أقلام فكرية

أسعد عبد الرزاق: الحرية الغربية المزعومة

بين هندسة الشكل وأسر الجوهر

تُفهم الحرية في الخطاب الغربي المعاصر باعتبارها القيمة العليا التي انتصرت بها الحداثة على عصور الوصاية الفكرية، واستعادت بها الذاتُ سيادتها على واقعها، لكن هذا التقديم الاحتفائي يغفل سؤالا مركزيا: هل الحرية هناك حقيقة متحررة من الإطار، أم إطار صُمِّم ليقوض الإنسان ويعيد تشكيله وفق نموذج خاص؟

ولدت الحرية نتيجة تحولات فلسفية عميقة في الرؤية إلى الإنسان والعالم، بدأت مع القطع المعرفي الذي أحدثه التفكير الديكارتي، وتكرست مع العقلانية النقدية الكانطية، ثم وجدت اكتمالها السياسي في الليبرالية الحديثة، ووفق هذا تحّل الإنسان إلى محور للكون، وأضحت الإرادة الفردية هي المرجع الأخير للقيمة والمعنى، ومن هنا تشكلت الحرية باعتبارها تحررا من كل سلطة، أكثر من كونها حقيقة تمس جوهر الانسان.

إنها مصممة ضمن هندسة فكرية، تُفهم ضمن ثنائية الفرد والدولة، وضمن التصور الذي يجعل الإنسان كائنا مكتفيا بذاته، يملك حق تعريف الخير والشر انطلاقا من رغبته الخاصة، وفي الوقت نفسه، تم تأطيرها بشبكة كثيفة من القوانين، والأنظمة، والمعايير الثقافية، التي تضبط حركتها وتحدد أفقها، وهنا يبرز التناقض الأول، فهي حرية تُعرف بالتحرر من الوصاية، لكنها لا يتم منحها إلا داخل وصاية قانونية وثقافية شاملة.

لتصبح الحرية صيغة إجرائية، إذ يتم فهمها على أنها حق الاختيار، لا قيمة الاختيار، بحيث يتم تكريس مفهوم الحق أكثر من مفهوم القيمة، فالمعيار ليس صدق الفعل أو اتصاله بالقيم، بل كونه صادرا عن إرادة فردية غير مكرهة، وبالنتيجة تم ترسيخ مبدأ حرية الاختيار بعيدا عن فحص قيمة الاختيار أو معناه.

والمفارقة الأخرى تكمن في أن هذا الخطاب الذي أعلن تحرير الإنسان من السلطة المطلقة، أوجد سلطة بديلة أكثر إحكاما، فالسوق الذي يصنع الرغبات ويعيد توجيهها، والإعلام الذي يحدد أولويات الإدراك، والخوارزميات التي تُصنف الأفراد وتعيد ترتيب اختياراتهم، والثقافة السائدة التي ترسم حدود المقبول والمرفوض، كل ذلك أعاد تشكيل وعي الإنسان، وظن أن ما اختاره كان خاضعا لإرادته، بينما هو نتيجة نطاق محدود من الخيارات المتاحة ضمن الهندسة الخاصة المعدة بنحو منظم.

وهذا ما يجعل الحرية الغربية تناقض ذاتها، فهي تدعي الكونية، لكنها تقوم على رؤية خاصة تجعل الفردانية المطلقة معيارا أعلى لما ينبغي أن يكون عليه النموذج الإنساني، كما تدعي تحييد الأفكار، لكنها تكرس منظومة قيم وأفكار محددة، مثل أولوية الإرادة الفردية على كل رابطة، ونسبية الحقيقة، وتفكيك المعايير المتجاوزة لحدود الإدارك، فهي ترفض الإكراه الديني، لكنها تمارس إكراها ثقافيا ناعما، وغير مباشر، يقصي من لا يتماهى مع نموذجها بشكل غير قابل للملاحظة اليسيرة.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه يسجن الإنسان في وهم عن ذاته، فحين يتم تعريف الإنسان على انه كائن يختار وفق رغبته في المقام الأول، تصبح الحرية هي إطلاق الرغبة، لا تهذيبها، ويغدو التحرر هو كسر القيود الخارجية، لا تحرير الإرادة من عيوب الذات الإنسانية، وتتنامى أزمة المعنى الوجودي في حياة الإنسان المعاصر.

وفي مقابل ذلك تتردد الرؤية الدينية، في ترسيخ الحرية بين انوذج التحرر من العبوديات الزائفة، وبين الذوبان في المقدس، والتفريط بالاستحقاقات الطبيعية للبشر، وربما كانت الحرية الغربية ردة فعل على أزمة الإنسان في مختلف نماذج الخطاب الديني المتشدد..

وسؤال الحرية في الغرب بات باهتا أو فارغا، فهل الحرية هي أن أفعل ما أشاء، أم أن أتحرر مما يشوه إرادتي ويستعبد وعيي؟ هل التحرر من الوحي تحررٌ حقًا، أم انتقال من مرجعيتة المتجاوزة إلى مرجعيات مادية أكثر تضييقا، وإن كانت أقل ظهورا؟

إن إعادة التفكير في مفهوم الحرية ضرورة حضارية، لا لمجرد النقد، بل لاستعادة التوازن بين الحق والغاية، فالحرية التي تفقد اتصالها بالمعنى، تتحول إلى قيد جديد، أما الحرية التي تنبثق من رؤية إنسانية متكاملة، فإنها تفتح أمام الإنسان أفقا يتجاوز حدود الرغبة إلى سعة الكمال.

إن هذه الورقة النقدية لا تستهدف الاتجاهات الفلسفية، بقدر ما تستهدف ما نتج عنها من نماذج أضحت مورد تساؤل وجدل، حول ما إذا كانت الصيغة الغربية للحرية هي الصيغة المثلى، أو الأوفق من بين مختلف التيارات أو الاتجاهات الفكرية دينية كانت أم بشرية..

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

 

في المثقف اليوم