أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: لماذا تختلف النفعية عن العواقبية؟
تندرج النفعية تحت مظلة واسعة من العواقبية، لكنها ليست العضو الوحيد، اذن ما هو الاختلاف بينهما؟ يُستخدم مصطلحا النفعية والعواقبية عند دراسة الفلسفة الأخلاقية. احيانا يُستخدمان كما لو كانا شيئا واحدا. ومع ان هاتين النظريتين الاخلاقيتين تبدوان توأمين للوهلة الأولى، لكن الاستطلاع يكشف اختلافا هاما بينهما. سوف نحلل هاتين النظريتين ونفحص الارتباط بينهما ونحدد أين يفترقان، بالنهاية سوف نفهم بالضبط ما تؤمن به كل واحدة من النظريتين وأهمية ذلك لنا.
ما هي العواقبية consequentialism
يمكن تلخيص العواقبية بفكرة مبسطة: الفعل الأخلاقي يتقرر فقط بنتائجه. اذا كان الفعل يقود الى نتائج جيدة فهو جيد أخلاقيا، واذا كان يقود الى نتائج مؤذية فهو خاطئ أخلاقيا. العواقبية ترى ان أخلاقية الفعل لا تعتمد على النوايا او على مدى اتباعنا للقواعد، بل كل ما يهم هو النتيجة. هذا يفسر لماذا يعبّر الناس أحيانا عن فكرة العواقبية بعبارة "الغاية تبرر الوسيلة". لننظر في هذا المثال. شخص ما يتحدث كذبا لكي يحمي صديق له. شخص آخر يفكر تبعا للقاعدة التي تقول "الكذب دائما خطأ". لكن الشخص الذي يفكر تبعا لوجهة نظر العواقبية يسأل: "هل ذلك الكذب له نتائج جيدة؟"
هناك مختلف الأنواع من العواقبية. احد الأمثلة هو الانانية الأخلاقية التي تؤمن بان الفعل صحيح اذا كان يعزز مصالحك اكثر من الاخرين. صيغ أخرى هي الوكيل - المحايد وتعني ان مصلحة كل الناس يجب النظر اليها بالتساوي، والوكيل القريب التي تسمح لك إبداء تعامل خاص مع منْ ترتبط معهم بعلاقة وثيقة مثل (أعضاء العائلة). يمكن رؤية هذا كرياضيات أخلاقية. العواقبيون لا يهتمون فيما اذا اتبعت القواعد، هم يهتمون فقط بما اذا كانت النتائج الكلية لفعلك جيدة. اذا كانت جيدة، فان ما قمت به هو صحيح. هذا الاتجاه يقدم اطارا واضحا وقويا لدراسة القضايا الأخلاقية. لكن وكما سنرى، هناك أيضا بعض النقاشات المعقدة ومشاكل غير متوقعة فيها.
ما هي النفعية utilitarianism
احدى الأنواع الشهيرة للعواقبية هو النفعية. طبقا لهذه النظرية الأخلاقية، الفعل يكون صحيحا عندما ينتج أعظم كمية من السعادة لأكبر عدد من الناس. بلغة مبسطة، النفعيون يعتقدون انه لا يكفي مجرد القيام بعمل خير، وانما يجب على المرء ان يكافح لعمل أعظم خير كلي، أي، تعظيم الكمية الكلية للسعادة او المنفعة في العالم. جيرمي بنثام الذي هو اول من صاغ النفعية، اقترح اننا نحسب المتع والالام كما لو انها أرقام: بعد خصم المعاناة من المتع، نؤدي أي فعل له أعلى محصلة كلية. تلميذه جون ستيوارت مل أجرى عدة تعديلات على نظام بنثام، احداها تميّز بين أنواع المتع، على سبيل المثال، ان قراءة الشعر أرقى من تناول الكيك.
