أقلام فكرية
غالب المسعودي: الحضارة والاستحواذ
مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر المعاصر
يواجه المفهوم المعاصر للتحضر أزمة بنيوية عند فحصه من منظور تطوري وفلسفي؛ حيث تبرز ثقافة الاستحواذ كظاهرة مهيمنة تتصادم مع الادعاءات الأخلاقية للحضارة الحديثة. إن التساؤل حول ما إذا كان الإنسان كائناً متحضرًا حقاً في ظل هوس التملك يتطلب تفكيك الجذور البيولوجية لسلوك التخزين، وفهم الكيفية التي تحولت بها آليات البقاء القديمة إلى محركات للاستهلاك المفرط في بيئة تقنية فائقة التطور. تعكس هذه الإشكالية فجوة عميقة بين التقدم التقني التراكمي وبين النضج الأخلاقي الذي يبدو متعثراً أو خاضعاً لارتدادات غريزية. فالتحضر، في جوهره، يفترض قدرة الكائن على تجاوز الحتميات البيولوجية الخام نحو آفاق من الكينونة والمسؤولية، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أننا ربما نعيش حالة من "الفشل الحضاري"، حيث تُسخر أحدث المنجزات العلمية لخدمة أكثر الدوافع البدائية فجاجة.
الجذور البيولوجية والتطورية لسلوك الاستحواذ
يعتبر سلوك الاستحواذ والجمع جزءاً أصيلاً من الطبيعة البشرية، وله جذور ضاربة في التاريخ التطوري الذي تشاركناه مع أنواع أخرى من الكائنات. تظهر الدراسات المقارنة أن سلوك التخزين لدى الحيوانات، لا سيما القوارض، نشأ في بيئة مرجعية اتسمت بالندرة، حيث كان التملك يعني الحماية من الفناء.
معضلة عدم التطابق التطوري في عصر الاستهلاك
أدت القدرة البشرية على تعديل البيئة من خلال التقنية إلى خلق مثيرات اصطناعية تختطف الغرائز التطورية؛ فالشركات الكبرى تستغل رغبتنا الفطرية في الجمع لترويج سلع لا نحتاجها، وتوظف ميلنا للبحث عن المكانة الاجتماعية لترسيخ "الاستهلاك التفاخري". إن الفرد الذي يكدس الممتلكات اليوم ليس "متحضراً" بمعنى الارتقاء فوق الغريزة، بل هو ضحية لنظام تقني يعرف كيف يحفز مراكز المكافأة في دماغه القديم بشكل مفرط. إن ثقافة الاستحواذ تمثل تراجعاً عن المنجز الحضاري؛ حيث يتم إعادة تنشيط الغرائز وتضخيمها عبر الوسائط الرقمية، مما يطرح تساؤلاً حول مدى "نضج" هذه الحضارة التي تبني مجدها على استعباد الرغبات بدلاً من تحريرها.
المقاربة الفلسفية: الملكية كأصل للتفاوت والاغتراب
منذ عصر التنوير، ناقش الفلاسفة دور الملكية في تشكيل المجتمع المدني. يبرز جان جاك روسو في "خطاب حول أصل التفاوت" كواحد من أشرس النقاد للحضارة المادية، إذ يرى أن الإنسان في "حالة الطبيعة" كان مكتفياً بذاته وحراً، ولكن "اللحظة المأساوية" كانت عندما قام أول شخص بتسييج قطعة أرض وقال "هذه لي"، ووجد أناساً بسطاء بما يكفي لتصديقه. بالنسبة لروسو، فإن الملكية الخاصة هي أصل كل الشرور الاجتماعية من حروب وجرائم وعدم مساواة.
في المقابل، قدم توماس هوبز رؤية أكثر قتامة، معتبراً أن غريزة الاستحواذ والتنافس هي التي تخلق "حرب الجميع ضد الجميع" في غياب سلطة مركزية. لكن روسو يرد بأن هوبز أسقط صفات "الإنسان المتمدن" الجشع على "الإنسان البدائي"؛ فالحضارة هي التي خلقت الحاجات المادية المفرطة وليس الطبيعة البيولوجية وحدها. هذا السجال يضعنا أمام استنتاج مفاده أن "التحضر" المادي قد يكون في الحقيقة تراجعاً عن الحرية والمساواة الطبيعية لصالح نظام يعيد إنتاج العبودية في قوالب استهلاكية.
إريك فروم: الكينونة في مواجهة التملك
في مؤلفه الشهير "أن تملك أو أن تكون"، قدم إريك فروم تشريحاً نفسياً لنمطي الوجود البشري. يرى فروم أن المجتمع المعاصر يعاني من "ضمور" في القدرة على الكينونة لصالح هوس التملك. في "نمط التملك"، يتم تعريف الهوية من خلال الممتلكات (أنا أملك، إذاً أنا موجود)، مما يخلق حالة من القلق الدائم. أما "نمط الكينونة"، فهو يقوم على التجربة والإبداع والمشاركة الحية. يشير فروم إلى أن ثقافة الاستحواذ تعزل الفرد عن الطبيعة وعن الجماعة، وهذا الاغتراب هو ما يغذي اضطرابات الاستحواذ القهرية، حيث يحاول الفرد سد فراغه الوجودي بتكديس الأشياء. التحضر، حسب فروم، لا يتحقق إلا بوضع الكينونة فوق الملكية، واستبدال الجشع بالإنتاجية الخلاقة.
