أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الهوية الهجينة.. الفرد بين الانتماءات الثقافية المتعددة في عالم العولمة

لم تعد الهوية في الزمن المعاصر معطى بسيطا أو جوهرا ثابتا يُستدعى كما تُستدعى الحقائق الأولى، بل غدت سيرورة مفتوحة على التحول، ومجالا للتفاوض المستمر بين الذاتي والجماعي والمحلي والكوني، وبين الذاكرة والتاريخ من جهة، وتيارات العولمة الجارفة من جهة أخرى. فالإنسان المعاصر لم يعد يسكن هوية واحدة صافية، ولا ينتمي إلى أفق ثقافي مغلق، بل بات يقيم على حدّ تعبير هومي بابا، في «الفضاء الثالث» الذي تتقاطع فيه المرجعيات وتتشابك فيه المعاني، حيث لا يعود الانتماء حاسما ولا الاغتراب كاملا. من هنا تبرز فكرة الهوية الهجينة بوصفها مفهوما إشكاليا، لا يصف وضعا عرضيا، بل يعبّر عن بنية عميقة للوجود الإنساني في زمن العولمة.

إنّ الحديث عن الهوية الهجينة لا يعني مجرد جمعٍ ميكانيكيّ لعناصر ثقافية متباينة، ولا اختلاطا سطحيا بين رموز وعادات ولغات، بل يحيل إلى تشكّل معقّد للذات في سياق تاريخي عالمي تُعاد فيه صياغة المعنى والتمثّل والانتماء. فالهوية كما نبّه بول ريكور، ليست هوية مطابقة لذاتها دائما، بل هي هوية سردية تتكوّن عبر الحكي وعبر إعادة تأويل الماضي في ضوء الحاضر، واستشراف المستقبل من موقع التوتر لا من موقع الانسجام. وفي عالم العولمة تتكاثر الحكايات وتتصادم السرديات، فيجد الفرد نفسه موزّعا بين أكثر من قصة وأكثر من ذاكرة وأكثر من أفق قيميّ، دون أن يكون قادرا على الانغلاق في واحدة منها دون خسارة.

لقد كشفت العولمة بما هي تكثيف غير مسبوق لحركة السلع والأفكار والصور والبشر، هشاشة التصورات الكلاسيكية للهوية، تلك التي كانت تفترض انسجاما طبيعيا بين الفرد والثقافة واللغة والأرض وبين الانتماء والحدود. فمع تفكك الدولة-الأمة كإطار حصري للهوية، ومع صعود الوسائط الرقمية والهجرات العابرة للقارات، أصبح الفرد يعيش في آنٍ واحد داخل ثقافات متعددة، ويتكلم بلغات مختلفة، ويتبنى أنماط عيش وقيما متداخلة. هذا الوضع لا يمكن فهمه بمنطق التنازل أو الازدواج المرضي، بل ينبغي التفكير فيه بوصفه شرطا أنثروبولوجيا جديدا يفرض إعادة النظر في مفاهيم الأصالة والخصوصية والنقاء الثقافي.

إنّ مفهوم «النقاء» ذاته، حين يُستحضر في النقاش حول الهوية، يكشف عن حنين ميتافيزيقي إلى أصل متخيَّل لم يوجد يوما في صورة صافية. فالتاريخ الإنساني كما يؤكد فرناند بروديل هو تاريخ التبادلات الطويلة والاحتكاكات البطيئة والتأثيرات المتراكمة التي لا تُرى في لحظتها، لكنها تشكّل العُمق الحقيقي للحضارات. وما من ثقافة إلا وهي في جوهرها نتيجة تداخلات متعاقبة بين عناصر محلية وأخرى وافدة. غير أنّ العولمة جعلت هذا التداخل أكثر كثافة وسرعة، وأخرجته من مستواه التاريخي البطيء إلى مستوى يوميّ معيش، حيث يعيش الفرد هذا التعدد داخل ذاته، لا فقط في محيطه الخارجي.

