أقلام فكرية
غالب المسعودي: المانيفستو الميتاسريالي.. من عفوية اللاشعور إلى هندسة الوجود بالنص
تأصيل فلسفي واستجابة جمالية للتشظي المعاصر
في ضرورة الانزياح (انفجار الوعي)
إن التاريخ الجمالي ليس تراكماً خطياً هادئاً، بل هو سلسلة من الانفجارات الواعية في رحم السكون. إذا كانت "ما فوق الواقعية" (السريالية) قد ولدت في مطلع القرن العشرين من رماد الحروب الكونية الكبرى، بوصفها تمرداً على "عقلانية" زائفة أدت إلى الفناء، فإن "الميتاسريالية" تنبثق اليوم من قلب "التيه الرقمي" والضياع الوجودي المعاصر.
نحن هنا لا نكتفي بالهروب نحو غابات اللاشعور المظلمة، بل نسعى لترميم هذا اللاشعور وصياغته في "وعي نصي فائق". الميتاسريالية هي الجسر الذي نعبر به من التوهان إلى المسار، ومن الشتات إلى البنية الرصينة. إنها الفعل الذي يحول "العدم" إلى "كائن"، والصرخة المكتومة إلى إيقاع كوني يتردد صداه في أزقة الروح المهدمة.
نقد الجذر (من التلقائية إلى وعي النص)
في عام 1924، نادى الرواد بـ "التلقائية النفسية الصرفة" كأداة وحيدة للتعبير، ظناً منهم أن كسر قيود المنطق وحده يكفي لتحرير الإنسان. لكن الميتاسريالية ترى في هذه التلقائية فخاً جديداً؛ فاللاشعور وحده قد يكون متاهة من العماء وفوضى من الصور العبثية التي لا تفضي إلى جوهر.
لذا، تأتي الميتاسريالية لتضيف بعد "ما وراء النص"؛ أي الوعي التام بالعملية الإبداعية أثناء حدوثها. إننا ننتقل من "الفعل الآلي" الذي يمليه الحلم، إلى "الفعل المنعكس" الذي يراقبه المبدع. النص الميتاسريالي لا يكتفي بعرض الرؤى المنامية، بل يمارس نقداً داخلياً لآلية الرؤيا ذاتها. الكلمات هنا تعي عجزها "الكينوني" أمام هول الوجود، وقوتها "العلاماتية" في إعادة خلقه. نحن لا نكتب الحلم، بل نكتب "عن" الحلم داخل الحلم، كمن يرى انعكاس مرآة في مرآة إلى مالا نهاية، مما يخلق نسيجاً محكماً من الدلالات التي تتجاوز القشور لتصل إلى لب "ما وراء النص"، حيث يعلق النص على ذاته ويكشف عورات آلياته.
عذابات الكليّة والهم الكينوني
عندما نتحدث في الميتاسريالية عن "عذابات كل شيء"، فإننا لا نمارس تزويقاً لفظياً، بل نمارس "تأويلاً وجودياً" للوجع. الإنسان في منظورنا هو "كائن متألم بالضرورة"، محكوم بقلق الاختيار وعبثية الأقدار.
المعاناة الكونية:
يمتد العذاب ليشمل "كل شيء"، الحجر في نصنا "يلوب" من فرط الصمت، والغيوم تتثاءب فوق مآذن الكوفة لتسكب دموعاً ثقيلة من ملح وبارود. النخيل في البصرة يعاني من "اغتيال" ليله، حيث تسلب منه السكينة ليحل محلها ضجيج الفواجع. هذا ليس مجرد مجاز، بل هو رؤية "عرفانية" ترى الترابط الوثيق بين المصير البشري وحركة المادة الجامدة.
الرد على التوهان:
الميتاسريالية هي الصرخة المدوية في وجه "العدمية". إنها تحول المعاناة الفردية الضيقة إلى معاناة كونية شاملة. الأديب الميتاسريالي لا يكتب مذكراته، بل يكتب "تاريخ الألم الإنساني" في عصره، محولاً الأنين إلى مادة دسمة للمساءلة الوجودية، تماماً كما تتشكل اللؤلؤة من وجع المحارة.
علامات الرؤيا وتفتت الذاكرة العراقية
الذاكرة في هذا الزمان ليست مخزناً هادئاً للصور، بل هي "مرآة مهشمة" بفعل الحروب المتلاحقة والتقنيات الباردة. الميتاسريالية تعيد جمع هذه الشظايا، لا لتعيد تشكيل الصورة القديمة الزائفة، بل لتخلق "فسيفساء" جديدة تتسم بـ "الواقع المتسامي".
تحطيم الزمن الخطي:
في النص الميتاسريالي، يسقط الزمن المرتب الذي تفرضه الساعات. الماضي يتقاطع مع المستقبل في لحظة "الآن" المشتعلة. هنا، نرى "كلكامش" يبحث عن عشبة الخلود في أزقة "شارع الرشيد"، ونرى "السياب" يغسل جراحه بماء الفرات الذي استحال مراً.