احدى الطرق للتفكير حول النفعية هي من خلال النظر في مثال مشكلة العربة. تخيّل عربة هاربة تنطلق بسرعة على طول سكة حديد باتجاه خمسة اشخاص. انت تقف بجانب الرافعة التي يمكنها تحويل العربة الى اتجاه مختلف ضمن السكة. لكن عندما تسحب الرافعة، ستضرب العربة شخص سادس مربوط بتلك السكة. المنظور النفعي سيكون انك يجب ان تسحب الرافعة. وفق هذه الرؤية، خمسة وفيات تفوق واحد. النفعية تقول لنا ان ننظر في الصورة الكبيرة وليس فقط لسعادتنا وانما لكل شخص. هذه الفكرة البسيطة كانت لها اثار واسعة النطاق على كل شيء بدءا من صنع القوانين او - تغييرها الى نوع أنظمة الرعاية الصحية التي تتبعها الدول. مع ذلك، التفكير بهذه الطريقة يخلق بعض الأسئلة الصعبة سوف نعالجها ادناه.
اختلاف أساسي بين النفعية والعواقبية
من الضروري فهم انه بالرغم من كون جميع النفعيين عواقبيين، لكن ليس كل عواقبي هو نفعي، لذلك، من الضروري ان لا نخلط بين الاثنين. هنا طريقة جيدة للتفكير. في هذه العلاقات، النفعية تشبه المربع الذي يندرج ضمن مستطيل اكبر (الذي هو عواقبية). مرة أخرى، النفعية تحكم على الأفعال وفقا لنتائجها، والنتيجة الوحيدة الهامة هي ما اذا كانت تخلق سعادة او متعة اكثر من الألم. طبقا للنفعية، الفعل يمكن القول انه صحيح عندما ينتج اعظم كمية ممكنة من الخير لكل ذوي العلاقة. G.E. More كان عواقبيا ولكن ليس من النوع النفعي. هو اعتقد ان أشياء مثل الصداقة والجمال لها قيمة باطنية وانها أيضا تنتج السعادة. وهكذا، بينما النفعي يختار الفعل الذي يعظم السعادة، العواقبي سوف يختار فعلا يخلق المزيد من الانصاف حتى وان كان اقل بهجة. هنا مثال: تخيّل فعلا يخلق سعادة لكنه يخلق لاعدالة. النفعي سوف يوافق، لكن العواقبي المرتكز على العدالة سوف يقول انه سيئ. باختصار، النفعية ليست الا نوعا واحدا من صنف أخلاقي اكبر، يمكن مقارنتها بوصف كل الفاكهة موز – انها فقط نوع واحد. ادراك هذا يساعدنا لنفهم بشكل افضل طيفا واسعا للطريقة التي يرى بها الفلاسفة الفعل جيدا بالنهاية .
نظريات عواقبية بديلة
عندما نأتي الى العواقبية، هناك اكثر من نسخة واحدة للنفعية. هناك مختلف النسخ البديلة التي تعدّل المفهوم الأساسي للحكم على الأفعال بالارتكاز على محصلتها بطرق ملفتة. قاعدة العواقبية هي واحدة من هذه البدائل. بدلا من تقييم كل فعل انفرادي طبقا لمزاياه الخاصة، فان هذا الاتجاه يشجعنا للنظر بما يحدث لو كل شخص اتبع قاعدة معينة، وما اذا كانت النتائج الكلية تكون محسنة بالنتيجة. الفيلسوف ريتشارد براند دعم هذه الفكرة. هو اعتقد ان امتلاك مبادئ أخلاقية يمكن ان يقدم ارشادا افضل للسلوك قياسا بمجرد محاولة حساب أي سلوك يقود الى اكبر سعادة. العواقبية السلبية تقدم منظورا مختلفا مرة أخرى. بدلا من جعل السعادة اكبر ما يمكن، انها تقترح اننا يجب ان نحاول تقليل المعاناة.
