عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

سوزان عون: قراءة أدبية في رواية أنسجة الوجع

للأستاذ سلام السماوي

في روايته أنسجة الوجع، يأخذنا الأديب والروائي سلام السماوي، العراقي الأصل والمقيم في مدينة ملبورن الأسترالية، في رحلة تتشابك فيها خيوط الفقر والحرب والغربة والفقد، لتنسج حكاية إنسان يبحث عن موطئ قدم في عالم تضيق فيه الأوطان وتتسع المنافي

تقع الرواية في 101 صفحة، ويسبق أحداثها مدخل تأملي يمتد على صفحات عدة، يستحضر فيه الكاتب أسئلة الوجود والطبيعة والإنسان والوطن، وكأنه يمهّد للقارئ الطريق نحو وجع لا ينحصر في تجربة فردية، بل يتجاوزها إلى الذاكرة الإنسانية وما تختزنه من انكسارات

ومن خلال الصفحات التي قرأتُها، تستوقفني قدرة الكاتب على الانتقال من الوجع العام إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة، حيث يتحوّل الفقر من حالة اجتماعية إلى محنة تمتحن الحب والكرامة، وتغدو الغربة اقتلاعًا لا تعوّضه وفرة العيش

. وتبرز المرأة في المشاهد الروائية بوصفها شريكة في الاحتمال، تحمل أعباء الحياة وتواجه قسوة الظروف، فيما تتسلل الحرب إلى مصائر الشخصيات، تاركةً آثارها في البيوت والأجساد والذاكرة

. ولعلّ أكثر ما يلفتني في هذا العمل أن الوطن لا يحضر باعتباره مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفه كيانًا روحيًا، تتشبث به الشخصيات حتى وهي تستعد لمغادرته

أما اللغة، فتتأرجح بين السرد المباشر والتأمل الوجداني، وتكشف عن نزعة شعرية واضحة لدى الكاتب، وإن كان المدخل الفلسفي المطوّل يؤخر الدخول إلى الأحداث، ويمنح العمل إيقاعًا تأمليًا قبل انطلاق حكايته

. أنسجة الوجع عنوان موفّق لما توحي به هذه الصفحات؛ فالوجع هنا ليس جرحًا منفردًا، بل خيوط متداخلة من الحرمان والحب والاقتلاع، تتشكّل منها ملامح حياة كاملة

.وما بين الوطن الذي يضيق بأبنائه والمنفى الذي لا يستطيع أن يعيد إليهم طفولتهم، تظلّ الذاكرة آخر ما يملكه الإنسان حين يفقد الجهات

***

سوزان عون

 

في المثقف اليوم