منطق الرؤيا كأداة معرفية:
الحلم هو المختبر السيادي الذي تندمج فيه الذكريات المكبوتة بالمخاوف اللاشعورية. عندما تذوب الساعات في نصنا، أو يتحول الرجل إلى نخلة محترقة، فإننا نمارس "زلازل" لكيان المتلقي، وندفعه نحو "القلق المعرفي". هذا القلق هو الوسيلة الوحيدة لدفعه نحو طرح أسئلة الوجود الكبرى: ما الحب؟ ما الموت؟ وكيف ننجو من هذا العدم؟
فيزيولوجيا العشق والتصوف الميتاسريالي
العشق في هذا المانيفستو هو القوة "الكيماوية" التي تبطل "وضوء الكره". إنه ليس عاطفة عابرة، بل هو "نسك" وطواف في محراب الجمال الوجودي.
امتزاج الحسي بالقدسي:
يتقاطع العشق هنا مع التصوف؛ حيث تصبح "رموش الفقير" في سوق مريدي قبلة للصلاة، ويصبح "الدعاء بلا شعر للحب والأمل" صرخة تائهة في فيافي الله.
ثنائية النور والاحتراق:
العشق هو الضوء الذي يمنع الكون من الانطفاء، لكنه ضوء يحرق المتلقي. بدون هذا العشق، "تنجفي الذلة على خدود الملح" وتفقد الكائنات بوصلتها المعنوية. الميتاسريالي يكتب بمداد من "كحلة عراقية" عتقت في جروح الأمهات، ليخلق نصاً يطهر الروح كما يطهر التيمم بالتراب جسد المصلي.
هندسة البناء الإيقاعي
النص الميتاسريالي هو "معمار موسيقي جامد" يحمي الروح من التفتت في مهب الريح. نحن نعتمد تقنية "المطابقة الإيقاعية والمعنوية"؛ حيث نزاوج بين الكلمات الرقيقة (ندى، تغريد، شبعاد) والكلمات العنيفة (تابوت، شظية، نصل، بارود).
هذا التضاد يجسد الصراع الأزلي بين إرادة الحياة وغلواء الموت. الموسيقى في نصنا ليست زينة، بل هي الإيقاع "المستحيل" الذي يحاول استعادة "الفردوس المفقود" من بين أنياب الواقع المرير. إننا نبني مدناً من الكلمات لنواجه بها خراب المدن من الحجر.
الميتاسريالية في الفضاء العراقي (ميتاسريالية الوجع)
العراق، بجغرافيته المثقلة بالأساطير والحروب، يمثل البيئة المثالية للميتاسريالية. العراقي يعيش السريالية كواقع يومي؛ حيث تتجاور القباب الذهبية مع أعمدة الدخان، وتختلط رائحة الهيل برائحة الموت. من هنا تنبثق "الميتاسريالية العراقية" كفعل مقاومة جمالي.
أنسنة الوجع:
حين نقول إن النخيل يعاني من "اغتيال ليله"، فإننا ننطق بلسان الأرض التي ضاقت بدموع أبنائها.
قداسة الهامش:
تحويل "ثياب " و"رموش الفقراء" إلى نصوص مقدسة هو الرد النهائي على تغييب الإنسان. في العراق، الميتاسريالية ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة للتمسك بالبقاء. إنها "خبز الروح" الذي نقتسمه في مواجهة الجوع الوجودي.
نواميس الصنعة
إليك أيها السالك في محراب الميتاسريالية، هذه العهود التي لا تقبل التأويل:
اغتل العفوية بالوعي:
لا تترك قلمك لقمة سائغة للاشعور، بل كن "سيداً" على رؤاك. اجعل الكلمة تعرف لماذا قيلت، ولماذا استقرت في صدر الورق كالنصل.
قدّس التضاد:
لا تكتب نصاً رمادياً. ازرع "الياسمين" في فوهة "البندقية"، واجعل القارئ ينزف وهو يشم عطر الورد في نصك. التضاد هو محرك الوجود، وبدونه يموت النص.
أحْيِ الجماد:
لا تصف دجلة، بل اجعله يئن من ثقل الحكايات. لا تصف الحرب، بل اجعل الرصاصة تشعر بالندم وهي تخترق صدور العشاق. الميتاسريالي يمنح "الروح" لكل ما هو "شيء".
اكتب بـ "كحلة الجرح":
اجعل نصك "تطهيراً" طاهراً. إذا لم تبطل كلماتك "وضوء الكره" في عالم يغرق في البشاعة، فأنت لم تدخل ملكوت الميتاسريالية بعد.
كن "متسقاً" في فوضاك:
النص الميتاسريالي صرخة، لكنها "صرخة منظمة". هندس عذاباتك لتكون موسيقى جنائزية مهيبة، فالفوضى بلا إيقاع هي عدم محض، والميتاسريالية هي انتصار "الكينونة" على "الفناء" بسحر الجمال.
إن الميتاسريالية هي محاولتنا الأخيرة لترميم سقف العالم بكلمات من ضوء ودم، هي إيماننا بأن النص هو الوطن البديل حين تضيق بنا الأوطان، وهو الوعي الفائق الذي يحول رماد الحاضر إلى منارات للمستقبل.
***
غالب المسعودي






