قراءة نحوية في جدل البصريين والكوفيين
تبدو كلمة «الآن» في ظاهرها لفظةً زمنيةً مألوفة، تدل على اللحظة الحاضرة التي يقع فيها الفعل أو ينشأ فيها القول، غير أن هذا اللفظ البسيط يخفي وراءه مسألة نحوية ولغوية دقيقة، تكشف عن اختلاف منهجي عميق بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النظر إلى وظيفة «ألـ»، وإلى علاقة اللفظ بأصله الاشتقاقي، وإلى ما يجوز حمله على القياس وما يجوز حمله على السماع والضرورة الشعرية.
والسؤال الذي يستوقف اللغوي هنا: هل «الآن» اسم زمان جامد مستقل، أم أنه في أصله تركيب اشتقاقي دخلت عليه «أل»؟ وهل «أل» فيه للتعريف، أم أنها زائدة، أم أنها جزء من بنية اللفظ؟
وهذه المسألة تفتح باباً أوسع من مجرد إعراب كلمة؛ إذ تكشف عن اختلاف المدرستين في فهم طبيعة اللغة بين القياس والسماع، وبين الأصل والتحول، وبين ما تقتضيه الصناعة النحوية وما تحفظه العرب في كلامها.
أولاً: «الآن» من حيث أصلها اللغوي:
يرتبط لفظ «الآن» بالفعل «آنَ»، أي: حان وقته، أو جاء أوانه. تقول العرب:
آنَ الرحيلُ.
أي: حان وقته.
وتقول:
آنَ للغائب أن يعود.
أي حان له وقت العودة.
ومن هذا الباب يمكن ردُّ الدلالة الزمنية إلى معنى الحلول والحين والبلوغ إلى الوقت.
وقد قرن اللغويون بين «آن» و«حان» في الدلالة؛ فكلاهما يفيد بلوغ الوقت وحلوله. ومن هنا تأتي الصلة الاشتقاقية بين الآن وآنَ، وإن كانت المسألة في حقيقتها أوسع من مجرد القول إن «الآن» اسم فاعل أو مشتق مباشر من الفعل.
فالقول:
الآنَ وقتُ الرحيل.
يحيل إلى زمن حاضر محدد، في حين أن:
آنَ الرحيلُ.
يفيد أن زمن الرحيل قد حان.
وهنا يتحول الفعل من الدلالة على حدوث حلول الزمن إلى الاسم الدال على الزمن الحاضر نفسه.
ثانياً: «أل» في «الآن»؛ أهي للتعريف؟
هنا تبدأ المسألة النحوية الدقيقة.
فالأصل العام عند النحاة أن «أل» تدخل على الاسم لتعريفه، مثل:
رجل - الرجل
كتاب - الكتاب
علم - العلم
غير أن دخول «أل» على بعض الألفاظ لا يجري دائماً على صورة التعريف الاسمي المعتادة.
وقد ذهب البصريون إلى عناية شديدة بأصل الكلمة وبنيتها الاشتقاقية، ولذلك نظروا إلى «أل» في بعض المواضع بوصفها ذات صلة بالبنية الأصلية للفظ، لا مجرد أداة تعريف يمكن فصلها عنه آلياً.
ومن هنا تظهر قيمة المثال الذي نحن بصدده: الآن.
فإذا حملنا «الآن» على أصلها المتصل بـ«آنَ»، فإن «أل» لا تبدو مجرد أداة طارئة أضيفت إلى اسم زمان مستقر، بل تصبح جزءاً من التحول الذي انتهى باللفظ إلى صورته المعروفة.
وهذه القضية نفسها هي التي تجعل بعض الأبنية العربية القديمة عصية على التفسير إذا عوملت «أل» فيها دائمًا باعتبارها مجرد علامة تعريف.
ثالثاً: القياس البصري وأصل الاشتقاق:
منهج البصريين يقوم في جانب كبير منه على القياس، وردّ الفروع إلى الأصول، وتعليل الظواهر اللغوية.
ولهذا كان المبرّد ومن سار في طريقته شديدي العناية بتفسير الظواهر من داخل نظام العربية، لا بمجرد إثبات ورودها في كلام العرب.
ومن القضايا المتصلة بهذا الباب أن «أل» قد تدخل على بعض المشتقات التي يكون معناها قريبًا من معنى «الذي».
فنقول:
جاء الشاري.
أي:
جاء الذي اشترى.
ونقول:
مررت بالبائع.
أي:
مررت بـالذي باع.
