أوتسوكا كوسوكو
شهد الأدب الياباني إبان الحرب الروسية اليابانية (8 شباط 1904 – 5 أيلول 1905) وفرة في النتاج الأدبي والفكري الذي صاغه أدباء وكتاب تلك الحقبة الحساسة والمهمة من تاريخ البلاد، ومن مجموعات فكرية وأيديولوجية مختلفة (1)، واجهت النزعة القومية الميليتارية المتطرفة المهيمنة آنذاك (2). ومنهم الشاعرة (يوسانو أكيكو) (1878 – 1942) مؤلفة قصيدة (أخي، أرجوك لا تمت)، والمؤرخ والروائي والمترجم والناشط الاشتراكي (ساكاي توشيهيكو) (1871 – 1933) الذي نشر العديد من المقالات والبيانات والترجمات الماركسية، والأديب الفيلسوف (كينجيرو توكوتومي – روكا) (1868 – 1927) صاحب رواية (طائر الوقواق 1898) وغيره، والمفكر والمبشر المسيحي (أوتشيمورا كانزو) (1861 – 1930) مؤسس حركة (اللاكنيسة – موكيوكاي شوغي) الذي نشر سلسلة من المقالات الصحفية الافتتاحية المنددة بالتحشد العسكري في صحيفة (تقرير الصباح الكامل - يوروزو تشوهو)، وأيضا دراساته في مجلة (دراسات الكتاب المقدس – سيشوه نو كينكيو).
و هناك أيضا (أوتسوكا كوسوكو) (1875 – 1910) الروائية والشاعرة والقاصة البارزة من عصر ميجي (1868 – 1912) التي جاهرت بمناهضة تلك الحرب الضروس أيضا، ودون خوف أو إخفاء، ولها مساهمة بارزة في الأدب الياباني المناهض للحرب، متمثلة في قصيدتها المشهورة (زيارة المعبد مائة مرة – أوهياكودو مودي) التي حظيت باهتمام واسع داخل البلاد وخارجها، بعد نشرها في مجلة (الشمس – تايو) الأدبية العامة الصادرة عن دار نشر (هاكوبونكان - طوكيو) في كانون الثاني 1905 بالتزامن مع الحرب الروسية اليابانية، ولتضعها في مصاف الشاعرة (يوسانو أكيكو) في هذا المضمار.
أما مضمون وأبعاد قصيدة (زيارة المعبد مائة مرة) لكوسوكو فيعكس المعاناة النفسية للنساء اليابانيات وخوفهن من فقدان أحبائهن: من أزواج وآباء، وأبناء وأحفاد، جراء تلك الحرب المهلكة التي تم خوضها من أجل إرساء السلطة وتوسيع النفوذ الياباني في منشوريا وكوريا، فتزور كل واحدة منهن المعبد مائة مرة متتالية بناء على طقس تعبدي تقليدي مرتبط بالديانة اليابانية القديمة (زيارة المائة مرة، أو- هياكودو مايري)، وبخاصة ديانة الشينتو والبوذية القديمة، لتصلي وتدعو من أجل عودة عزيزها إلى البيت سالما. مع الإعراب عن موقفهن الداعي للسلم وحبهن للحياة كبشر ورفض تمجيد الموت لأجل الإمبراطور (3). ونقدم أدناه ترجمة للقصيدة المذكورة عن اللغة الإنكليزية، وهي تفصح بشكل جلي عن الموقف الفكري للشاعرة (أوتسوكا كوسوكو)، وعن جانب مهم من سيرتها الذاتية الثرية.
(زيارة المعبد مائة مرة)
أتقدم خطوة
فيدور زوجي في خلدي
خطوتان أسيرهما
فأستحضر وطني في بالي
غير أن في الخطوة الثالثة
يستحوذ زوجي على تفكيري
مرة أخرى
فهل يحمل قلب المرأة ذنبا
أو يستحق العتاب؟
(بلاد الشمس المشرقة) المتألقة نورا (4)
وطن فريد
لا نظير له في الكون
والرجل الذي قطعت معه عهدا
واقترنت به
هو توأم روحي
وسندي الوحيد
وإذا سئلت في يوم من الأيام:
أيهما أرفع قدرا؟
وطني.. أم زوجي
فلن أعقب
بل سأكتفي بان أذرف دمعي
و سوف أيمم وجهي
شطر المعبد
لأقيم صلاتي
آه.. أفهل من تثريب؟
و قد انقسمت ردود الفعل في اليابان آنذاك حول (أوتسوكا كوسوكو) مؤلفة هذه القصيدة، بين مؤيد ومشجع لها من عامة الشعب والمثقفين الأحرار الذين وصفوها بأنها تعبر عن احتجاج عادل وصادق، نابع من القلب مباشرة، ليلامس شغاف القلب عفويا، وبين محارب ومنتقد لها من قبل الجمهور المحافظ المحرض على القتال والمناصر للحرب الدائرة على الجبهات.
و قد ترجمت القصيدة إلى اللغة الإنكليزية، ووردت ضمن مجموعات أنطولوجية وبحوث أكاديمية معنية بالأدب النسوي الياباني والأدب الياباني المناهض للحرب، المنجزة من قبل كبار الأساتذه والبحاث، مثل المترجم والباحث المعروف (هيرواكي ساتو) الذي أدرجها ضمن موسوعته (الشاعرات اليابانيات: أنطولوجيا) الواقعة في (592) صفحة والصادرة عن (روتليدج 2007)، وأيضا المؤرخة الأمريكية (أ. د. شارون سيفرز) المتخصصة في تاريخ اليابان والدراسات النسوية في جامعة ولاية كاليفورنيا – لونغ بيتش ومؤلفة كتاب (أزهار في الملح: بدايات الوعي النسوي في اليابان الحديثة) الصادر عن دار نشر جامعة ستانفورد 1983.
