ماذا على المرء أن يفعل في وجه العاصفة؟.. تلحّ عليّ الكتابة منذ وقت طويل.. تتدافع الكلمات الى حلقي حتى تكاد أنفاسي تنقطع. لكنّ أناملي جامدة لا تكتب.
ما الذي سأكتب عنه؟
وهل بات الكلام مجديا في هذا العصر المتداعي على رؤوس أبناءه؟
أخشى أن أكتب شعرا يسحرني بحره فأنتشي وأخون كمدي.
أو أسطرا أنثر فيها حروفي دون قافية فيتنفس صدري ويخمد فيّ الغضب.
هذا الغضب الذي لا يقصد كائنا في حد ذاته بل يتدفّق كالدّماء منّي وإليّ..
كرائد فضاء أخبروه أن الدولة التي أرسلته لم تعد موجودة،
أحاول أنا العودة إلى ذاتي القديمة،
إلى شغفي وأملٍ ساذج بتّ أسخر منه.
الى هيامي بالأدب وبساعات الليل الأخيرة..
الى ثقتي بأن الحياة صديقتي وأنها تحبّ البشر أمثالي.
*
كيف لي أن أكتب،
أخبرني يا عزيزي،
والعالم يضيق قبضته على قلوب الأميّين ومن قطعت مرارة الألم ألسنتهم.
كيف أسمح لنفسي بلحظة صفاء أختلي فيها بفنجان قهوة
أحتسيه فوق أنقاض إنسانية ضائعة.
لم تعد مرارة القهوة شاعرية،
هي فقط مرة كعلقم هذا الوجود.
تذكرنا بالسواد وظلمة القهر..
*
قاسية هي هذه الحياة
كنحيب امرأة قُتل حبيبها وسرقت يد الظلم قوت صغارها.
حادة كخبر يحمله الصباح لعائلة
أن ابنتهم،
الطالبة،
التي غادرت القرية
تحملها الوعود بغد سعيد،
ها قد عادت جثة هامدة
بعد أن اغتالتها شهوة لم تر فيها انسانا
بل جسدا ينتهك.
*
كيف أغفر لنفسي الأمل
والناس يموتون احتراقا قبل أن تتحقق أحلامهم.
.و كيف أجرؤ أن أطمح الى السماء
وغيري لا يجد أرضا يقف عليها..
*
متعبة أنا من وقع أقدام الحياة
وهي تدوس الجميع بأقدارها.
ومتعبة من مشاهد الموت
وفكرة أن يتوقف الأشخاص عن الوجود
هكذا وبتلك البساطة،
من مرارة فقد الأحبة
وثقل الرحيل على الأفئدة..
*
أخبرني هل يجدي الكلام نفعا
في هذه الظروف القاهرة؟
هل أرتدي ثوب المحلل أنا الأخرى
وأرمق هذا الخراب بفلسفة متعالية
ام أزفّ إليه رواية
كإهانة أخيرة
أعلن في نهايتها أن العالم ينهار..
وهل بات الناس في حاجة لمن يخبرهم بذلك؟
*
لقد تلاشى انسان هذا العالم،
هذا الانسان الذي تغنت به الفلسفة والشعر والأديان والسياسة،
نعيا كان ذلك أم تزويقا،
في حين عجز جميعهم
عن منع صخرة واحدة
من التهاوي على طفل يرتجف رعبا
تحت قرقعة الطائرات والقنابل.
*
كل هذا الضجيج،
كل هذه الآراء،
كل الكلام وكل البكاء..
وهذا البحث العبثي
عن طيف إنسانية نزفت حتى الفناء،
جميع ما سبق
يساوي صفرا أمام هذا الشقاء الآدمي..
محض سراب يسكن به الفرد منّا
فداحة الوجع وسمّ اللوعة.
لم يبق للإنسان سوى الصمت وإعلان الحداد كشرف أخير
يغادر به أرض المعركة
***
بقلم مريم عبد الجوّاد