فـ«أل» هنا ليست مجرد علامة تعريف سطحية، وإنما يمكن أن تحمل معنى الموصول في بعض الاستعمالات، بحيث يصبح:
الشاري يساوي الذي اشترى
البائع يساوي الذي باع
الضارب يساوي الذي ضرب
وهذا من المواضع التي تكشف عن ثراء العربية في نقل الوظيفة النحوية من أداة مستقلة إلى بنية صرفية أو تركيبية.
رابعاً: «أل» والموصول عند الكوفيين:
أما الكوفيون، فقد كانوا أكثر اتساعاً في قبول المسموع والرواية، وأقل تشدداً في إخضاع جميع الظواهر للقياس البصري الصارم.
ومن ثم يمكن فهم بعض تأويلاتهم لـ«أل» في المشتقات على أنها تؤدي وظيفة تخفيفية أو اختصارية؛ إذ تغني عن الإتيان بالموصول وما بعده.
فبدل أن نقول:
جاء الذي اشترى الكتاب.
يمكن أن نقول:
جاء الشاري الكتابَ.
أي إن البنية الاسمية المشتقة قد تحمل في داخلها دلالةً موصوليةً يمكن أن تستغني بها العربية عن التركيب الأطول.
وهذا ينسجم مع طبيعة العربية في الإيجاز والحذف والتضمين.
خامساً: شاهد الفرزدق:
ومن الشواهد الشعرية المشهورة في هذا الباب قول الفرزدق:
ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومتُهُ
ولا الأصيلِ ولا ذي الرأيِ والجدلِ
والشاهد هنا في قوله:
التُرضى حكومتُه
فـ«أل» في «التُرضى» تحمل معنى الموصول، والتقدير:
الذي تُرضى حكومتُه.
فليست «أل» هنا مجرد تعريف لـ«التُرضى»، وإنما أدت وظيفة تركيبية يمكن أن تقارب وظيفة «الذي».
وهذا الشاهد يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن العربية لا تفصل دائمًا بين التعريف والموصولية فصلًا جامدًا؛ فقد تتداخل الوظائف بحسب البنية والسياق.
سادساً: هل «أل» في المشتق هي نفسها «أل» التعريف؟
هنا تتباين طرائق النحاة في التحليل.
فإذا قلنا:
جاء الرجلُ.
فـ«أل» للتعريف.
أما إذا قلنا:
جاء الضاربُ زيدًا.
فيمكن أن يكون المعنى:
جاء الذي ضرب زيدًا.
وهنا يصبح الاسم المشتق العامل أقرب إلى تركيب موصولي.
ومن ثم فإن:
الضارب يساوي الذي ضرب
ليس مجرد استبدال لفظ بلفظ، وإنما هو انتقال من بنية موصولية إلى بنية اشتقاقية أكثر تكثيفًا.
وهذه الخاصية تكشف جانباً من عبقرية العربية؛ فهي قادرة على ضغط الجملة في كلمة واحدة دون أن تفقد العلاقة الدلالية بين الفعل والفاعل والمفعول.
سابعاً: بين البصريين والكوفيين: القياس والسماع
الخلاف بين البصريين والكوفيين في هذه المسائل لا ينبغي اختزاله في أن هؤلاء «يصححون» وأولئك «يخطئون»، فكلتا المدرستين أسهمت في بناء النظرية النحوية العربية.
البصريون أكثر ميلًا إلى:
القياس.
رد الفروع إلى الأصول.
ضبط القاعدة.
تقليل الشواذ.
تعليل الظاهرة.
أما الكوفيون فكانوا أوسع روايةً واستشهاداً، وأكثر قبولاً لما ورد عن العرب، ولا سيما في الشعر واللهجات.
ولهذا كان الشعر عند الكوفيين مجالًا واسعاً للاحتجاج، حتى يمكن صياغة الفرق بين المنهجين في عبارة موجزة:
ما كان عند البصريين خروجاً يحتاج إلى تعليل، قد يكون عند الكوفيين شاهداً على اتساع العربية.
ولذلك فإن العبارة التي تشير إلى أن «الوزن عند الكوفيين كالقياس عند البصريين» يمكن فهمها في إطار اختلاف النظرة إلى الشعر: فالبنية الشعرية عند الكوفيين ليست أمرًا هامشيًا، بل عنصر مهم في تفسير بعض الظواهر اللغوية التي لا تستقيم إذا حُصرت في النثر المعياري وحده.
ثامناً: الضرورة الشعرية ليست كلام الطبع:
غير أن الاحتجاج بالشعر لا يعني أن كل ما يرد فيه يصبح قاعدة مطردة.
