء الوعي التاريخي العربي على أسس عقلانية حديثة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن تحليل العروي للأيديولوجيا لا يقتصر على بعدها النظري، بل يمثل مشروعًا إصلاحيًا شاملاً يروم إعادة صياغة علاقة الفكر العربي بالتاريخ والحداثة. ولذلك يسعى هذا البحث إلى تتبع تشكّل مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الغربي والعربي كما قرأه العروي، ثم الوقوف عند الأسس الفكرية لمشروعه النقدي.

المبحث الأول: الأيديولوجيا بين الفكر الغربي والفكر العربي في قراءة عبد الله العروي

الإطار التاريخي لنشأة مفهوم الأيديولوجيا

ظهر مصطلح الأيديولوجيا في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا سنة 1796 على يد المفكر الفرنسي ديستوت دو تراسي، الذي حاول تأسيس ما سماه «علم الأفكار»، باعتباره دراسة علمية لكيفية تشكّل الأفكار الإنسانية انطلاقًا من التجربة الحسية. وقد تأثر هذا التصور بالفلسفة التجريبية الإنجليزية، خاصة أفكار جون لوك وكوندياك، حيث اعتُبر الفكر نتيجة مباشرة للإحساس وليس معطى فطريًا سابقًا للتجربة.

غير أن المفهوم لم يحظ بقبول سياسي واسع، إذ هاجمه نابليون بونابرت واعتبره خطابًا تجريديًا منفصلًا عن الواقع السياسي، واستعمل مصطلح «الأيديولوجيين» بصيغة قدحية لوصف خصومه الفكريين. ومنذ تلك اللحظة بدأ المفهوم يكتسب دلالات سلبية ارتبطت بالوهم والتجريد والانفصال عن الواقع. وهكذا انتقل مفهوم الأيديولوجيا من كونه مشروعًا معرفيًا لدراسة الأفكار إلى أداة نقدية لتحليل السلطة والمجتمع.

الأيديولوجيا في الفكر الغربي

مثّلت الماركسية لحظة حاسمة في تطور المفهوم، إذ اعتبر كارل ماركس أن الأيديولوجيا ليست معرفة محايدة، بل وعيًا زائفًا تنتجه الطبقة المهيمنة لتبرير مصالحها الاقتصادية، بحيث تصبح الأفكار انعكاسًا للبنية المادية وعلاقات الإنتاج.

أما فريدريش نيتشه فقد رأى أن الأنظمة الفكرية والأخلاقية تعبير عن إرادة القوة، وأن الأيديولوجيات تُنتج بوصفها استجابات نفسية للصراع الإنساني. في حين ربط سيغموند فرويد الأيديولوجيا بالبنية اللاواعية، معتبراً أن المعتقدات الجماعية تمثل إسقاطات رمزية لرغبات مكبوتة.

وقد قدّم كارل مانهايم تصورًا سوسيولوجيًا للأيديولوجيا باعتبارها نتاجًا للموقع الاجتماعي للفكر، مميزًا بين الأيديولوجيا المحافظة والطوباوية التغييرية. واستلهم العروي من هيغل فكرة «روح العصر»، حيث ترتبط الأفكار بسياقها التاريخي ولا يمكن فهمها خارج شروط نشأتها.

الأيديولوجيا في الفكر العربي

في قراءته لاستعمال المفهوم عربيًا، توقف العروي عند أطروحات نديم البيطار الذي دعا إلى تبني أيديولوجيا ثورية تقود التحول التاريخي. غير أن العروي اعتبر هذا الطرح تلفيقيًا لخلطه بين الفلسفة والعلم والدين دون ضبط منهجي، ليخلص إلى أن الأزمة العربية لا تكمن في غياب الأيديولوجيا، بل في سوء فهمها واستعمالها خارج شروطها التاريخية.

المبحث الثاني: الأيديولوجيا عند عبد الله العروي.. تشكّل المشروع الفكري وأفق الإصلاح التاريخي

المسار الفكري والسيرة العلمية

وُلد عبد الله العروي سنة 1933 بمدينة أزمور في سياق تصاعد الوعي الوطني المغربي. وقد أتاح له تكوينه المزدوج بين التعليم المحلي والدراسة في فرنسا الاحتكاك المباشر بالفكر الأوروبي الحديث، مما جعله يدرك مبكرًا الفجوة التاريخية بين العالم العربي والغرب.

