عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

بنيامين يوخنا دانيال: أوينو.. التلال التي ألهمت ماساوكا شيكي في معزله

جاء انعزال الشاعر والناقد الياباني الكبير (ماساوكا شيكي) (1867 - 1902) في منزله المتواضع بطوكيو خلال السنوات السبع الأخيرة من عمره القصير كمآل محتوم، ومصير لا مفر منه، بعد أن تطور مرض السل الرئوي والعظمي لديه (داء بوت)، مستفحلا في جسده الهزيل المنهوك الذي غدا كالشبح الشاحب، سارقا منه عافيته وملامحه، فألزمه السرير لبقية عمره، وجعل من حركته محدودة ومحصورة في مكان نومه الضيق، معانيا من شتى الآلام الحادة جراء التنخم والدمامل وقروح الفراش وغيرها، وتحيط به نظرات الرعب والقلق لمن حوله بسبب العدوى المنتقلة عبر الهواء بسبب السعال والعطس والبصق والتنخم والتحدث وغيرها. ولكن رغم ذلك، كانت فترة بقاء شيكي في معزله الإجباري هذا الأكثر إنتاجا وإبداعا (1)، وقاد خلالها ثورة التجديد الجذرية للهايكو والتانكا بأسلوب مستوحى من الواقع، ومبتكرا لمبدأ الشاسي الذي تولى تلاميذه وأتباعه نشره وتطويره من بعده، ليتحول إلى تيار سائد ومؤثر على نحو عميق وجلي، وفقا ل (إيتشيكاوا سايشوه وهيرواكي ساتو ودونالد كين) وغيرهم من البحاث والنقاد. وقد وصف الأخير حالة شيكي كما يلي و(إن شغف ماساوكا شيكي الشديد بالكتابة قد أتاح له الاستمرار فيها، والإسهاب أيضا، رغم ما كابده من آلام مبرحة تحت تأثير داء السل الخطير الذي ألم به).

 لقد انتقل شيكي إلى هذا المنزل المستأجر (شيكي آن) (2) الواقع في منطقة (نيغيشي) على بعد ألف متر فقط من تلال (أوينو) الساحرة بتاريخ 1 شباط 1894 (3). مما أتاح له فرصة الفوز برؤية جمال تلك التلال بين الحين والآخر من خلال شبابيك غرفته المطلة عليها، وكانت منزلقة مطعمة بالزجاج، ركبت لغرفته عام 1899، بناء على اقتراح تلميذه الوفي (كيوشي تاكاهاما) (1874 - 1959)، وهدية من بقية الأصدقاء والتلاميذ، ليتسنى له النظر إلى تلك التلال الآسرة والزاخرة بالحياة، وهو في وضع الاستلقاء، مع الاستمتاع بضوء الشمس الدافىء الذي كان بأمس الحاجة إليه، ومشاهدة حديقته الصغيرة المزروعة بنبات الليف المعرش أمام شباكه مباشرة وزهور عرف الديك وزهرة الجرس الصينية وزهرة الصباح ووردة المسك. وقد انعكس ذلك ايجابيا على حياة شيكي، وساهم في تحريك سواكن فؤاده وتفجير ينابيع إبداعه.

و إليكم ثلاث قصائد هايكو وتانكا مترجمة عن الإنكليزية، ألفها شيكي حول تلال أوينو التي كانت تذكره بالأيام الخوالي، حينما كان خلالها معافى وقادرا على التنقل والتجول فيها وفي محيطها بحرية تامة، مستلهما منها قصائد الهايكو والتانكا الرائعة ولوحاته المائية ورسوماته لبعض مظاهر الطبيعة الآسرة المحيطة به، وممارسة لعبة البيسبول المفضلة لديه بشغف كبير (4)، كلاقط (المركز المفضل لديه) ورام (بيده اليسرى) منذ عام 1888 وحتى عام 1891 تقريبا، وهي الفترة التي كان فيها طالبا في المدرسة التحضيرية للجامعية (دايغاكو يوبيمون) وجامعة طوكيو الإمبراطورية، وله صورة شهيرة بزي لاعب البيسبول تعود لعام 1890، وفقا لبيانات ووثائق (متحف وقاعة مشاهير البيسبول اليابانية) المؤسس في عام 1959، والذي أضيف اسم شيكي إلى سجلاته عام 2002 تكريما له، للجهود التي بذلها وقتها في نشر هذه اللعبة في اليابان، وفي صياغة بعض المصطلحات المتعلقة بها باللغة اليابانية لأول مرة و

(1)

أمطار شهر أيار

و تلال أوينو

لقد ضجرت من رؤيتها

***

(2)

و أنا طريح الفراش

أزحت ستائر الشبابيك الواقية من المطر

و شمس الصباح تطل

على غابة اوينو

بينما أنعم ببهجة هذا اليوم الحسن

***

(3)