الاستحواذ الرقمي والمكانة في الفضاء الافتراضي
انتقلت غريزة الاستحواذ في العصر الرقمي إلى مجالات تتجاوز المادة إلى البيانات والرموز؛ فيظهر "الاكتناز الرقمي" كاستجابة تطورية لفيض المعلومات، حيث يجمع الأفراد آلاف الملفات دون استخدامها، مدفوعين بالخوف من ضياع المعرفة. تعكس هذه السلوكيات رغبة في "السيطرة المعرفية" في عالم يتسم بالسيولة. كما تظهر الأبحاث أن السعي وراء المكانة الرقمية يرتبط بـ "حساسية المكافأة"، حيث يضحي الفرد بخصوصيته من أجل "إعجاب" رمزي. هذا النمط يكرس "الإنسان الاستعراضي" الذي يعيش من أجل صورة متخيلة، مما يعمق حالة الاغتراب التكنولوجي.
وهم التقدم والفرق بين النضج التقني والأخلاقي
يطرح جون غراي في أطروحاته حول "أوهام التقدم" فكرة مفادها أن التقدم البشري أسطورة معاصرة؛ فبينما ينمو العلم بشكل تراكمي، تظل الأخلاق قابلة للانتكاس. إن القدرة على بناء مفاعلات نووية لا تعني أننا أصبحنا أكثر حكمة من أسلافنا، بل تعني أننا نملك "أدوات أكثر فتكاً" لخدمة الغرائز القديمة نفسها. يعتبر غراي أن "التحضر" قشرة رقيقة تنكسر عند الأزمات، وثقافة الاستحواذ هي الدليل الأكبر على هذا الفشل الأخلاقي. إن العلم يمنحنا القوة، لكنه لا يمنحنا الحرية؛ فنحن نظل عبيداً لطبيعة بشرية لم تتغير جذرياً.
هذا التمييز هو المفتاح لفهم الأزمة المعاصرة؛ فبينما تتقدم البشرية في "سُلّم كارداشيف" (وهو مقياس لمستوى التقدم التقني بناءً على استهلاك الطاقة والتحكم بها، اقترحه عالم الفلك نيكولاي كارداشيف عام 1964)، تظل في حالة "طفولة أخلاقية". إن الحضارة الحقيقية تقتضي كبح "إرادة القوة" لصالح "إرادة الكينونة" والتعايش.
التحول نحو "ما بعد المادية"
تتميز "الهوية ما بعد المادية" بتقدير جودة الحياة وحماية البيئة والاستقلال الذاتي، بدلاً من مجرد مراكمة الثروة. هذا التحول يمثل نوعاً من "النضج الحضاري" حيث يبدأ الإنسان في التساؤل عن معنى الحياة خارج إطار الاستهلاك. ومع ذلك، يظل هذا التقدم هشاً؛ فأي تهديد للأمن المادي قد يدفع الأفراد للعودة بسرعة إلى قيم التنافس البدائي.
هل الإنسان كائن متحضر؟
بالعودة إلى السؤال الجوهري: إذا كان التحضر هو مجرد امتلاك أدوات متطورة، فإن الإنسان هو الكائن الأكثر تحضراً. أما إذا كان التحضر هو "القدرة على التحكم في الغرائز وتوجيهها نحو قيم أخلاقية كونية"، فإننا لا نزال في مرحلة "التوحش التقني". إن ثقافة الاستحواذ هي "فشل حضاري" لأنها تعيد الإنسان لوضعية "الكائن المدفوع بالحاجة" بدلاً من "المعنى".
التحضر الحقيقي، كما اقترح فروم وطه عبد الرحمن وروسو، يتطلب ثورة في القيم تبدأ بفك الارتباط بين "الامتلاك" و"الوجود". وبدون هذا الارتقاء، سيظل التقدم التقني وسيلة لتسريع الدمار والاغتراب. تتطلب المرحلة القادمة ما يمكن تسميته بـ "الاستخلاف الأخلاقي"، حيث تُسخر التقنية لخدمة الكينونة، وتُحول الأسواق من ساحات للتنافس إلى منصات للتعاون الائتماني. إن الانتقال من "الإنسان المستحوذ" إلى "الإنسان المؤتمن" هو التحدي الأكبر الذي سيحدد ما إذا كنا سنستحق لقب "المتحضر" حقاً، أم سنظل مجرد "حيوان تقني" ضحية لنجاحه البيولوجي.
***
غالب المسعودي
............................
المصادر والمراجع
طه عبد الرحمن: المساءلة النقدية للحداثة والعولمة في المشروع الفلسفي، جامعة سطيف.
إريك فروم: أن تملك أو أن تكون، دراسة في الأنماط النفسية للوجود.
جان جاك روسو: خطاب في أصل التفاوت بين البشر.
جون غراي: أوهام التقدم: هل التقدم البشري حقيقة أم خيال؟
المؤسسة الوطنية للصحة (NIH): اضطراب التكديس: التطور في المفاهيم والتدخلات. (2024)
مجلة MDPI: التباعد التطوري وتأثيراته على الممارسات المدرسية والحضارية المعاصرة.
نشرة الزمرد (Emerald Publishing): دراسة في سلوك الاكتناز والارتباط بالممتلكات المادية.
مراجعة علماء العالم (World Scholars Review): علم النفس التطوري في التسويق واستهلاك المكانة.