فهنا ينبغي التمييز بين:
لغة الطبع ولغة الضرورة.
فـ«لغة الطبع» هي ما جرى عليه لسان العربي من غير تكلف ولا اضطرار، أما «الضرورة الشعرية» فهي ما حمل الشاعر عليه الوزن أو القافية أو مقتضيات البناء الشعري.
ومن الخطأ أن نجعل الضرورة الشعرية أصلًا يقاس عليه في النثر.
فالشاعر قد يحذف، أو يزيد، أو يقدم، أو يؤخر، أو يصرف لفظًا على غير القياس المألوف، لأن البحر والقافية يفرضان عليه أحيانًا ما لا يفرضه الكلام المنثور.
وهنا تتضح قيمة عبارة:
ليس كل ما في الشعر كلامَ طبع، كما أن ليس كل ما خالف القياس خطأ.
فاللغة أوسع من القاعدة، والقاعدة محاولة لوصف اللغة لا سجنها.
تاسعاً: «أل» وشبه اسم الإشارة
ومن الملاحظات التي تنسب إلى الاتجاه الكوفي النظر إلى بعض الأدوات والبنى من حيث وظيفتها الإشارية أو الدلالية، لا من حيث صورتها الصرفية وحدها.
وهذا يفتح باباً مهماً لفهم «أل» في بعض الأبنية: فهي قد تتجاوز كونها علامة تعريف إلى وظيفة تحديدية تجعل الاسم معيناً في ذهن المتلقي.
فحين نقول:
الآن
فنحن لا نشير إلى زمن مجهول، بل إلى زمن معين حاضر في مقام الكلام.
وكأن اللفظ يقول:
هذا الوقت.
ومن هنا يمكن تقريب «الآن» من الوظيفة الإشارية في الاستعمال، وإن لم يكن ذلك معناه النحوي المباشر بالضرورة.
فاللغة لا تعمل في فراغ؛ إذ يتداخل فيها الزمان، والمقام، والإشارة، والتعيين، والتعريف.
عاشراً: أمثلة تطبيقية
لننظر إلى الفروق الآتية:
١. الفعل «آن»
آنَ أوانُ الرحيل.
أي: حان وقت الرحيل.
٢. اسم الزمان «الآن»
سأبدأ الآن.
أي: في هذا الوقت الحاضر.
٣. اسم الفاعل
جاء البائعُ.
أي: جاء الذي باع.
٤. الصفة المشتقة ذات الدلالة الموصولية
أكرمتُ الضاربَ زيداً.
أي:
أكرمتُ الذي ضرب زيدًا.
٥. «أل» الموصولة في الشاهد الشعري
التُرضى حكومتُه
أي:
الذي تُرضى حكومتُه.
وهنا نرى كيف يمكن لبنية واحدة أن تضغط تركيبًا موصوليًا كاملًا.
خاتمة: العربية بين القياس وذاكرة الاستعمال
إن قضية «الآن» و«أل» ليست مسألة جزئية في أبواب النحو، وإنما هي نافذة على فلسفة العربية نفسها. فالعربية لغة تحفظ أصولها، لكنها لا تتجمد عندها؛ وتستعمل القياس، لكنها لا تستغني عن السماع؛ وتحتكم إلى القاعدة، لكنها تترك للشعر واللهجات والتطور الدلالي مساحات واسعة للحركة.
ومن هنا كان اختلاف البصريين والكوفيين اختلافًا في منهج النظر إلى اللغة بقدر ما هو اختلاف في تفسير ظاهرة بعينها.
فالبصري يسأل:
ما الأصل الذي يمكن أن نرد إليه هذا الاستعمال؟
والكوفي يسأل، في كثير من المواضع:
كيف قالت العرب؟ وهل ثبت ذلك في كلامها؟
وبين السؤالين تشكل علم النحو العربي.
أما «الآن»، تلك الكلمة الصغيرة التي نحملها في كل جملة عن الزمن الحاضر، فتظل شاهدًا بديعًا على أن الكلمة العربية ليست جسدًا صوتيًا جامدًا؛ إنها تاريخٌ مختصر للاشتقاق، وذاكرةٌ للسماع، وحركةٌ بين الفعل والاسم، وبين الحضور والإشارة، وبين القياس وما تحفظه العربية من أسرارها القديمة.
وفي ذلك كله تتجلى إحدى خصائص العربية الكبرى: أن الكلمة قد تكون أصغر وحدة في الجملة، لكنها تحمل في أعماقها تاريخًا نحويًا وصرفيًا ودلاليًا بأكمله.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