كما ترجمت القصيدة إلى اللغة الفرنسية، وغنتها (يومي نارا) (5) مغنية السوبرانو اليابانية الشهيرة المقيمة في فرنسا ضمن ألبوم بعنوان (ملحنات يابانيات عشن بكرامة في عهد ميجي، تايشو، وشوا) الصادرعام 2009 . علما تم تلحين القصيدة عام 1953 من قبل (يوشيدا تاكاكو) (1910 – 1956) التي ناهضت الحرب أيضا ولحنت كذلك قصيدة (أخي، أرجوك لا تمت) ل (يوسانو أكيكو) للموقف ذاته.
و ترجمت القصيدة إلى اللغة الصينية أيضا، وخضعت للبحث والدراسة من قبل الكاتب والباحث والمترجم المعروف (تشو زوؤرين) (1885 – 1967) ضمن مجموعة قصائد يابانية مناهضة للحرب. وينظر إليها أيضا كمثال على النزعة العسكرية التي كانت سائدة في اليابان وقتها وضمن ادب مقاومة الاستبداد (أدب الحرية). وترجمت كذلك إلى اللغة الألمانية، وكانت في دائرة اهتمام البحاث في الأدب المقارن والدراسات اليابانية - الالمانية.
علما كانت (أوتسوكا كوسوكو) متأثرة بالروائي والمترجم البارز (أوغاي موري) الذي ترجم الكثير من الأعمال الأدبية الألمانية المعروفة إلى اللغة اليابانية (6). وتكمن مظاهر هذا التأثير في بضع نقاط رئيسية، وهي:
أولا: التحول إلى كتابة شعر ال (شينتايشي – شعر الأسلوب الحديث) بدلا من الشعر التقليدي. وقد ظهر هذا النوع من الشعر في أوائل القرن التاسع عشر، وكان صدور كتاب (شينتايشي – شو، مختارات من القصائد على النمط الجديد 1882) الذي تضمن قصائد غربية مترجمة وأخرى يابانية مكتوبة بالأسلوب الجديد بمثابة المنطلق والحافز الأول لهذا النوع من الشعر في اليابان. وقد أسفر بعدها عن ظهور (الشعر الحر – جيو – شي).
ثانيا: الانتقال إلى أسلوب الرومانسية الغربية (رومان – شوجي) (7)، والابتعاد عن الأنماط الكلاسيكية والموروثة في الكتابة اليابانية.
ثالثا: تصاعد الرغبة في خوض تجارب كتابية جديدة في مجال القصة القصيرة والرواية بالإضافة إلى الشعر، تمخضت عن (يقترب الخريف من نهايته 1895، فصل البط الماندرين 1902، اللهب 1905، وغرفة الضيوف 1906) وغيرها من الأعمال الرائعة. علما نشر لها (أعمال أوتسوكا كوسوكو الكاملة – حرره إيشيزاكي وآخرون 2021).
***
بنيامين يوخنا دانيال
...........................
(1) – الاشتراكيون والأناركيون (اللاسلطويون)، المسيحيون السلميون، المثقفون الإنسانيون، والحركة الأدبية النسوية.
(2) – القومية الميليتارية: القومية العسكرية التي كانت أحد محركات ونتاجات الحرب الروسية اليابانية.
(3) – بلغت الخسائر البشرية الإجمالية لليابان جراء تلك الحرب (43،000 – 71،000) قتيلا تقريبا على الرغم من انتصارها التاريخي، بالاضافة إلى (146،000) جريح تقريبا. ناهيك عن الخسائر المادية الكبيرة.
(4) - أرض منشأة الشمس أو منبعها (نيهون، نيبون): تلقب اليابان ب (أرض الشمس المشرقة). وتعود رمزية الشمس فيها إلى (أماتيراسو) إلهة الشمس التي ينحدر منها أباطرة اليابان وفقا للأساطير.
(5) – يومي نارا: حائزة على الجائزة الكبرى في مسابقة الموسيقى الفرانكو – يابانية، وعلى جائزة الآداب والفنون في المسابقة الدولية لأداء الأغاني الفرنسية في باريس وغيرهما.
(6) – أما التأثير الأكبر على المسيرة الأدبية لكوسوكو فكان للروائي والشاعر الكبير (ناتسومي سوسيكي) (1867 – 1916)، ينظر: بنيامين يوخنا دانيال ، أقاح في التابوت.. مرثية سوسيكي لكوسوكو، (حانة الشعراء)، عدد يوم 20 / 9 / 2026.
(7) – ظهر في اليابان على نحو جلي خلال الفترة (1890 – 1900) جراء الانفتاح على الغرب. ومن رواده (كيتارو إيزومي المعروف بإيزومي كيوكا 1873 – 1939، هاروكي شيمازاكي المعروف بتوسون شيمازاكي 1872 – 1943، كيتامورا مونتارو المعروف بكيتامورا توكوكو 1868 – 1894، وأوغاي موري 1862 – 1922).