وقد أسهمت تجربته الأكاديمية وانخراطه السياسي المبكر في تشكيل رؤية نقدية تجمع بين التحليل التاريخي والفلسفي، قبل أن يتجه إلى بناء مشروع فكري مستقل يعالج سؤال النهضة العربية من منظور تاريخاني.

تطور المشروع الفكري

شكّل كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967) نقطة الانطلاق لمشروع العروي، حيث اعتبر أن أزمة العالم العربي هي أساسًا أزمة وعي تاريخي. وتتابعت أعماله لاحقًا ضمن مشروع مفاهيمي متكامل يعيد بناء مفاهيم الدولة والحرية والتاريخ والعقل داخل الفكر العربي الحديث.

ولعل من أهم  وأبرز مؤلفاته التي شكّلت مشروعًا فكريًا متكاملاً ما يلي:

العرب والفكر التاريخي (1973)

أزمة المثقفين العرب (1974)

مفهوم الأيديولوجيا (1980)

مفهوم الدولة (1981)

مفهوم الحرية (1981)

ثقافتنا في ضوء التاريخ (1983)

مفهوم التاريخ (1992)

مفهوم العقل (1996)

حيث أن هذه الكتب لا تمثل أعمالًا منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن مشروع واحد يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها الفكر العربي الحديث.

مفهوم الأدلوجة

اقترح العروي تعريب مصطلح Ideology بصيغة «الأدلوجة»، مؤكدًا أن المفهوم يمثل طريقة في رؤية الواقع وتأويله لا مجرد منظومة أفكار. فالأدلوجة تنتقي عناصر الواقع وتعيد تنظيمها داخل نسق اعتقادي يمنح الفعل السياسي والاجتماعي معنى واتجاهًا.

المشروع الإصلاحي وسؤال الحداثة

ينطلق مشروع العروي من سؤال مركزي: لماذا تأخر العالم العربي بينما تقدم الغرب؟ ويرى أن تجاوز هذا الوضع يمر عبر تبني الوعي التاريخي وفهم الحداثة باعتبارها مسارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا للاستيراد، داعيًا إلى قطيعة معرفية مع أنماط التفكير التقليدية واستيعاب منطق التاريخ الحديث.

المبحث الثالث: نقد عبد الله العروي للأيديولوجيا العربية.. محمد عبده نموذجًا

يُعد محمد عبده أحد أبرز رواد الإصلاح الديني، إذ سعى إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة عبر إعادة فتح باب الاجتهاد وإصلاح التعليم الديني. غير أن العروي رأى أن هذا المشروع ظل محكومًا بمنطق توفيقي أخلاقي أكثر منه تحليلًا تاريخيًا عميقًا.

فبينما فسّر عبده تخلف المسلمين بالابتعاد عن جوهر الدين، اعتبر العروي أن المشكلة تكمن في غياب الوعي التاريخي الذي أنتج الحداثة الأوروبية عبر تحولات اجتماعية واقتصادية طويلة.

ومن هنا انتقد العروي ما سماه «وهم الأصالة»، حيث حاول الفكر الإصلاحي تحقيق الحداثة انطلاقًا من الماضي بدل الانخراط في شروط التاريخ الحديث، داعيًا إلى تجاوز الثنائية الحضارية بين الشرق والغرب والانخراط في التاريخ الإنساني المشترك.

ويميز العروي بين «العقل المطلق» المرتبط بالجدل النظري، و«عقل العقل» المرتبط بالمنهج العلمي المنتج للمعرفة، مؤكداً أن النهضة الحقيقية تقتضي الانتقال من ترديد المفاهيم إلى ممارسة تاريخية فعلية.

خاتمة

يكشف تحليل عبد الله العروي لمفهوم الأيديولوجيا عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد النظري ليطرح سؤال الوعي التاريخي باعتباره شرطًا أساسياً لفهم مسار الحداثة. فالأزمة التي يشخصها لا ترتبط بنقص القيم أو غياب الإرادة الإصلاحية، بل بعدم استيعاب منطق التاريخ الحديث. ومن هنا يتحول نقد الأيديولوجيا عند العروي إلى دعوة لإعادة بناء الفكر العربي على أساس عقلانية تاريخية قادرة على تجاوز ثنائية الأصالة والحداثة والانخراط في أفق إنساني كوني.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.............................

المصادر والمراجع

العروي، عبد الله. (1993). مفهوم الأيديولوجيا. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1995). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1996). مفهوم التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Mannheim, K. (1936). Ideology and Utopia. London: Routledge.

Marx, K., & Engels, F. (1970). The German Ideology. New York: International Publishers.