تغدو الهوية الهجينة تعبيرا عن وضع وجودي يتسم باللااكتمال، وبالعيش في منطقة بينية لا تسمح بالاطمئنان الكامل ولا بالقطيعة الجذرية. فالذات الهجينة ليست ذاتا ممزقة بالضرورة كما قد يتبادر إلى الذهن، لكنها ذات واعية بتعدديتها، قادرة على تحويل التوتر إلى طاقة خلاقة، والاختلاف إلى مورد للتفكير. وقد عبّر إدوارد سعيد عن هذا المعنى حين اعتبر المنفى بمعناه الرمزي موقعا معرفيا يسمح برؤية العالم من أكثر من زاوية، ويحرّر الفكر من أسر الانتماء الأحادي. فالعيش بين ثقافتين أو أكثر لا يعني فقدان الجذور، بل قد يتيح على نحوٍ مفارِق  وعيا أعمق بها.

غير أنّ هذا الوعي لا يتحقق تلقائيا، بل يمرّ عبر صراعات داخلية، وأسئلة مؤلمة حول الانتماء والولاء والمعنى. فالفرد في عالم العولمة يجد نفسه مطالبا بأن يكون «ذاتيا» و«كونيا» في آنٍ واحد، بأن يحافظ على خصوصيته دون أن ينغلق، وأن ينفتح دون أن يذوب. وهذا التوتر هو ما يجعل الهوية الهجينة إشكالية فلسفية بامتياز، لأنها تمسّ سؤال الذات وسؤال الحرية وسؤال المعنى في زمن فقدت فيه المرجعيات الكبرى قدرتها على الإقناع الشامل. وقد أشار زيغمونت باومان في حديثه عن «الحداثة السائلة»، إلى أنّ السيولة لا تطال المؤسسات والاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى الهوية نفسها، التي لم تعد إطارا ثابتا بل صارت مشروعا فرديا هشا يُعاد بناؤه باستمرار.

ولا يمكن فصل الهوية الهجينة عن منطق السلطة الذي يحكم العولمة. فليست كل أشكال التهجين متكافئة، وليست كل الذوات قادرة على التفاوض من موقع قوة. فهناك تهجين مفروض ينتج عن هيمنة ثقافية واقتصادية، حيث تُفرض نماذج استهلاكية وقيم رمزية باعتبارها كونية، بينما تُهمّش أشكال التعبير المحلية أو تُحوَّل إلى فولكلور. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التهجين بوصفه حوارا، والتهجين بوصفه اختراقا. وقد نبّه أنطونيو غرامشي في سياق آخر إلى خطورة الهيمنة الثقافية حين تتخفّى في صورة «الطبيعي» و«البديهي»، فتُعيد تشكيل وعي الأفراد دون عنف ظاهر.

إنّ الفرد وهو يتشكّل داخل هذا الحقل المعقّد من القوى لا يعيش الهوية الهجينة بوصفها اختيارا حرا دائما، بل كثيرا ما يجد نفسه منخرطا فيها بحكم شروط العيش والعمل والتواصل. ومع ذلك تظلّ هناك مساحة للفعل والتأويل، لأن الهوية ليست مجرد انعكاس سلبي للبنى، بل هي أيضا ممارسة رمزية، وطريقة في قول «نحن» و«أنا». وهنا تتقاطع الهوية مع اللغة، بوصفها الحامل الأعمق للذاكرة والمعنى. فاللغة ليست أداة محايدة للتواصل، بل هي أفق للفهم كما يقول غادامير، ومن خلالها يُعاد تشكيل العالم. وحين يتنقّل الفرد بين لغات متعددة، فإنه لا يغيّر فقط وسيلة التعبير، بل ينتقل بين أنماط تفكير وتمثّل مختلفة ما يثري تجربته، لكنه يضعه أيضا أمام سؤال الانتماء اللغوي بوصفه جزءا من الانتماء الوجودي.

لقد أدّى هذا الوضع إلى بروز أشكال جديدة من الذاتية، لا يمكن اختزالها في ثنائيات الانتماء/الاغتراب أو الأصالة/الاستلاب. فالهوية الهجينة ليست حلا وسطا سهلا، بل هي توتّر دائم بين عناصر لا تندمج كليا ولا تنفصل تماما. وهي بهذا المعنى تشبه ما وصفه ميرلو-بونتي بالجسد العائش، الذي لا هو موضوع خالص ولا ذات خالصة، بل منطقة تداخل بين الداخل والخارج. فالذات الهجينة تعيش هذا التداخل في المستوى الثقافي والرمزي، حيث لا يعود بالإمكان رسم حدود صلبة بين «ما هو لي» و«ما هو للآخر».