جنينتي ذات الثلاث أقدام

تتساقط فيها أوراق الشجر

الآتية من أوينو

 وصف شيكي جنينته هنا على أنها بمساحة (ثلاث أقدام) كتعبير مجازي، وقصد بها ال (شاكو)، و(القدم اليابانية - الشاكو) تساوي (30.3 سم) تقريبا وثلاث أقدام تساوي نحو (91 سم) أي (0.91 م). وكانت المساحة الممكن رؤيتها من قبل شيكي، وهو طريح الفراش، ومن خلال اللوح الزجاجي الذي بإزاء سريره في غرفتة ال (روكوجو) (5) (6).. الجنينة الصغيرة التي كانت تشهد سنويا تغير المواسم، وتستقبل أوراق الشجر الخريفية المتساقطة والمتلونة بألوان زاهية (ظاهرة كويو)، والآتية بفعل الريح من تلال أوينو الزاخرة بالخيزران الأسود (كوروجيكو) وأشجار الأرز وأزهار البرقوق (أومي) والكرز (ساكورا) واللوتس وطيور الدخل، فأتاحت له تناغما وثيقا مع الطبيعة الفسيحة الملهمة التي أحبها كثيرا، ووظفها في أسلوب الشاسي الذي ابتكره، ومنحته شعورا بالاندماج مع العالم الخارجي الذي اشتاق إليه، وما عاد قادرا على الخروج إليه، وهو في معزله الإجباري بمساحة (6) حصائر تاتامي، وهكذا اختصرت هذه الجنينة الصغيرة الحياة بأسرها في عينيه (7).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...........................

(1) - سمي هذا المنزل المتواضع معزلا أو معتكفا، أو صومعة وهي التسمية التي أطلقها عليه ماساوكا شيكي نفسه في شباط 1894. وقدم (دونالد كين - شمس الشتاء تشرق في الداخل وحياة ماساوكا شيكي 2013) و(جانين بيشمان - ماساوكا شيكي وحياته وأعماله 1982) و(فوكوموتو إيتشيرو - سيرة ماساوكا شيكي ولو تبقى قلبي في هذا العالم 2021) و(كوبوتا ماسافومي - ماساوكا شيكي 1986)، كل بدوره، وصفا وافيا للأمر وعن تفاصيل حياة شيكي خلال مدة إشغاله له.

(2) - استأجر ماساوكا شيكي هذا المنزل ببدل ايجار شهري مقداره (6.5) ين. وقد انتقلت ملكيته وإدارته عام 1925 من أسرة (مايدا) المالكة الأصلية إلى والدته (ياي) وأخته الصغرى (ريتسو) بعد موته، وذلك بفضل ومساعدة تلاميذه وأتباعه الذين نظموا حملة مكثفة ونشطة لجمع الأموال الضرورية لذلك من التبرعات ونشر وبيع أعمال أستاذهم الموقر.

(3) - دمر المنزل المعروف باسم (شيكيان) بتاريخ 14 نيسان 1946 جراء غارة جوية أمريكية إبان الحرب العالمية الثانية، وتولى تلميذ شيكي (سوكوتسو ساموكاوا) (1875 - 1954) وغيره مهمة إعادة البناء عام 1950. وقد تم توسيع مساحته لتبلغ (405،6) م 2، وصنف كموقع تاريخي محلي تابع لحكومة بلدية طوكيو الكبرى عام 1952. ويدار في الوقت الحالي من قبل (مؤسسة الحفاظ على شيكيان ذات النفع العام) التي شهدت النور بتاريخ 18 تموز 1928، ومديرتها الحالية هي شاعرة التانكا المعروفة (ناوكو سايتو) المحاضرة المتفرغة في دورة التانكا التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية ومنسقة اختيار مجلة (ميراي) للتانكا.

(4) - تم تسمية الملعب الذي كان يمارس فيه شيكي البيسبول في تلال أوينو رسميا باسم (ملعب ماساوكا شيكي التذكاري للبيسبول) بتاريخ 21 تموز 2006 بمناسبة مرور 130 عاما على افتتاح حديقة أوينو.

(5) - روكوجو والغرفة اليابانية التقليدية (واشيتسو) التي تبلغ مساحتها (10) أمتار مربعة تقريبا، أي (6) حصائر تاتامي، مادة الأرضيات اليابانية التقليدية.

(6) - لماساوكا شيكي أعمال نثرية وقصائد هايكو وتانكا حول البيبان والنوافذ الزجاجية التي ركب بعضها في غرفته، ومنها تلك الواردة في كتاب (السحابة الزجاجية) المترجم إلى اللغة الإنكليزية من قبل الشاعرة والمترجمة الامريكية المعروفة (آبي رايدر - هوث)، والصادر عن (دار نشر أغلي دكلينغ 2024).

(7) - قدم شيكي وصفا تفصيليا ودقيقا لجنينته الصغيرة والعزيزة على قلبه في عدة أعمال، ومنها عمله النثري (سجل الحديقة الصغيرة، شو- إن نو كي) المكتوب بأسلوب (الشاسي)، والمنشور لأول مرة عام 1898 في مجلة (هوتوتوغيسو)، ويعد من أدب فراش المرض. وقد استفتحه قائلا (لدي جنينة صغيرة مساحتها عشرون تسوبو، تقع جنوب منزلي، وهي محاطة بأشجار أرز أوينو). وقد تطرقت إليه (أ. د. جانين بيشمان) الاستاذة الفخرية في جامعة دايتو بونكا اليابانية في كتابها القيم (ماساوكا شيكي وحياته وأعماله، شركة تشينغ وتسوي، ط 2، 2002).

في المثقف اليوم