هذه الرؤية مرتبطة بإحكام بأفكار شوبنهاور الذي اعتقد ان المعاناة هي المظهر الأساسي للحياة وان قراراتنا الأخلاقية يجب ان تعكس هذا عبر تقليل ألم الشخص بدلا من زيادته. العواقبية التفضيلية فرع اخر قادها بيتر سنجر والذي يقدم اتجاها مختلفا. انه لا يتعلق بالسعادة او الحزن وانما بتلبية افضليات كل شخص. اذا شخص ما يفضل ان يكون حرا بدلا من المرح ،او معرفة الحقيقة بدلا من الراحة، عندئذ فان هذه النظرية تأخذ هذا على محمل الجد. هذه الأمثلة توضح الطبيعة المتغيرة لأخلاق العواقبيين. انها ليست فقط مسألة تعظيم المتعة وتقليل الألم. أحيانا، المرء يجب ان يركز على تقليل الأذى. وفي أوقات أخرى، ربما يكون اتباع القاعدة يخلق المزيد من الخير.
الانتقادات والتحديات
العواقبية تبدو واضحة للوهلة الأولى: فقط اعمل كل ما ينتج افضل النتائج. لكن عدد هائل من الفلاسفة اثاروا تحديات بشأن هذه النظرية. النقد الرئيسي هو انها تتجاهل العدالة والحقوق والكرامة الشخصية. اذا كان كل ما تهتم به هو حول المحصلة، عندئذ ماذا يحدث للعدالة والقواعد الأخلاقية؟ انظر في مثال معضلة التبرع بالأعضاء. تخيل وجود شخص ملائم يتجول امام المستشفى، في الداخل، هناك خمسة مرضى ينتظرون زراعة الأعضاء. طبقا للرؤية النفعية المتطرفة، نحن يجب ان نضحي بالمتجول لكي ننقذ حياة خمسة اشخاص. مع ذلك، معظم الناس يجدون هذا الاقتراح شديد الازعاج، والسبب هو انه يستلزم انتهاك حقوق الافراد.
هذا ما يعارضه علماء الاخلاق مثل عمانوئيل كانط. كانط اصر على ان الناس يجب ان لا يُعاملوا كوسائل لغايات. اعتقد كانط في الالتزامات الأخلاقية مثل قول الحقيقة وتمجيد الأشخاص بصرف النظر عن المحصلة. العواقبية أيضا واجهت حالات كبش الفداء. افرض انك تلوم شخص بريء لكي تقمع اعمال شغب. المحصلة يمكن ان تكون الهدوء لكن على أي حساب أخلاقي؟ هذه المشاكل توضح انه بينما العواقبية تشجعنا للنظر بأفكار كبرى، هي أحيانا تتجاهل الأشياء الصغيرة التي تخلق اختلافا كبيرا مثل حياة الناس، العدالة، والقواعد الأخلاقية للسلوك. الاخلاق لا تستلزم دائما رياضيات، أحيانا افضل خيار ليس دائما الأكثر فاعلية.
اذن، هل النفعية والعواقبية هما ذات الشيء؟
ليسا كذلك، النفعية نوع واحد من العواقبية لكنها ليست كل القصة. كل النفعيين يؤمنون بان الفعل الصحيح هو الذي يجلب اعظم سعادة او منفعة. لكن العواقبية هي شجرة أخلاقية اكبر، تضم أي نظرية تحكم على الأفعال على أساس محصلاتها بصرف النظر عما اذا كانت تلك المحصلة سعادة او عدالة او حرية او شيء آخر. ان الفرق هو هام لأنه يمكّننا من الاقتراب من مشاكل العالم الواقعي مثل الذكاء الصناعي، تقلبات المناخ، او السياسة الاقتصادية بوضوح أخلاقي اكبر. هل نحن نفضل اعظم سعادة؟ أقل ألم؟ اكثر عدالة في التوزيع؟ كل واحدة تمثل نظرية فلسفية مختلفة.
في النهاية، من غير المحتمل ان تكون أحسن بوصلة أخلاقية بحجم واحد يناسب الجميع. انها سوف تعتمد على ما يهمنا اكثر: السعادة، الانصاف، الحقوق، الكرامة. تحديد هذه الاختلافات يساعدنا في التفكير بوضوح وتعاطف اكبر في عالم معتم.
***
حاتم حميد محسن