وإذا كان هذا الوضع يفتح إمكانات جديدة للفهم والتعايش، فإنه يثير في الآن ذاته مخاوف وردود فعل دفاعية، تتجلى في صعود الهويات المغلقة والنزعات القومية والثقافوية، التي ترى في التعدد تهديدا وفي الهجنة خطرا على «الذات الأصيلة». غير أنّ هذه الردود مهما بدت قوية تكشف في العمق عن قلق وجودي أمام عالم متحوّل، وعن عجز عن التفكير في الهوية خارج منطق الجوهر والثبات. فالهجنة في معناها العميق لا تنفي الخصوصية، بل تعيد تعريفها بوصفها قدرة على الحوار والتحول، لا بوصفها انغلاقا على الذات.

إنّ الهوية الهجينة في سياقنا هذا، ليست مجرد توصيف سوسيولوجي لواقع معيش، بل هي أفق فلسفي لإعادة التفكير في الإنسان المعاصر، وفي علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم. فهي تضعنا أمام سؤال أساسي: كيف يمكن للذات أن تحافظ على معنى الاستمرارية في زمن التشتت، وأن تبني سرديتها الخاصة وسط فيض من السرديات المتنافسة؟ هذا السؤال لا يجد جوابه في استعادة ماضٍ متخيَّل، ولا في الانصهار الكامل في الحاضر المعولم، بل في القدرة على ممارسة نقد مزدوج، نقد للذات حين تنغلق، ونقد للعالم حين يفرض نماذجه باسم الكونية.

إنّ الهوية الهجينة ليست قدرا سلبيا ولا امتيازا جاهزا، بل هي مهمة فكرية وأخلاقية، تتطلب وعيا تاريخيا وحسا نقديا، وقدرة على العيش مع التعقيد دون تبسيط مخلّ. وهي بهذا المعنى تعبّر عن شرط الإنسان في عالم لم يعد يسمح باليقين السهل، لكنه يفتح في المقابل إمكانات غير مسبوقة لإعادة ابتكار الذات والمعنى. وهذا ما يجعل التفكير في الهوية الهجينة ضرورة فلسفية لا مجرد ترف نظري، لأنها تمسّ جوهر سؤال الإنسان عن نفسه في زمن العولمة

تتعمّق إشكالية الهوية الهجينة حين ننتقل من مستواها الوصفي العام إلى مستوياتها التاريخية والرمزية والسياسية الملموسة، حيث تتقاطع التجارب الفردية مع البنى الجماعية، ويتحوّل سؤال الهوية من كونه سؤالا ثقافيا إلى كونه سؤالا أخلاقيا ومعرفيا. فالفرد لا يعيش تعدد الانتماءات في فراغ، بل داخل سياقات مثقلة بالذاكرة وبآثار الاستعمار، وباختلالات القوة بين المركز والأطراف، وبين ما يُقدَّم بوصفه كونيا وما يُصنَّف باعتباره محليا أو هامشيا. وفي هذا المستوى بالذات، تتبدّى الهوية الهجينة لا كمعطى محايد، بل كنتاج لصراعات طويلة، وكأثر من آثار التاريخ وهو يواصل اشتغاله داخل الحاضر.

إنّ المجتمعات التي عاشت تجربة الاستعمار، أو ما تزال تعيش أشكالا جديدة منه تحت مسمّيات اقتصادية وثقافية مختلفة، تقدّم مثالا بالغ الدلالة على تعقيد الهوية الهجينة. فالفرد في هذه السياقات لا يرث ثقافة واحدة متجانسة، بل يجد نفسه مشدودا بين لغة الأم ولغة المستعمر، بين منظومة رمزية تقليدية وأخرى حديثة، بين تصور للعالم متجذّر في الذاكرة الجماعية وآخر مفروض عبر المدرسة والإدارة ووسائل الإعلام. وقد أشار فرانز فانون إلى أنّ الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يتسلل إلى البنية النفسية للإنسان، فيزرع داخله انقساما عميقا، يجعل الذات ترى نفسها بعين الآخر، وتحاكم وجودها بمعاييره. وهنا تكون الهجنة أحيانا أثر جرح تاريخي لم يلتئم، لا مجرد انفتاح ثقافي حر.

غير أنّ هذا الجرح لا ينتج بالضرورة ذاتا مكسورة أو وعيا مستلبا بالكامل. فكما يمكن للهجنة أن تكون مجالا للهيمنة، يمكنها أيضا أن تتحوّل إلى موقع مقاومة رمزية، وإلى إمكانية لإعادة تركيب الذات خارج ثنائيات الأصالة والتقليد. وقد نبّه عبد الله العروي في سياق تحليله لإشكالية التراث والحداثة، إلى أنّ الوعي التاريخي هو وحده القادر على تحرير الذات من أسر الاختيارات الزائفة، لأنّه يسمح بفهم الحداثة لا بوصفها قطيعة مطلقة، ولا بوصفها امتدادا طبيعيا، بل بوصفها تجربة إنسانية مشروطة يمكن التفاعل معها نقديا. في هذا الأفق التأويلي، تتبدّى الهوية الهجينة تعبيرا عن وعي تاريخي يقبل التعقيد، ولا يبحث عن حلول تبسيطية.

وتزداد هذه الإشكالية حدّة حين ننتقل إلى تجربة الهجرة، حيث تتكثّف أسئلة الانتماء والاعتراف والذاكرة. فالمهاجر لا يغادر مكانا جغرافيا فحسب، بل يدخل في فضاء رمزي جديد، يطالبه بإعادة تعريف ذاته باستمرار. وهو يعيش كما يقول إدوارد سعيد في حالة «بين-بين»، حيث لا ينتمي كليا إلى موطنه الأصلي ولا يندمج تماما في المجتمع الجديد. هذا الوضع يولّد هوية هجينة تتشكّل في مفترق الطرق بين ثقافتين، وغالبا ما تُساء قراءتها إما بوصفها فقدانا للهوية أو بوصفها اندماجا ناجحا، في حين أنّها في العمق تجربة وجودية معقّدة، تتخللها لحظات اغتناء كما تتخللها لحظات قلق وانكسار.

وتلعب اللغة في هذه التجربة دورا محوريا، لأنها ليست مجرد وسيلة تواصل، بل فضاء انتماء وذاكرة. فحين يتنقّل الفرد بين لغتين أو أكثر، فإنه يعيش انقساما داخليا في التعبير عن ذاته، حيث لا تستطيع لغة واحدة احتواء التجربة كاملة. وقد أشار فالتر بنيامين إلى أنّ الترجمة ليست نقلا حرفيا للمعنى، بل إعادة خلق له في أفق لغوي آخر، وهو ما ينطبق على الذات الهجينة التي تترجم نفسها باستمرار بين سياقات مختلفة، دون أن تبلغ تطابقا تاما. هذه الترجمة الدائمة قد تكون مصدر غنى إبداعي، لكنها قد تتحوّل أيضا إلى عبء نفسي حين يُطلب من الفرد أن يختار لغة واحدة للانتماء، وكأنّ اللغات الأخرى مجرد زوائد.

وفي السياق العربي الإسلامي، تكتسب الهوية الهجينة أبعادا إضافية، نظرا للتداخل التاريخي بين الديني والثقافي والسياسي، وبين المحلي والوافد. فالعلاقة بالتراث ليست علاقة بسيطة بالانتماء، بل هي علاقة تأويل وصراع حول المعنى. وقد نبّه طه عبد الرحمن إلى أنّ الحداثة حين تُستورد دون نقد تتحوّل إلى قطيعة أخلاقية مع الذات، في حين أنّ التراث حين يُقدَّس دون مساءلة، يتحوّل إلى عائق أمام الفعل التاريخي. بين هذين الطرفين تتشكّل هوية هجينة تبحث عن صيغة للتوفيق بين القيم الروحية والرهانات الحديثة، دون أن تذوب في أحدهما. غير أنّ هذا البحث لا يخلو من توتر، لأنّ العولمة تضغط باتجاه نمذجة القيم والسلوكيات، وتُضعف إمكانات الاختيار الحر.

ويزداد الأمر تعقيدا حين نلاحظ أنّ العولمة لا تنتج هوية هجينة واحدة، بل أنماطا متعددة من الهجنة، تختلف باختلاف المواقع الاجتماعية والاقتصادية. فهجنة النخب المتعلمة القادرة على التنقل والاختيار، ليست كهجنة الفئات المهمّشة التي تُفرض عليها شروط التكيّف دون امتلاك أدوات التفاوض. وهنا يتقاطع سؤال الهوية مع سؤال العدالة، لأنّ القدرة على تحويل التعدد إلى مورد إيجابي ليست متاحة للجميع بالدرجة نفسها. وقد أشار بيير بورديو إلى أنّ الرأسمال الثقافي يلعب دورا حاسما في تمكين الأفراد من استثمار اختلافاتهم بدل أن تتحوّل إلى مصادر إقصاء. ولا يمكن التفكير في الهوية الهجينة خارج تحليل علاقات القوة التي تشكّل شروط إمكانها.

غير أنّ أخطر ما يهدّد الهوية الهجينة ليس التعدد في حد ذاته، بل تحويل هذا التعدد إلى فراغ قيمي، حيث تفقد الذات أيّ معيار للاختيار والمعنى. ففي عالم تتكاثر فيه الخيارات وتضعف فيه المرجعيات، قد تنزلق الهجنة إلى شكل من السيولة المطلقة، التي تجعل الهوية مجرد قناع يتغيّر حسب السياق. وقد حذّر تشارلز تايلور من هذا المآل، معتبرا أنّ الاعتراف بالاختلاف لا يمكن أن يقوم دون أفق قيمي مشترك يمنح الذات إحساسا بالكرامة والاستمرارية. فالهوية الهجينة لكي تكون مجالا للغنى لا للضياع، تحتاج إلى جذور رمزية لا بمعنى الثبات، بل بمعنى القدرة على العودة النقدية إلى الذات.

من هنا يتّضح أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الهوية هجينة أم لا، لأنّ الهجنة أصبحت شرطا عاما في عالم العولمة، بل يتعلق بكيفية عيش هذه الهجنة: هل تُعاش بوصفها انقساما مؤلما أم بوصفها توترا خلاقا؟ هل تُدار بمنطق الاستلاب أم بمنطق الحوار؟ هل تتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة أم إلى فضاء لإعادة بناء المعنى؟ هذه الأسئلة لا تجد أجوبتها في الخطابات الجاهزة، بل في الممارسة اليومية للذات وهي تفاوض انتماءاتها وتعيد صياغة علاقتها بذاتها وبالآخر.

وتقودنا هذه الاعتبارات إلى خلاصة ليس منها بد، لا بوصفها إغلاقا للنقاش، بل بوصفها فتحا لأفق تفكير أوسع. فالهوية الهجينة ليست حالة استثنائية تخصّ فئة بعينها، بل هي التعبير الأكثر صدقا عن وضع الإنسان المعاصر، الذي يعيش في عالم متشابك متعدّد الأصوات سريع التحوّل. هذا الوضع يفرض علينا التخلي عن التصورات الجوهرانية للهوية، دون الوقوع في نسبية مفرغة من المعنى. فالهوية في أفق فلسفي نقدي ليست جوهرا ثابتا ولا قناعا عابرا، بل هي علاقة دينامية بين الذاكرة والاختلاف، بين الاستمرارية والتحول.

إنّ المآل الذي يقود إليه هذا التفكير ليس دعوة إلى الاحتفاء الساذج بالهجنة، ولا إلى الحنين الدفاعي إلى هوية متخيَّلة، بل إلى وعي نقدي يرى في التعدد شرطا للفهم لا تهديدا له. فالهجنة حين تُعاش بوعي تاريخي وأخلاقي، تتيح للذات أن تتجاوز الانغلاق دون أن تفقد عمقها، وأن تنفتح على الكوني دون أن تتنكر للخصوصي. وهي بهذا المعنى تضعنا أمام مهمة فكرية مزدوجة، تفكيك أشكال الهيمنة التي تتخفّى باسم الكونية، وفي الآن ذاته نقد النزعات الانغلاقية التي تتذرّع بالخصوصية لرفض الحوار.

وفي عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التداخل والتشابك، يصبح الدفاع عن هوية صلبة ومغلقة وهما نظريا وخطرا عمليا، كما يصبح القبول بذات سائلة بلا معايير نوعا من الاستقالة الوجودية. بين هذين الحدّين تتبلور الهوية الهجينة بوصفها أفقا ممكنا للتفكير في الإنسان المعاصر، لا باعتباره كائنا منقسما، بل باعتباره كائنا قادرا على حمل التعدد داخل وحدته، وعلى تحويل الاختلاف إلى إمكان للفهم لا إلى ذريعة للصراع. وهنا ربما يكمن الرهان الحقيقي أن نتعلّم كيف نكون ذواتا متعددة دون أن نفقد قدرتنا على المعنى، وكيف ننتمي إلى أكثر من عالم دون أن نتنازل عن مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه ذواتنا وتجاه الآخرين.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم